صيام رمضان: أحكام صيام رمضان

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الرّابعة لشهر شَعْبَان بتأريخ 25\8\1439هـ-11\5\2018م

حول : صيام رمضان: أحكام صيام رمضان

الحمد لله ربّ العالمين الّذي جعل رمضان فرصة نادرة لإحياء القلب وإيقاظه من رقدته وإشعال فتيل التّقوى وجذوة الإيمان القائل في كتابه العزيز: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 2\183]. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ  وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ؛ إنَّهُ مَنْ يهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ؛ أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ تعظيماً لشانه ؛ وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ ؛ الداعي إلى رضوانه؛ بَلَّغَ الرِّسالَةَ , وأدّى الأمَانَةَ , وَنَصَحَ الأمّة , وَكَشَفَ اللهُ بِهِ الْغُمَّة , وَجاهَدَ فِي سَبيلِ الله حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى أتَاهُ الْيَقِينُ, القائل في حديثه الشّريف:  ” لا يَصُومُ عَبْدٌ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ اِلَا بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ الْيَوْم النَّارَ عَنْ وَجْهِهُ، سَبْعِينَ خَرِيفاً ” رواه الجماعة، إلا أبا داود.  والصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَليه وَعَلَى آلهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.

أمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهَا مَقصود العبادات فَقَدْ قَالَ تَعَالَى:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾{البقرة:2\21}.وعلى قدرها في القلب يكون قرب العبد أو بعده من الله عزّ وجلّ : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:49\13].

إخوة الإيمان, هذا هو اللّقاء الرّابع في شهر شعبان, وقد ناقشنا موضوعات رمضانيّة في الخطب الماضية, نحو: الاستعداد لشهر رمضان, وفضائله ووظائفه. واليوم إن شاء الله تعالى , نسوق حديثنا إلى :

أحكام صيام رمضان

الناس في الصيام : من يصوم ومن لا يصوم

الصوم واجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم.

1-من لا يجوز له الصيام: وهو الكافر لا يصوم، ولا يجب عليه قضاء الصوم إذا أسلم, ولا يقبل منه وإن صامه.

2-من يجوز له الفطر وتجب عليه الفدية دون القضاء, وهم العاجز عن الصوم لسبب دائم كالكبير والمريض مرضاً لا يرجى برؤه، يطعم عن كل يوم مسكيناً.

3-من لا يجب عليه الصوم ولا الإطعام عنه: المجنون وإن كان كبيراً، ومثله المعتوه الذي لا تمييز له، والكبير المهذي الذي لا تمييز له.

4-من يباح له الفطر ويجب عليه القضاء: المريض مرضاً طارئاً ينتظر برؤه يفطر إن شق عليه الصوم، ويقضي بعد برئه.

5-أما الحامل والمرضع إذا شق عليهما الصوم من أجل الحمل أو الرضاع، أو خافتا على ولديهما، تفطران وتقضيان الصوم إذا سهل عليهما وزال الخوف.

6-من يجب عليه الفطر والقضاء معا: هي المرأة الحائض والنفساء, فإنهما لا تصومان حال الحيض والنفاس وجوبا، وتقضيان ما فاتهما.

7-المضطر للفطر لإنقاذ معصوم من غرق أو حريق يفطر لينقذه ويقضي.

8-المسافر إن شاء صام وإن شاء أفطر وقضى ما أفطره، سواء كان سفره طارئاً كسفر العمرة أم دائماً كأصحاب سيارات الأجرة (التكاسي والمرسيدس) فيفطرون إن شاءوا ما داموا في غير بلدهم.

9-من يندب له الصيام تعليما وتدريبا: الصغير الذي لم يبلغ لا يجب عليه الصوم، لكن يؤمر به ليعتاده ويتمرس عليه.

مفطّرات الصائم

لا يفطر الصائم إذا تناول شيئاً من المفطرات ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً، لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] . وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ [النحل: 106] وقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] . ولقوله –عليه الصلاة والسلام- “رفع القلم عن ثلاث: النائم حتي يستيقظ, الصبي حتي يحتلم, والمجنون حتي يفيق”

فإذا نسي الصائم فأكل أو شرب لم يفسد صومه؛ لأنه ناس.

ولو تمضمض فدخل الماء إلى حلقه بدون قصد، لم يفسد صومه؛ لأنه غير متعمد.

ولو احتلم في نومه، لم يفسد صومه؛ لأنه غير مختار.

إذا أكل، أو شرب، أو جامع – ظانا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر، فظهر خلاف ذلك – فعليه القضاء، عند جمهور العلماء، ومنهم الائمة الاربعة.

وذهب إسحاق، وداود، وابن حزم، وعطاء، وعروة، والحسن البصري، ومجاهد: إلى أن صومه صحيح، ولاقضاء عليه.

لقول الله تعالى: (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) .

ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إن الله وضع عن أمتي الخطأ الخ … “. وتقدم.

وروى عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن الاعمش، عن زيد بن وهب قال: ” أفطر الناس في زمن عمر بن الخطاب، فرأيت عساسا ((1) ” عساسا ” أي أقداحا ضخاما، قيل: إن القدح نحو ثمانية أرطال.) أُخرِجَت من بيت حفصة فشربوا ثم طلعت الشمس من سحاب فكأَن ذلك شق على الناس، فقالوا: نقضي هذا اليوم، فقال عمر: لم؟ والله ما تجانفنا لاثم ” ( ” ما تجانفنا ” التجانف: الميل. أي لم نمل لارتكاب الاثم.) .

وروى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: أفطرنا يوما من رمضان، في غيم، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس.

قال ابن تيمية: وهذا يدل على شيئين:

(الاول) : يدل على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب، فإنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة – مع نبيهم – أعلم وأطوع لله ولرسوله، ممن جاء بعدهم.

(والثاني) : يدل على أنه لا يجب القضاء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمرهم بالقضاء، لشاع ذلك كما نقل فطرهم فلما لم ينقل دل على أنه لم يأمرهم به.

مُبَاحَاتُ الصِّيَامِ :

1 – نُزُولُ الْمَاءِ والانْغِمَاسِ فِيهِ: سواءً كان ذلك من العطش أو الحر. فإن دخل الماء في جوف الصائم من غير قصد فصومه صحيح.

2 – الاكْتِحَالُ: والقطرة وَنَحْوُهُمَا مِمَّا يَدْخُلُ الْعَيْنِ : سواء أوجد طعمه في حلقه أم لم يجده، لأن العين ليست بمنفذ إلى الجوف.

3 – القُبْلة: لِمَنْ قَدَرَ عَلَى ضَبْطِ نَفْسِهِ. فإن حركت شهوة شاب، أو شيخ قوي، كرهت. وإن لم تحركها لشيخ أو شاب ضعيف، لم تكره، والأولى تركها. والمعانقة لها حكم القُبلة.

4 – الْحُقْنَةُ: إذا لم تكن للتغذية، سواء أكانت في العروق، أم تحت الجلد، فإنها وإن وصلت إلى الجوف، فإنها تصل إليه من غير المنفذ المعتاد. وكذلك الحقنة الشرجية لا تفطر الصائم. قال ابن تيمية: فإنها لا تغذي، بل تستفرغ ما في البدن.

5 – الْحِجَامَة: إلا إذا كانت تضعف الصائم فإنها تكره له.

6 – الْمَضْمَضَةُ والاسْتِنْشَاقُ: إلا أنَّهُ تُكْرَهُ الْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا لِلصَّائِمِ ، وَالْمَقْصُودُ بِالاسْتِنْشَاقِ: إدخال الماء في الأنف. وقد كره أهل العلم السَّعُوط للصائم، ورأوا: أن ذلك يفطر. والمقصود بـ «السَّعُوط»: وضع الدواء في الأنف.

7 – وكذا يُبَاحُ لَهُ مَا لاَ يُمْكِنُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ : كبلع الريق وغبار الطريق، وغربلة الدقيق والنخالة ونحو ذلك. وقال ابن عباس: لا بأس أن يذوق الطعام الخل، والشئ يريد شراءه. وكان الحسن يمضغ الجوز لابن ابنه وهو صائم.

8 – قال ابن تيمية: وشم الروائح الطيبة لا بأس به للصائم.

9 – ويُبَاحُ لِلصَّائِمِ ، أَنْ يَأْكُلَ، وَيَشْرَبَ، وَيُجَامِعَ ، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، فإذا طلع الفجر، وفي فمه طعام، وجب عليه أن يلفظه، أو كان مجامعًا وجب عليه أن ينزع. فإن لفظ أو نزع، صح صومه، وإن ابتلع ما في فمه من طعام، مختارًا، أو استدام الجماع، أفطر. وهناك رأى آخر في «تمام المنة» في الرد على ذلك: قال الألباني: وهذا تقليد لبعض الكتب الفقهية، وهو مما لا دليل عليه في السنة المحمدية، بل هو مخالف لقوله – صلى الله عليه وسلم -: ” إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ والإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ ، فَلاَ يَضَعُهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ “ [رواه أحمد وأبو داود – «صحيح الجامع»]. وفيه دليل على أن من طلع عليه الفجر وإناء الطعام أو الشراب على يده أنه يجوز له أن لا يضعه حتى يأخذ حاجته منه، فهذه الصورة مستثناة من الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. ويشمل ذلك – كما في شريط أسئلة رمضانية للألباني -: إذا كان يأكل والطعام أمامه.

10 – يُبَاحُ لِلصَّائِمِ أَنْ يُصْبِحَ جُنُباً: “كانَ – صلى الله عليه وسلم – يُصْبِحُ جُنُبًا، وَهُوَ صَائِمٌ ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ “ [متفق عليه].

11 – وَالْحَائِضُ والنَّفَسَاءُ إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ مِنَ اللَّيْلِ: جاز لهما تأخير الغسل إلى الصبح، وأصبحتا صائمتين، ثم عليهما أن تتطهرا للصلاة.

مُبْطِلاتُ الصِّيامِ:

أَوَّلاً: مَا يُبْطِلُهُ، وَيُوجِبُ الْقَضَاءَ:

1 – 2 – الأَكْلُ وَالشُّرْبُ عَمْدًا. 3 – الْقَىْءُ عَمْدًا. فإن غلبه القئ، فلا قضاء عليه ولا كفارة.

4 – 5 – الْحَيْضُ ، وَالنِّفَاسُ، ولو في اللحظة الأخيرة، قبل غروب الشمس، وهذا مما أجمع العلماء عليه.

6 – الاسْتِمْنَاءُ – وهو تعمد إخراج المني بأي سبب من الأسباب -: سواء، أكان سببه تقبيل الرجل لزوجته أو ضمها إليه، أو كان باليد – ومعلوم أن الاستمناء باليد حرام – وهناك رأيان: الرأى الأول: أن الاستمناء يبطل الصوم، ويوجب القضاء. والرأى الثاني: يرى أن الاستمناء وإن كان حرامًا إلا أنه لا يبطل الصوم. وهو رأى الشوكاني والصنعاني والألباني.

7 – تَنَاوُلِ مَا لاَ يُتَغَذَى بِهِ ، من المنفذ المعتاد، إلى الجوف: مثل تعاطي الملح الكثير، فهذا يفطر في قول عامة أهل العلم.

8 – وَمَنْ نَوَى الْفِطْرَ – وَهُوَ صَائِمٌ – بَطَلَ صَوْمُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَّلْ مُفْطِرًا. فإن النية ركن من أركان الصيام، فإذا نقضها – قاصدًا الفطر ومتعمدًا له – انتقض صيامه لا محالة.

9 – إذا أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، أَوْ جَامَعَ – ظانًّا غُرُوبَ الشَّمْسِ أَوْ عَدَمِ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فظهر خلاف ذلك. فهناك رأيان: الرأى الأول: وهو رأى الجمهور أن عليه القضاء.

والرأى الثاني: وهو ما يرجحه ابن تيمية أن صومه صحيح، ولا قضاء عليه. لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب]. وروى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: أفطرنا يومًا من رمضان في غيم، على عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ثم طلعت الشمس. قال ابن تيمية: وهذا يدل على أنه لا يجب القضاء، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – لو أمرهم بالقضاء، لشاع ذلك كما نقل فطرهم، فلما لم ينقل دل على أنه لم يأمرهم به.

ثانيًا: وأمَّا ما يبطله ويوجب القضاء، والكفارة: فهو الجماع، لا غير، عند الجمهور. (والكفارة: عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا). وبالنسبة للكفارة فهناك رأيان:

الرأى الأول وهو مذهب الجمهور: أن المرأة، والرجل سواء في وجوب الكفارة عليهما، ما داما قد تعمدا الجماع مختارين في نهار رمضان، ناويين الصيام.

الرأى الثاني: أنه لا كفارة على المرأة مطلقًا، لا في حالة الاختيار، ولا في حالة الإكراه. وإنما يلزمها القضاء فقط. وتكون الكفارة على الرجل فحسب.

12 – قضاء رمضان:

الرأى الأول: أن قضاء رمضان لا يجب على الفور، بل يجب وجوبًا موسعًا في أي وقت، وكذلك الكفارة. وبالتالي يجوز للمرأة مثلاً أن تصوم ست شوال قبل أن تقضي ما عليها من رمضان.

الرأي الثاني: أن قضاء رمضان يجب على الفور، وبالتالي فلا يجوز للمرأة مثلاً أن تصوم ست شوال قبل أن تقضي ما عليها من رمضان. وإن أَخَّر القضاء حتى دخل رمضان آخر، صام رمضان الحاضر، ثم يقضي بعده ما عليه، ولا فدية عليه، سواء كان التأخير لعذر، أم لغير عذر. ولا يشترط في القضاء التتابع ولا الزيادة على الأيام التي أفطر فيها.

13 – من مات وعليه صيام: هناك رأيان:

الرأى الأول وهو رأى الجمهور: أن وليه لا يصوم عنه ويُطعم عن كل يوم مسكينًا.

الرأى الثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه.

14 – التقدير في البلاد التي يطول نهارها ويقصر ليلها: الرأى الأول: يكون التقدير على البلاد المعتدلة التي وقع فيها التشريع، كمكة والمدينة،

الرأى الثاني: يكون التقدير على أقرب بلاد معتدلة إليه .

أقول قولي هذا أستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنّه هو الغفور الرّحيم .

الخطبة الثّانيّة :

الحمد لله ربّ العالمين , الخالق البارئ المصوِّر الّذي له الأسماء الحسنى , القائل في كتابه العزيز : ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:49\13] , نحمده سبحانه وتعالى ونشكره ونؤمن به ونتوكّل عليه ونصلّي ونسلّم على خير خلقه سيّدنا ومولانا محمّد القائل في حديثه الشّريف : “مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَأيَةٍ عِمِّيَّةٍ يَدْعُو عَصَبِيَّةً أوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ ” رواه مسلم (1850) عن جندب بن عبد الله البَجَليِّ . وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين .

أمّا بعد ,

فعباد الله , إنّه من المستحسن أن نُفيدكم علما بأنّ هناك فيديو ينتشر في مجتمعنا في الوقت الرّاهن حول رجل يَدَّعِى أنّه هو إمام الجامع العام لبلاد يوربا لأنّه من إلورن , مدينة إسلامية أصيلة . ويدعو النّاس إلى إخراج أمير إلون وأسرته الفلانيّين من مدينة إلورن لأنّهم فلانيّون ومدينة إلورن أصلا من بلاد يوربا . وتكلّم كثيرا وكثرت في كلامه شطحات غير معقولة وغير شرعيّة . ونريد في هذا المنبر المتواضع إرشاد الأمّة الإسلاميّة إلى وحدة الأمّة ونبذ العصبية القبليّة لأنّها خطر على الوحدة التي هي قوّتنا المتينة الأصيلة .

العصبية القبلية..

نهى الدين الإسلامي عن التفاخر بين الناس الذي يؤدي بهم إلى العصبية أو القبلية التي تؤدي إلى الشقاق والخلاف بين الناس، والتفريق بين المجتمع الواحد، بل وتؤدي بهم إلى قطع أواصر الصلة والمحبة بينهم.. وقد ورد في القرآن الكريم ما يؤكد على التواصل والمحبة بين أفراد المجتمع المسلم، ويحقق الوئام بين عموم المسلمين، من خلال رابطة العقيدة الإسلامية، التي هي أسمى رابط بين المجتمع المسلم.. وفي ظل هذا الهدف الأسمى للدين الإسلامي، وتأكيداً على رابطة العقيدة، ونبذ العصبية والقبلية التي كانت سائدة قبل الإسلام، وما شهدته السنوات الأخيرة من عودة بعض من صفات الجاهلية من التفاخر بالقبيلة، وظهور العصبية.. كيف نرسخ المفاهيم الإسلامية بين أفراد المجتمع المسلم، ونعيد التأكيد على ترسيخ مفهوم المجتمع المسلم الواحد الذي يمتاز فيما بينه بميزة تقوى الله.. كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13].

ولما ظهر الإسلام حرم العصبية القبلية ففي الحديث الشريف «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية» وأحل الرابطة الدينية، وجعلها فوق كل صفة فصار معيار الناس ووزن الأفراد يخضع لقول الله تعالى ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أتقاكم ﴾

[الحجرات :49\13].

الدُّعَاءُ:

اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً , سَخَّاءَ رَخَّاءَ , وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ ياَ رَبَّ الْعَالَمِينَ .

اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلَّا يَسَّرْتَهُ وَلَا مَيِّتاً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ياَ حَيٌّ يَا قَيُومٌ .اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِوالِدَيْناَ ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ , الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ . وصَلّى اللهُ على سيِّدنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

Page 6 of 6

Leave a Reply