(2018) 1440 طَبِيعَة الدَّوْلَةِ فِي الإسْلامِ

Download (2018) 1440 طَبِيعَة الدَّوْلَةِ فِي الإسْلامِ here

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخطْبَة الأُولى لشّهْرِ ربيع الأوّل بتأريخ 1\3\1440هـ-9\11\2018م

حول :طَبِيعَة الدَّوْلَةِ فِي الإسْلامِ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ , فَاطِرِ السَّمَاواتِ والْأَرْضِ , نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ , ونَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ , وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِد اً ؛ أشْهَدُ أنْ لاَإلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ , لَهُ الْمُلْكُ ولَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءِ قَدِيرٌ .  وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , أرسله ليبين لأمته شرائع الإسلام. اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أما بعد:

فَيا عِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, ظَاهِراً وَبَاطِناً عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ {آل عمران:3\102}.

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ {النِّساء:4\1}.

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ {الأحزاب:33\70-71}.

إِخْوَةَ الإِيمانِ, هذا هُو اللّقَاءُ الْأَوَّلُ فِي شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوّلِ , وَنَحْنُ فِي سِلْسِلَة مَوْضُوعِنا السِّياسية. وقدتحدّثْنا عَنْ أربعة موضوعاتٍ , ألا , وهي : الانتخابات المعاصرة : نشأتها وأحكامها  و مفهوم السيّاسة من المنظور الإسلامي و الفرق بَيْنَ السِّياسةِ الشَّرْعِية والسِّيَاسَةِ الْوَضْعِيّة و مكانة الدَّولَة في الإسلام و مَعَالِمُ الدَّوْلَةِ الَّتِي يَبْنِيهَا الإِسْلامُ على التّوَالي. وَرَكَّزْنَا حَدِيثَنَا فِي الْخُطْبَتَيْنِ الْمَاضِيَتَيْنِ عَنْ مَعالِم الدَّوْلَةِ الّتِي يَبْنِيهَا الْإِسْلامُ والْيَوْمَ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ سَنتَحَدَّثُ عَنْ طَبِيعَةِ الدَّوْلَةِ فِي الْإِسْلامِ .

أيّها الْمُسْلِمُون الْكِرَامُ , للدَّوْلَةِ الْإِسلاميّة طَبِيعَةٌ تُمَيِّزُهَا مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الدُّوَلِ الْوَضْعِيّة . مِنْهَا أنّهَا :

دولة إسلامية .. لا دولة دينية :

ذكَرْنَا في (معالم الدَّوْلَةِ الّتِي يَبْنِيهَا الْإِسْلامُ) أَنَّهَا (دَوْلَةٌ مَدَنِيّة) مَرْجَعُهَا الْإِسْلامُ , وَلَيْسَتْ (دَوْلَة دينية) بِالْمَفْهُومِ الّذِي عَرَفَهُ الْغَرْبُ فِي تَأْرِيخِهِ , الّذِي تميّز بِالصِّراع مَعَ (دَوْلَة الكَنِيسة) وَانتهَى بالثَّوْرَةِ عَلَيْهَا , وَالتّنادي بالصَّيْحَةِ الْمَشْهُورَة : اشنقوا آخر ملك بأمعَاء آخر قسيس !

وَلَكِنَّ الْعِلْمَانِيّين فِي دِيَار الْعَرُوبة وَالْإِسلام يدعُونَ زُوراً عَلَى الدَّوْلَةِ فِي الْإسْلامِ أنّهَا دولة دينية تحكم بما سمَّوْهُ (الْحقّ الْإِلهي ).

إِنّ التَّطْبِيقِ الشّرِيعَة الْإٍسلامِيّة لا بُد أنْ يَعُود إِلَى دَوْلَةٍ دِينية , والدَّوْلَة الدِّينية لا بُدَّ أَنْ تَقُودَ إِلَى حُكْمٍ بِالْحَقِّ الْإٍلهِي لا يَعْرِفُهُ الْإسْلامُ , أَوْ قُلْ عرفه فقط في عهد الرّسول , والْحُكمُ بِالْحَقِّ الْإِلهِي لا يُمْكِنُ أَنْ يُقَامَ إِلا مِنْ خِلالِ رجَالِ دِينِ . إِمّا بِصُورَةٍ مُبَاشَرَةٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشَرَة . هــــ .

وألح الدّكتور فُؤَادُ زكريا – في مقالاته التي نَشَرَهَا فِي “الأهرام” في صيف 1985 , والتي نشرها في كتابه “الحقيقة والوهم” وفي مقدّمة كتابه وخاتمة – على ترديد كلمة “الحكم الإلهي” الّذي يُنادي به دعاة تطبيق الشّريعة الإسلامية , ليوهم قارئه بهذه العبارة أنَّهم يدعون إلى دولة دينية “ثيوقراطية”

دَوْلَةُ الْإِسْلامِ دَوْلَةٌ مَدَنِيّة :

ونُرِيدُ أَنْ نقُولَ لِهؤلاء الّذينَ يَتّهمون دعاة الْإسلامِ بِأنّهُمْ يدعون لإقامة دَوْلَةٍ دِينية : إنّكُمْ تقولون على دُعاة الإسلام غير الحقِّ , وتُقوِّلُونَهُمْ ما لم يقُولُوا , فهم يدعون أبداً إلى إقامة دولة إسلامية , ولم يدعوا يوماً – ولن يدعوا – إلى دولة دينية .

وفرق كبيرٌ بين الدّولة الإسلامية – أي الدّولة التي تَقُومُ عَلَى أَسَاسِ الْإِسْلام- وَالدَّوْلَة الدِّينية التِي عَرَفَهَا الْغَرْبُ النَّصْرَانِي فِي الْعُصُورِ الْوُسْطَى. وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ هُنَاكَ خَلطاً كَبِيراً بَيْنَ مَا هُوَ إِسْلامِيٌّ وَمَا هُوَ دِينِيٌّ , فَكَثِيرُونَ يَحْسَبُونَ أَنَ كُلَّ مَا هُوَ إِسْلامِيٌّ يَكُونُ دِينيّاً .

وَالْوَاقِعُ أَنَّ الْإسْلامَ أَوْسَعُ وَأَكْبَرُ مِنْ كَلْمَةِ دِينِ . حَتَّى إِنَّ عُلَمَاءَ الْأُصُولِ الْمُسْلِمِينَ جَعَلُوا “الدِّينَ” إِحْدَى الضَّرُورِياتِ الْخَمْسُ أو السِّتُّ التي جاءت الشَّرِيعةُ لِحِفْظِهَا . وَهِيَ : الدِّينُ وَالنَّفْسُ وَالْعَقْلُ وَالنَّسْلُ وَالْمَالُ , وَزَادَ بَعْضُهُمْ  : الْعِرْضُ .

نَضْرِبُ مَثَلاً موضحاً , نَحْنُ نَدْعُو إِلَى تَرْبِيَّةٍ إِسْلامِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ , وهذه التّربية تَشْمُلُ أنْوَاعاً من التَّربية تبلُغُ بِضْعة عَشَرَ نَوْعاً , إحداها : التّربية الدِّينية , إلى جوار التَّربية : العقلية والجسمية والخُلقية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والسّياسية والعلمية والأدبية والمهنية والفنية والجنسية … إلخ . فالتّربية “الدينية” شُعْبَةٌ واحدة مِنْ شُعَبِ التّربية “الإسلامية” الكثيرة .

فالخطأ كُلّ الْخطأ الظّنّ بأنّ الدّولة الإسلامية التي ندعو إليها دولة دينية . إنّما الدّولة الإسلامية “دولة مدنية” تقُومُ على أساس الاختيار والبيعة والشّورى , ومسئولية الحاكم أمام الأمّة , وحقّ كلِّ فرد في الرّعية أن ينصح لهذا الحاكم , ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر , بل يعتبر الإسلام هذا واجباً كفائيا على االمسلمين , ويُصبح فرض عين إذا قدر عليه وعجز عنه أو جبن عن أدائه .

إنّ الحاكم في الإسلام مُقَيَّدُ غير مُطلَقُ , فهُنَاك شريعةٌ تَحْكُمُهُ , وقِيَمٌ تُوَجِّهُهُ , وأحكام تُقيِّدُهُ , وَهِيَ أحكام لم يضعها هو ولا حزبه أو حاشيته , بل وضعها له ولِغَيْرِهِ “ربُّ النَّاس , مَلِكُ النَّاس إلَهُ النَّاسِ” . ولا يستطيع هو ولا غيره من النّاس أن يلغوا هذه الأحكام أو يجمدوها , فلا مَلِكٌ وَلا رئيسٌ ولا برلمانٌ , ولا حكومةٌ , ولا مجلس ثورة , ولا لجنة مركزية , ولا مؤتمر للشّعب , ولا أي قوة في الأرض تملك أن تغيِّر من أحكام الله الثَّابتة شيئاً .

شُبْهَاتُ الْعَلْمَانِيّين فِي دَعْوَى الدَّوْلَة الدِّينية :

أيّها المستمعون الأعزاء :

فعلام استند العلمانيون في اتهامهم للإسلاميّين بالدّعوة إلى إقامة دولة دينية تقوم على أساس (الْحقِّ الإلهي) ؟ .

وقد سجّل الشّيخ العلامة القرضاوي بعض من كتب الشّيوخ الإسلاميّين من السّلف والخَلَف الّذي يدور حول شُبهات مَحْدُودة , وهِيَ كَمَا يَلي :

1-فكرة “الحاكمية” التي نادى بها فِي عَصْرِنا إمامان مِنْ أئمّة الدّعوة والفكر , وهما : أبو الأَعْلَى الْمَوْدُودي فِي باكستان , وسيّد قُطب في مِصْر , رحمهما اللهُ . ومؤداها : أنِ الْحُكم إلّا للهِ تعالى , ولَيْسَ لِأحدٍ مِنَ الْبَشَرِ , فَالكَوْنُ مَمْلَكتُهُ سُبْحانه , وليس لأحدٍ فِيها حكمٌ دُونَهُ ولا معه : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلّا للهِ أمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلّا إيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف :  40] .

2-كلمة قالها سيّدنا عثمان رضي الله عنه في حصاره , فتلقفها الدّكتور فرج فودة وضخّمها وجعل منها حُجَّة لا تُدْحض , ودعامة لا تُنقض , قال :

“لكن الأمر المؤكَّد أنّ نظرية الْحُكم بالحق الإلهي , تجد تأصِيلاً قويّاً في مقولة الخليفة عثمان بن عفان , حين طلب منه الثّائِرون عليه أن يعتزل الْخِلافة , فأجابَهُمْ بالعبارة التي أضَّلت تصور الحكم بالحق الإلهي عند مَن تلاه : ” لا واللهِ , إنِّي لن أنزع رداءً سربلنيه الله ” . وهي العبارة التي وضعت الفكر السِّياسي الإسلامي كلّه عند مفترق طرق , بين أغلبية تأخذ برأي عثمان رضي الله عنه في أنّ الله سبحانه وتعالى هو الّذي يولّي الخليفة , ومن ثمَّ فلا حق للرّعية في نزع الإمام من مكان رفعه الله إليه , وأقليّة ترى أنّ الأمّة مصدر السُّلطات , هي التي تولي وهي التي تعزل , وهو الرّأي الّذي تبناه المعتزلة فيما بعد , ولعلّ في تسميّتهم بالمعتزلة دليلاً على موقف الدّولة الإسلاميّة منهم وموقفهم منها ” أ. هــ .

3-كلمة أخرى تُنسبُ إلى أبي جعفر المنصور , الخليفة العباسي , فبعد أن استولى العباسيون على زمام الملك , وأصبح الأمر بأيديهم بعد سقوط دولة بني أمية , حيث قال في خطبة له بمكّة : “أيّها النّاس , إنّما سُلطان اللهِ في أرضِهِ , أسُوسُكُم بتوفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ وَتأييدِهِ , وحارِسِهِ عَلَى مالِهِ , أَعْمَلُ فِيهِ بِمَشِيئَتِهِ وإِرَادَتِهِ , وأعطيه بإذنه , فقد جعلني اللهُ عليه قفلاً , إن شاء اللهُ أنْ يَفْتَحَنِي فَتَحَنِي لِإعطَائِكُمْ وقسم أرزاقكم , وإن شاء الله أن يقفلني عليها أقفُلَنِي ” .

أقُولُ قَوْلِي هَذَا أَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .

الخطبة الثّانية :

الحمد لله ربّ العالمين , نحمده سبحانه وتعالى ونشكره ونؤمن به ونتوكَّل عليّ ونصلِّ ونسلِّم على من لا نبي بعد سيّد الأولين والآخرين من العرب والعجم , سيِّدنا ومولانا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلّا من أتى اللهَ بقلبٍ سليم .

أمَّا بعد ,

فيا عباد الله , كعادتنا عَلَى هذا المنبر أننا نتحدث عن الحوادث العالمية التي للإسلام نظرات فيها , غدا أي اليوم العاشر من شهر نوفمبر , ستحتفل الأمم المتّحدة بـــــــــاليوم العالمي للعلم لصالح السّلام والتنميّة :

World Science Day for Peace and Development

كعادتها السّنوية . فنرى أن نتحدّث عن دور العلم لصالح المجتمعات :

وللعلم دور مهمّ لتحقيق السّلام للأفراد والمجتمعات إذا أُوتي العناية اللّازمة والاهتمام اللّائق بِهِ من حيث الدّراسة وتمهيد الطّريق للبحث عنه وتطوّره وحثّ طلاب العلم عليه وإمداده بكلّ ما يذهب به نحو التّقدم والانتشار . ونطلب من المسؤولين الحكوميِّين العناية بالقطاع العلمي والاهتمام به وأن يَبْذُلُوا كُلَّ جُهُودِهِمْ لِإِزَالَةِ الْعَوائق عَنْ طَريق تقدُّمِ هَذَا القِطَاعِ وأن يُنَاقِشُوا التَّحَدِّيَات التي تُواجِهُه  وأن يعلموا أن العلم  وَطَلَبَهُ حقُّ الْجَمِيعِ .

الدُّعَاءُ:

اللهم أمنا في أوطاننا وول علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان .

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

Leave a Reply