فضل شهر رمضان

بسم الله الرحمان الرحيم
الخطبة الثانية لشهر شعبان بتأريخ 13 /8/ 1440ه ( 19/4/ 2019م)
فضل شهر رمضان
الحمد لله ذي الفضل والأنعام، فضّل شهر رمضان على غيره من شهور العام، خصّه بمزيد من الفضل والكرم والإنعام، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له في ربوبيّته وألهيّته وأسمائه وصفاته. وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، أفضل من صلّى وصام فصلّى الله عليه وعلى آله واصحابه البررة الكرام، وسلّم تسليما كثيرا .
أمّا بعد :-
فعباد الله الكرام، أوصيكم ونفسي أوّلا بتقوى الله عزّ وجلّ إذ بالتّقوى تقبل الأعمال ” إنّما يتقبّلُ اللهُ مِنَ المُتّقِينَ” (المائدة 27) وهي الأساس في تشريع صيام شهر رمضان ” ياأيّها الذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتّقون “(البقرة : 183 )
فاتّقوا الله تعالى واشكروه لقربكم من شهر رمضان المبارك ، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النّار . وسلوه أن يعينكم على التوفيق لاغتنام أوقاته بالطّاعات والخيرات، فإنّه موسم عظيم ووافد كريم فضّله الله سبحانه وتعالى فقال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة : 185]
فهذا الشهر خير كلّه – أيامه ولياليه، ساعاته وأوقاته ، ولذلك يتركّز موضوع خطبتنا اليوم على فضائل رمضان لنعرف قدره وبماذا نستقبله ؟ وبماذا نقضي أوقاته المباركة ؟ فمن هده الفضائل:
أوّلا : أنّ الله أنزل فيه القرآن : أي ابتدأ إنزال القرآن في هذا الشهر وذلك في ليلة القدر كما قال جلّ وعلا ” إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ …” (القدر :2 ) “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ …” (الدّخان : 1) فابتدأ بإنزال القرآن على محمّد صلى الله عليه وسلّم في شهر رمضان ثمّ تتابع نزوله عليه صلى الله وسلّم مفرّقا حسب الوقائع والنّوازل إلى أن أكمله الله بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة : 3]
قال ابن كثير :”يمدح الله تعالى شهر رمضان (شهر الصّيام) من بين سائر الشّهور بأن اختاره من بينهنّ لإنزال القرآن العظيم ” (تفسير القرآن العظيم 1/221 ) وقال ابن سعدي ” …هو شهر رمضان، الشهر العظيم الذي قد حصل لكم فيه من الله الفضل العظيم ،وهو القرآن الكريم، المشتمل على الهداية لمصالحكم الدّينيّة والدّنيويّة ” (تيسير الكريم الرحمن 1/222-223) . ولذلك كان النبيّ صلى الله عليه وسلّم يخصّ هذا الشهر بتلاوة القرآن أكثر من غيره، وكان صحابته والمسلمون من بعدهم يقبلون على تلاوة القرآن في هذا الشهر العظيم. ثانيا : فيه ليلة أنزل فيها القرآن الكريم وهي ليلة القدر خير من ألف شهر، تنزّل الملائكة والروح فيها. وتلك الليلة تعتبر أفضل الليالي التي وهبنا الله إيّاها في رمضان لما لها من فضل عظيم. وهي تفوق بأهميّتها ألف شهر . وهذا يعادل 83 سنة وبضعة اشهر، وسمّيت بليلة القدر لعظيم قدرها وشرفها، والله يقدّر فيها أمر العباد إلى السّنة القابلة . وتمتاز الليلة بالإضافة إلى نزول القرآن فيها أنّ الملائكة ومعهم جبريل عليه السّلام يتنزّلون إلى الأرض ويقومون بالتأمين على دعاء المسلمين إلى وقت طلوع الفجر. وبما أنّها مليئة بالأمن والسّلام وعلى رأس ذلك اختصّت بسورة تسمّى سورة القدر ،تتلى إلى يوم القيامة ولذلك يلزم تحرّيها والتماسها في أوتار العشر الأواخر من شهر رمضان .
ثالثا : أنّه شهر تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق أبواب النّيران. قال صلى الله عليه وسلّم ” إذَا كَانَ أوّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِدَتِ الشّياطينُ وَمَرَدَةُ الجنّ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَغُلِقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحُ مِنْهَا بَابٌ (أخرجه الترمذي وابن ماجه) وذلك بتيسير الأعمال الصّالحة على أهل الإيمان، وبسبب الأعمال الصالحة يفتح الله أبواب الجنان لأجل أن يتسابقوا إليها بالعبادات والخيرات. وتغلق فيه أبواب النّيران وذلك بأنّ المسلمين يتوبون إلى الله ويستغفرونه فينجون من النّار، لأنّ الأعمال السّيّئة سبب لدخول النّار. فالله جلّ وعلا يغلقها عنهم في هذا الشهر بمعنى أنّه ييسّر لعباده التّوبة والاستغفار وترك الذنوب والمعاصي حتّى ينجوا من النّار. وهذا الشهر يغلّ فيه الشّيطان فلا يتمكّن من إشغال المسلمين عن دينهم كما كان يفعل ذلك في غير رمضان. ولهذا تجد المسلمين ينشطون في هذا الشهر ويقبلون على الأعمال الصّالحة أكثر من غيره عن رغبة وطواعيّة، وهذا شيء مشاهد بمشيئة الله الذي يحول ويحمي حزبه وجنده من أن يسلّط عليهم الشّيطان قال: “{قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص : 82]
فعباد الله المخلصون ليس للشّيطان عليهم سبيل لا سيّما في رمضان { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء : 65]
رابعا : هو الشهر الذي ينادي منادينا فيه أوّل ليلته ، قال صلى الله عليه وسلّم ” إذا كان أوّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُفِدَتِ الشّياطينُ وَمَرَدَةٌ الجنّ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَغُلِقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحُ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي المُنَادِي :”يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَبْشِرْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، َللهِ عُتَقَاءٌ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ فِي كُلّ لَيْلَةٍ” (أخرجه الترمذي وابن ماجه) فهل من أحد لا يريد الخير؟ كلّنا يريد الخير ،كلّ النّاس يريدون الخير ولكنّ الشأن لا يقتصر على الإرادة، فلا بدّ من العمل. فإذا أردت الخير فاعمل {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [الإسراء : 19]
فإذا أردت الخير، اعمل الخير ولا يكفي الإرادة فإنّ في الحديث : “والعَاجِزُ مَنِ أتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنّى عَلَى اللهِ الأَمَانِي” (أخرجه مسلم) فالأماني لا تنفع والإرادة وحدها من دون عمل لا تنفع . يا باغي الخير ! أقبل على الله بالطّاعات والقربات والصّدقات وفعل الخيرات، أقبل بكل أنواع الإقبال فإنّه سبحانه وتعالى مقبل عليك ويتقبّل منك القليل والكثير:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء : 40]
أمّا إذا أعرضت عن الله فإنّ الله يعرض عنك فهو غنيّ عنك وأنت الفقير المحتاج إليه فدع عنك البغية وراء الزخارف المصرّفة عن الله . . خامسا : أنّ الله اختصّه بفريضة الصّيام : قال الله تعال “… فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلِيَصُمْهُ …” (البقرة:185) فلم يمتز الشّهر بعبادة غير الصّيام فيه الذي هو أفضل الأعمال المقرّبة إليه سبحانه وتعالى وأجلّها، فهو سبب لمغفرة الذنوب والآثام .عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ” من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه ” (أخرجه البخاري في الإيمان ،باب :صوم رمضان احتسابا من الإيمان) وقال الطيبي عن الحديث : “يعني بالإيمان الاعتقاد بحقيقة فرضيّة صوم هذا الشهر ،لا الخوف والاستحياء من النّاس من غير اعتقاد بتعظيم هذا الشهر، والاحتساب طلب الثّواب من الله الكريم ” (الكاشف عن حقائق السنن 4/137) .
نسأل الله تعالى أن يهلّ علينا شهره المبارك باليمن والإيمان الأمان والسّلامة والتوفيق لما يحبّ ويرضى وصلّ اللّهمّ وسلّم على عبدك ورسولك نبيّنا محمّد وأهله وصحبته أجمعين.
الخطبة الثّانية
الحمد لله الذي هدانا إلى يومنا هذا من بين الأمم المختلفين فيه فجعله لنا خير يوم طلعت عليه الشّمس، فهو يوم عيد الأسبوع للمسلمين وفيه خطبة الجمعة نحضرها لنتعلّم ونتزوّد لديننا، فهو اليوم الذي فيه ساعة الإجابة. فهذه متكررّة لنا كلّ أسبوع. فلليوم مكانة عند الله حتّى تواترت النّصوص بفضله وفي القرآن الكريم سورة كاملة باسمه (سورة الجمعة). وفي ذلك اليوم خلق الله أبانا آدم وفيه أدخله الله الجنّة وفيه أخرج منها وفيه تقوم السّاعة وقد أمر المؤمنين بالاجتماع لعبادته فقال :”يا أيّها الذين آمنوا إذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله …” (الجمعة ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم : ” نحن الآخرون السّابقون يوم القيامة، أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم. فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله. فغدا لليهود وبعد غد للنصّارى …” (رواه البخاري )
وما أضل قوما يخصّون يومًا يحيونه جمعة عظيمة باعتباره اليوم الذي صلّب فيه النبيّ عيسى عليه السّلام. وهم في هذا اليوم يعبّرون عن حزنهم ويعمدون للتّوبة بالصّيام والقيام بالأمور الّتي تكفّر عن ذنوبهم كما يزعمون على رغم ما وردت في القرآن الكريم من الآيات التي تبرئ النبيّ المسيح عيسى من خرافاتهم التي نصبوا لشخصيّته عليه السّلام . قال تعالى : “وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَريَم رَسُولَ اللهِ ومَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنّ الّذِينَ اختلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتّباع الظّنِّ ومَا قَتَلُوهُ يَقِينًا .بَلْ رفَعَهُ اللهُ إلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ” (النّساء : 157-158)
اللهمّ أعزّ الإسلام والمسلمين وأذلّ الشرك والمشركين ودمّر أعداء الدّين ،واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنّا وسائر بلاد المسلمين يا ربّ العالمين .اللهمّ بلّغنا رمضان وتسلّمه لنا متقبّلا وارزقنا فيه القوّة والاحتساب للعمل الصّالح وارزقنا من فضائله ومغانمه ما يسّرته لنا وأعنّا على صيامه وقيامه وحفظ أيّامه من الخلل والضّياع .ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السّميع العليم وتب علينا يا ربّ العالمين. وصلّ وسلّم على عبدك ورسولك محمّد وعلى آله واصحابه أجمعين.

Leave a Reply