أهميةُ الإِخْلاصِ فِي الْعِبَادَةِ وضَرُورتُهُ لِلْعَبْدِ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثّالثة لشهر جمادى الأولى بتأريخ 22/5/1444هــــــ (16/12/2022)

الموضوع: أهميةُ الإِخْلاصِ فِي الْعِبَادَةِ وضَرُورتُهُ لِلْعَبْدِ

______________________________________________

الحمد لله ربّ العالمين حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكَا فِيهِ , كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ, لَا نَبْغِي غَيْرَهُ رَبّاً, وَلَا نَتَّخِذُ غَيْرَهُ وَلِيّاً , وَلَا نَبْتَغِي غَيْرَهُ حكمًا, وَلَا نُشْرِكُ بِهِ وَلَا مَعَهُ أَحَدًا وَلَا شَيْئًا, لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَلَا نَعْبُدُ إِلَا إِيّاهُ, مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. القائل في كتابه العزيز: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) [البيّة:98/5 ], نحمَدُهُ سُبْحَانَهُ وتعالى ونشكُرُهُ ونؤمِنُ بِهِ ونتوكّلُ علَيْهِ ونَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا, إِنَّهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. اللهمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْجَزَاء.

أمَا بَعْدُ,

فَيَا عِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سِرًّا وَجَهْرًا, طِبْقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيّهَا الّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:3/102].

إخوَةَ الإيمان, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الثَّالث فِي شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى, خَامِسِ الشُّهُورِ القمريّة الإِسلامِيّة. وَمَوْضُوعُ خُطْبَتِنَا الْيَوْمَ يَتَرَكَزُ عَلَى: أهْمِيَة الإِخلاصِ فِي الْعِبَادَةِ وَضَرُورَتُهُ لِلْعَبْدِ.

إخْوَةَ الإِيمانِ, الإخلاص سر بين العبد وربه، لا يطلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا يناله هوى فيميله، وتحقيق الإخلاص لله في كل العبادات أعظم الأصول المهمة في دين الإسلام، ويعد أهم أعمال القلوب المندرجة في تعريف الإيمان، وأعظمها قدرا وشأنا، بل إن أعمال القلوب أهم من أعمال الجوارح، ويكفي أن العمل القلبي هو الفرق بين الإيمان والكفر.

أيّها المسلمون الكرام, قال العلّامة الشيخ يوسف القرضاوي (رحمه الله رحمة واسعة) في تعريف الإخلاص: “المقصود بالإخلاص هو إرادة وجه الله تعالى بالعمل, وتصفيّته من كلِّ شوب ذاتيّ أو دُنْيَوِيّ, فلا ينبعث العمل إلا للّه تعالى والدار الآخرة , ولا يمازج  عمله ما يشوبه من الرغبات العاجلة للنّفس, الظاهرة أو الخفيّة, من إرادة مغنم , أو شهوة, أو منصب, أو مالٍ , أو شُهْرَةٍ , أو مجاملةٍ لخاصة, أو شفاء لحقد كامن, أو استجابة لحسد خفيّ أو لكِبْرٍ مستكن , أو لغير ذلك من العلل والأهواء والشوائب , التي عقد متفرقاتها هو : إرادة ما سوى الله تعالى بالعمل , كائن من كان , وكائنا ما كان”.

وقال تعالى:(ألا لله الدين الخالص)“الزمر:3”، ويقول سبحانه: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عند كل مَسْجِدٍ وادعُوهُ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) الاعراف:29”

الإخلاص: عرفه الإمام أحمد رحمه الله: إذا عملت عملاً لا تريد به الدنيا. وهذا الإخلاص يحتاج إلى مجاهدة النفس، قال أحد السلف: ما عالجتُ شيئاً أشدّ عليّ من نيتي فإنها تتقلب عليّ.

إخوة الإيمان، إن ربَّنا جل وعلا أغنى الشركاء عن الشرك؛ وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، في الحديث القدسي قال الله: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).

واسمعوا لهذا الحديث العظيم الذي أخاف الأخيار وأبكاهم، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: (( إنَّ أَولَ النَّاسِ يُقْضَى يَومَ القِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ! فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ! وَقَرَأتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ؛ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأعْطاهُ مِنْ أصْنَافِ المَالِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا. قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَاّ أنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ. قَالَ: ‌كَذَبْتَ، ‌ولكِنَّكَ ‌فَعَلْتَ ‌لِيُقَالَ: ‌جَوَادٌ! فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ)) رواه مسلم. نعوذ بالله من حال أهل النار. هؤلاء الثلاثة عملوا أعمالا عظيمة جليلة؛ لو أخلصوا فيها لنالوا الدرجات العالية في الجنة، لكنهم لما أرادوا الدنيا بعمل الآخرة كان مصيرهم من تُسعّر بهم النار.

عباد الله، إن من أعظم أسباب غياب الإخلاص في أعمال كثير منا هو طلب الدنيا ومحبة المدح والثناء؛ فإن الإخلاص لا يقر في قلب مليء بمحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس. قال ابن القيم رحمه الله: “فإذا حدثتْكَ نفسُك بطلب الإخلاص فأقبل على الطمع أولاً فاذبحه بسكين اليأس، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص.

وإن مما يعينُنا على ترك الطمع في إرادة الدنيا ويسهله علينا يقيننا أن الخير كلَّه بيد الله تعالى لا يملكه غيره فمن أراده طلبه منه وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله علمك أنه ليس أحدٌ ينفعُ مدحُه ويزين؛ ويضرُّ ذمُّه ويشين إلا الله تعالى. فازهد يا عبد الله في مدح من لا يزينك مدحه وفي ذم من لا يشينك ذمه. وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه. وكن ممن يعمل العمل الصالح ولا يريد بذلك من الناس جزاء ولا شكوراً.

وإنَّ مما يعين على الإخلاص تذكر أن الله لا يقبل العمل الصالح ما لم يكن مصاحبًا له الإخلاص لله تعالى، قال – صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وعن أبي أمامة – رضي الله عنه – قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: (( إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه)) أخرجه النسائي

الخطبة الثّانية:

الحمد لله ربّ العالمين , الّذي أنزل القرآن باللّغة العربيّة الفصحى , أفصح لغات العالم , القائل في كتابه العزيز : ﴿إنَّا أنزلناهُ قُرْآناً عربيّاً لَعَلَكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف : 12\2], نحمده سبحانه وتعالى ونشكره ونؤمن به ونتوكّل عليه ونصلّي ونسلّم على أشرف المرسلين سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدِّين .

أمّا بعد ,

فيا عباد الله , يجدر بنا في الوقت الرّاهن أن نذكر أنّ الأمم المتحدة قد جعلت للغة العربية اليوم العالمي , وذلك يوم 18, من شهر ديسمبر سنوياً .وصادف ذلك اليوم يوم الأحد القادم 18/12/2022. فعلى المدارس والنّاطقين باللغة العربية الفصحى أن  يقوموا بإحياء ذلك اليوم حقَّ الإحياء .

تأريخ موجز لليوم العالمي للّغة العربيّة :

تقرر الاحتفاء باللغة العربية في هذا التاريخ لكونه اليوم الذي أصدرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3190 في ديسمبر عام 1973، والذي يقر بموجبه إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة. بعد اقتراح قدمته المملكة المغربية والمملكة العربية السعودية خلال انعقاد الدورة 190 للمجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو.

أما مسألة استخدام اللغة العربية كلغة عمل في دورات المجلس التنفيذي، فأُدرجت في جدول الأعمال في عام 1974 بناءً على طلب من حكومات الجزائر، والعراق ، والجماهيرية العربية الليبية ، والكويت، والمملكة العربية السعودية، واليمن، وتونس، وجمهورية مصر العربية، ولبنان.

اللغات الرسمية للأمم المتّحدة : اللغات الرسمية الست للأمم المتحدة هي العربية والصينية والانكليزية والفرنسية والروسية والإسبانية. وتمثل الترجمتين النصية والشفهية الفورية من إحدى هذه اللغات إلى إحداها الآخر أمرا ذي بال لعمل الأمم المتحدة، ذلك أنهما سبيل التواصل الواضح والموجز بشأن القضايا ذات الأهتمام العالمي

أهمية اللغة العربية

تتضح أهمية اللغة العربية في النقاط الآتية:

1-اللغة العربية هي لغة القرآن يعدّ نزول القرآن معجزة السماء والرسالة العالمية من الله للبشر بهذه اللغة الشيء الأهم الذي أبرز مكانتها حيث حملت اللغة العربية دور أفضل وسيلة لنقل أسمى المعاني في هذا الكتاب العظيم، كما أنها حفظت بحفظه عبر الأزمان، ولما فيها من ميزات ذكرتها بعض الدراسات كخلوها من كل العيوب التي يمكن أن تؤدي إلى اندثار اللغات وزوالها عبر الزمن.

2-كون اللغة العربية اللغة الحضارية الأولى في العالم لوقت طويل.

3-قدرة اللغة العربية على المساعدة في التعبير عن العلوم المختلفة، بسبب تمتعها بخصائص، وألفاظ، وتراكيب، وخيال، والعديد من الميزات الأخرى. كون اللغة العربية أداة للتعارف والتواصل بين ملايين البشر في شتى بقاع الأرض. اتسام اللغة العربية بأنها ثابتة في جذورها ومتجددة بسبب خصائصها وميزاتها العديدة.

4-مساعدة اللغة العربية على استمرار الثقافة العربية بين الفئات المختلفة، والمحافظة على الاتصال بين الأجيال.

5-نقل اللغة العربية لتعاليم الإسلام وما انبثق عنه من حضارات.

6-كون اللغة العربية طريقة من أفضل الطرق التي تساعد في تسجيل الأفكار والأحاسيس.

أقول قولي هذا أستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوبوا إليه إنّه هو الغفور الرحيم.

الدعاء:

اللّهُمّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالْمُسْلِمينَ وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ, وَدَمِّرْ عَدَاءَكَ, عَدَاءَ الدِّينِ مِنَ الْيَهُودِ والنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ بِجَاهِ قَوْلِكَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ, وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ. اللهمّ ولّ عَلَيْنَا خِيَارَنَا وَلَا تُوَلِّ عَلَيْنَا شِرَارَنَا وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا بِذُنُوبِنَا مَنْ لا يَخَافُكَ فِينا وَلَا يَرْحَمُنَا برحمتكَ يا أرحم الراحمين. وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.