29th Dhul-Qadah 1442 A.H
(9th July 2021 C.E)

بسم الله الرحمن الرحيم الخطبة الخامسة لشهر ذي القعدة بتاريخ 29 /11/1442هـ -9 /7/2021م
حول : اغتنام العشر المباركات
إن الحمد لله ربّ العالمين, القائل في كتابه العزيز: "وَٱلْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ وَٱلَّيْلِ إِذَا يَسْر هَلْ فِى ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ"(الفجر:5) نحمده ونشكره ونستهديه ونؤمن به ونتوكل عليه,نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ,من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، وأشهدأان لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.اللهم صل وسلِّم على محمد وعلى اله الطيبين, وأصحابه غر الميامين ونسأل الله أن يحشرنا فى زمرتهم يوم القيامة.
أمّا بعد،
فيا عباد الله , أوصيكم ونفسى بتقوى الله عزوجل، وخاصة فى هذه الأيام المباركة، اتقوه واعبدوه، وتذكروا دائما نعمه الكثيرة عليكم,قال تعالى: " يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" [البقرة:2/21-22]
لقد خلق الله تعالى الخلق ففضّل بينهم.فضّل الله بين الأزمنة,وفضّل بين الأماكن,وبين الأيام وبين الشهور وبين الليالى,وفضّل بين الناس، " وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" (القصص 68) ولقد جعل الله تعالى بعض الأيام أفضل من بعض. ورتب عليها من الأجور العظيمة ما ليس فى غيرها كما جعل فىمكة والمدينة ما ليس فى غيرهما من المدن.

أيها الناس! إننا نستقبل أياما ذكرها الله سبحانه وتعالى بالفضل والإحسان فى كتابه العزيز."وٱلْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْر" الليال العشر كما قال أكثر المفسرين هى عشر ذى الحجة.ويؤيد هذا حديث جابر بن عبد الله رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :"إن العشر عشر الأضحى,والوتر يوم عرفة,والشفع يوم النحر"(رواه احمد)وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله تعالى من عشر ذى الحجة قيل يارسول الله ولا الجهاد فى سبيل الله؟قال ولا الجهاد فى سبيل الله إلارجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشئ" رواه البخارى ومسلم عن عبد الله بن عباس وضى الله عنه.
وفى الحديث السابق، لو أن رجلا قاتل فى سبيل الله فى غير عشر ذى الحجة,لن يعادل أجر قتاله ومجهوداته أجر الذى قام بأعمال الصالحة فى الأيام العشر إلا أن يهلك فى حقل المعركة مع ماله. الله اكبر! فالعشر الأولى من ذى الحجة أياما نفيسة فريدة عند المسلمين عامة ولكل من قام بالعبادة فيها خاصة.
عباد الله، من العمل الصالح المشروع فيها صيامها، لما ورد عن هنيدة بن خالد عن إمراته عن بعض أزواج ألنبى صلى الله عليه وسلم قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذى الحجة ,ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، أول إثنين من الشهر وخميسين"
وكان عبد الله بن عمر رضى الله عنهما يصومها، وأكثر العلماء على القول بصيامها.
كان سعيد بن جبير إذا دخل عشر ذى الحجة، إجتهد إجتهادا حتى ما يكاد يقدر عليه ويقول :"لاتطفؤوا سرجكم ليالى العشر" يعنى إشتغلوا بالعبادة
الذكر فيها أفضل من الذكر فى غيرها. "لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ "(الحج 28) فإن الأيام ألمعلومات هى الأيام العشر عند جمهور العلماء. وروى إبن عمر رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه ألأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل و التكبير والتحميد"(رواه احمد)
إن إبن عمر وأبا هريرة رضى الله عنهما كانا يخرجان إلى السوق فى أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما (رواه البخارى)
فمن شعائرالله فى هذه الأيام العشر، كثرة الذكر، والجهر بالتكبير المطلق ابتداء من دخول هذه العشرة إلى فجر يوم عرفة فى الصباح والمساء عند الصلاة وقبل الصلاة وبعدها وفى كل وقت." وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِين"(الحج34)
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى فجر يوم عرفة، شرع في التكبير المقيد مع المطلق الى آخر يوم من أيام التشريق لعظم تلك الأيام ولمزية التكبير فيها على غيرها." وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ "(البقرة 203) قل ابن العباس رضى الله عنه بأن الأيام المعدودات أيام التشريق. وعن نبيشة رضى الله عنه أن النبى صلّى الله عليه وسلم قال: "أيام التشريك أيام أكل وشرب وذكر الله" (رواه مسلم)
الأذكار التى تقال فى هذه الأيام تنقسم إلى قسمين: الذكر المطلق والذكر المقيد.
عشر ذى الحجة عند الأمم السابقة:
للعشر الاول من ذى الحجة مزية عظيمة عند الأمم السالفة. قال الله تعالي عن موسى عليه السلام: "وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ" (الأعراف:7/ 142) ثلاثون يوما فى ذى القعدة وعشرة أيام الأولى فى ذي الحجة. وكلم الله فيه موسى عليه السلام. وكان موسى أكثر إجتهادا وقربا إلى الله تعالى.
جمع الله فيها أنواع العبادات:
كان السلف رحمهم ألله تعالى يعلمون فضلها، ويكثرون فيها من العبادة والذكر وغير ذلك. إنهم يجتهدون فيها تكبيرا وتحميدا وصدقة وذكرا وقربا إلى الله عز وجل مصداقا لقول إبن حجر رحمه الله: "والذى يظهر أن السبب فى إمتياز عشر ذى الحجة لمكان إجتماع امهات العبادات فيه,وهى الصلاة والصيام والقيام والصدقة والحج، ولا يأتى ذلك فى غيره" أركان الإسلام خمسة: فلن يستطع أحد أن يطبق هذه الأركان كاملة فى أيام أخرى إلا فيها فقط!
فى الأيام العشر يستطيع الإنسان أن يحقق أركان الخمسة وهو يشهد فيها أن لا اله إلا الله وأن محمد رسول الله بالكثار من الذكر كما قال صلى الله عليه وسلم"فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتكبير".وفيها أيضا إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والصدقة وفيها الصوم لأنه يستحب للمسلم أن يصومها أو يصوم بعضها. فيها أيضا العبادة التى لا تفعل فى غيرها، وهى عبادة الحج. يمكن للإنسان أن يجمع عددًا من العبادات فى أيام أخرى، أما فى هذه العشر، فيجتمع له معها حتى الحج!
أما الأذكار المندوبة فى الأيام العشر ينقسم إلى قسمين: الذكر المطلق والذكر المقيد. تقال الأذكار المطلقة منذ أن تطلع الفجر أول يوم فيها فى كل الأوقات وفى كل مكان كالتسبيح والتحميد والتهليل والحوقلة وما إلى ذلك، تقال هذه الأذكار وأمثالها المأثورة من النّبى صلّى الله عليه وسلم فى كل وقت، وفى كل لحظة وعلى كل حال طيلة الأيام العشر.
وأما الذكر المقيد المطلوب منكم أيها المستمعون الكرام، يقال من بداية يوم العيد إلى آخر أيام التشريق: الله أكيرالله أكبر الله أكبر، لاإله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله ألحمد" يقول المسام هذا الذكر عقب صلوات الخمس بدأ من يوم النحر إلى أخر أيام التشريق.
اغتنام يوم عرفة وألصوم فيه:
وفى هذه الأيام العشر يوم مبارك أي يوم عرفة ألذى قال فيه النبى صلى الله عليه وسلم:"خير الدعاء دعاء عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى لاإله إلا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير". إن يوم العرفة يوم مبارك والدعاء فيه حسن لمن كان حاجًا أو لغير الحاج أيضا فإن خير الدعاء هو دعاء يوم عرفة، ولفضل هذا اليوم المبارك يستحب للمسلم أن يكثر الدعاء فيها. ولقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين أن يصوموا فيه فقال: "صوم عاشوراء كفارة سنة وصوم عرفة كفارة سنتين ماضية ومستقبلة" (النسائ)

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الرسول الكريم.قال سبحانه وتعالى :" الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ"(البقرة 197) عباد الله، من المعلوم أن عمل الحج هذا العام مقيد لمواطنى السعودية فقط من أجل وباء كورونا نتمنى للحجاج المنتخبين الخير، ونراغب الذين نووا ولم يتمكنوا الحج هذا العام أن يستخدموا هذه الفرصة الذهبية لتصدق بفضول أموالهم للفقراء الجياع خلال هذه الأيام الفاضلة.
ثانيا، إننا نتابع الحادثة المؤسفة الذى وقع في الأسبوع الماضي حيث قُتل أخونا بالرصاص وأصيب عشرات من شبابنا بالرصاص! علمنا أنه تم إحالة الأمر إلى المحكمة وعلمنا أيضا أن الذى تسبب الفوضى نتيجة إعتلال الصحة لم يمكن المثول أمام المحكمة. فالقاتل الذى لم يكن مريضا وهو يطلق النار على المسلمين أثناء العبادة يمكن أن يمرض فور إستدعائه للعدالة! إننا نحن مسلمى بلدنا الحبيب نتابع الأمر خطوة بخطوة ونتوقع العدالة فيه.
الدّعاء:
اللّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِضِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً, وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ مَخْرَجاً, وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ رَاحَةً, وَلِكُلِّ حَزِينٍ سَعَادَةً, وَلِكُلِّ دَاعٍ بِخَيْرٍ إِجَابَةً, وَلِكُلِّ مَرِيضٍ شِفَاءَ, يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلاَصَ فِي الدَّعْوَاتِ وَالْقَبُولَ فِي الطَّاعَاتِ, وَالشُّكْرَ عِنْدَ الْخَيْرَاتِ, وَالْخُشُوعَ فِي الصَّلَوَاتِ, وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْعَثَرَاتِ, وَالصَّفْحَ عِنْدَ الزَّلَاتِ, وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ, وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ, وَالْغَلَبَةَ عَلَى الصِّعَابِ, وَالْحَمْدَ عِنْدَ الْبَرَكَاتِ, وَالتَّدَبُّرَ عِنْدَ الْآيَاتِ, وَقَضَاءَ الْحَاجَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *