25th J/Uula 1442 AH (8th January 2021CE)

بسم الرحمن الرحيم

الخطبة الثانية لشهر جمادى الأولى: 24/5/1442ه (8/يناير/2021م)

الإحسان إلى الوالدين والتحذير من عقوقهما

الحمد لله ربّ العالمين إله الأوّلين والآخرين الذي خلق الخلق إظهارا لقدرته وجعل الثواب إظهارا لإحسانه فأمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم والطغيان . نحمده سبحانه وتعالى ونشكره ونتوب إليه نعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا إنه من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلا هادي له.أشهد ألا إله إلا هو وحده لا شريك له،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله،صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد ؛ عباد الله، أيها المستمعون الكرام! إن من بين الإحسان المأمور به من الله هو الإحسان تجاه الوالدين المشهود له في القرآن الكريم من آيات كثيرة مقترنة بعبادة الله وحده ،كقوله تعالى: "وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالدَيْن إِحْسَانًا " (النساء :36) وقوله تعالى : "وَقَضَى رَبُكَ أَلَا تَعْبُدُوا إِلا إيَاهُ وَبالوَالدَيْن إحْسَانًا" (الإسراء :23) ولأجل هذا يتركز خطبتنا اليوم على الإحسان إلى الوالدين والتحدير من التحذير.

معشر الإخوة المستمعون ؛أوصيكم ونفسي بتقوى الله في السر والعلن، فهي أساس الفضائل وحصن المحامد واعلموا أن الإحسان إلى الوالدين يعتبر من أحب الأعمال إلى الله تعالى وأفضلها بعد عبادة الله تعالى. يقول حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ثلاث آيات مقرونات بثلاث، ولا تقبل واحدة بغير قرينتها :

الأولى: "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ" (الغافر :12) فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يُقبل منه.
الثانية : "وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ… " (البقرة :43) فمن صلَّى ولم يُزكِّ لم يقبل منه.
الثالثة : "أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المَصِيرُ" (لقمان :14) فمن شكر لله ولم يشكر لوالديه فهو مقصور.

فمن مكانة الإحسان إلى الوالدين أنه من واجبات الدين وأصول الإيمان ومن عظمته عند الله غير أنه مقرون بتوحيده هو أنه موجب للقبول عند الله والناس، وسبب في سعة الرزق وطول العمر .قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِى عُمْرِهِ وَيُزَادَ لَهُ فِى رِزْقِهِ فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (أحمد) كما أن الإحسان إليهما في كبرهما قربة كبيرة عند الله تعالى وسبب في النجاح في الدنيا والسعادة في الآخرة. قد وردت عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أحاديث كثيرة في فضل الوالدين ، منها ما تدل على أن الإحسان إليهما سبب لكسب رضا الله تعالى.عن عبد الله ابن عمرو عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : " رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ وَسَخِطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ " (الترمذي)

وأن المحسن إلى والديه مستجاب الدعوة ؛ ينجيه الله من الكربات ويخلصه من الشدائد. ولعل في قصة الذين شدت عليهم صخرة باب الغار دلالة لكل من يريد الاتعاظ حين أغلقت الصخرة التي تدحرجت من أعلى الجبل باب الغار. قالوا إنه لا ينجينا من هذا الغار إلا الصدق مع الله والتوجّه إليه بصالح أعمالنا فذكر كل واحد حتى ذكر ذاكر منهم : " اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ آتِيهِمَا كُلَّ لَيْلَةٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ لِي، فَأَبْطَأْتُ عَلَيْهِمَا لَيْلَةً، فَجِئْتُ وَقَدْ رَقَدَا وَأَهْلِي وَعِيَالِي يَتَضَاغَوْنَ مِنَ الجُوعِ، فَكُنْتُ لَا أَسْقِيهِمْ حَتَّى يَشْرَبَ أَبَوَايَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَهُمَا، فَيَسْتَكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا، فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْسَاحَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ،" (البخاري)

وقد عد النبي (صلى الله عليه وسلم) إهمال رعاية الوالدين أو عقوقهما من أكبر الكبائر لقوله عن أبي بكرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال : ألآ أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قلنا بلى يا رسول الله! قال " الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ " فَمَا زَالَ يَقُولُهَا، حَتَّى قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ" (البخاري)

ولو نظرنا في أحوالنا لوجدنا التقصير الشديد في بر آبائنا وأمهاتنا، ولربما وقع من البعض العقوق، نسأل الله العفو والسلامة. وعقوق الوالدين له صور عديدة ومظاهر كثيرة قد تخفى على بعض الناس، ومن ذلك:-
1- أن يترفَّع الابن عن والديه ويتكبر عليهما لسبب من الأسباب، كأن يكثر ماله، أو يرتفع مستواه التعليمي أو الاجتماعي ونحو ذلك.

2- أن يدعهما من غير معيل لهما، فيدعهما يتكففان الناس ويسألانهم.

3- أن يقدّم غيرهما عليهما، كأن يقدم صديقه أو زوجته أو حتى نفسه.
4- أن يناديهما باسمهما مجرداً إذا أشعر ذلك بالتنقص لهما وعدم احترامهما وتوقيرهما وغير ذلك.
قد يتجاهل بعض الناس فضل والديه عليه، ويتشاغل عما يجب عليه نحوهما، ألا يعلم ذلك العاق أو تلك العاقة أن إحسان الوالدين عظيم وفضلهما سابق، ولا يتنكر له إلا جحود ظلوم غاشم، قد غُلقت في وجهه أبواب التوفيق، ولو حاز الدنيا بحذافيرها

فمن صور الإحسان إلى الوالدين ما تلي :-

1. طاعتهما في كل شيء ما لم يكن أمرهما معصية الله تعالى،فإذا تعارض مع ما أمر سبحانه فإنه يجب التأدب في الرد عليهما دون الأخد بقولهما،وإفهام الأمر لهما ثم تنفيذ ما يوافق مع شرع الله.

2.تقديم الخدمة والرعاية لهما ولا سيما حال ضعفهما ومساعدتهما على القيام بشؤونهما وتقديم سبل الراحة لهما.

3. الرفق بهما في جميع الأحوال معهما مع التودد إليهما واستعمال التأدب اللفظي والظاهر في مخاطبتهما والتعامل معهما بالصبر والتحمل.

4. الصبر على ما يحبان وإن كان مكروها والحرص عل الامتناع عما يكرهان وإن كان محبوبا لديك.

5. في حال موتهما فليس معنى أنهما ماتا أن الإحسان قد توقف؛ فيتمثل ذلك في الاهتمام بعدة أمور منها :-

– الاستغفار لهما بطلب الرحمة لهما والإكثار من الدعاء لهما بتحصيل الثواب والأجر وغفران الذنوب .

– صلة رحمهما والبر والإسقاط لمن كان يفضلان في حياتهما من الأهل والأقربان.

– التصدق وإجراء الصدقة الجارية كحفر البئر أو صنع الخير نيابة عنهما أو إهداء أجره لهما أو المساهمة في بناء المسجد أو إقامة أي شيء يعود بالخير على الناس.

فالإحسان إلى الوالدين من أكثر الأمور أهمية لما نراه اليوم من بوادر العقوق لهما من القول والفعل ويجب علينا جميعا أن نبادر إلى هذه الواجبات التي تعود بأجر عظيم يفوق الجهاد في سبيل الله،فتشمروا يرحمكم الله.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين الرحيم الودود إن مما يجدر بالذكر والتنبيه إليه اليوم هو ما عينته المنظمة الفرنسية غير الحكومية "منظمة نجدة الأطفال المحرومين"لاهتمامها بأحوال الأطفال خاصة أولئك الذين يحتاجون إلى الحماية من جميع أشكال الإساءة انتجت من الحروب والشغب شبت نيرانها في البلدان ولا سيما الدول الإسلامية العربية كأفغانستان وسوريا… وغيرهما.وعلى هذا اختارت المنظمة اليوم السادس من شهر يناير على رأس كل سنة للمناسبة لتقديم المساعدة والوقاية والحماية للأطفال على وجه الخصوص من كل أشكال الإساءة والاعتداء وسوء المعاملة مع والديهم الأبرياء حتى أصبحوا لاجئين بدون أي مبالة لحقوقهم. ولقد سبق أن يهتم ديننا الإسلامي برعاية الأيتام ومناصرتهم ومد يد العون لهم مع ترتيب أجر عظيم طيلة العام لكل من قام بالمسئولية نحوهم أينما كانوا سواء أكان حال الحرب أو السلم.وقد أجاب المولى عن الرسول حين يسأل : "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ..." ولذلك شدد الإسلام التحذير والزجر عن الإذاءة والإساءة بهم على لسان الرسول حيث يقول صلى الله عليه وسلم : "خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه" (رواه ابن ماجه)

فنحن أمة ذات رسالة حملنا الإسلام منذ قرون طويلة،فنمونا به وتشابك تاريخنا وتاريخه حيث أمرنا نبينا الكريم بوجوب التمسك بالأخلاق الكريمة والمعاملة الطيبة الحسنة بالأيتام ولقد سبق أن يؤمر "فَأمَّا اليَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمّا السّائِل فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدّثْ" وقد وعد ورجى أن لا يفصل عن مكانه الكريم مكان كافل اليتيم في الجنة حيث يقول صلى الله عليه وسلم : "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"، وأشار بالسبابة والوسطى، وفرج بينهما. نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم.

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه واهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت وقنا واصرف عنا شر ما قضيت نستغفرك ونتوب إليك. وهب لنا عملا صالحا يقربنا إليك واغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغاراً، واجزهم عنا خير ما جزيت به عبادك الصالحين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *