TMC Friday Khutbah Banner (Website)

الإسلام بين حراسة الدين وسياسة الدنيا

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثالثة لشهر ربيع الأخير بتاريخ 23 ربيع الثاني 1444هـ 18\11\2022م)

الموضوع: الإسلام بين حراسة الدين وسياسة الدنيا

الخطبة الأولي

الحمد لله مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء وهو القوي العزيز, أشهد أن لا إله ألا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم يبعثون.

أما بعد, فَيا عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, إِذْ هِيَ مَنْهَجُ الصَّالِحِينَ أُولي الأَلْبَابِ, قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾

إخْوَةَ الإِيمَانِ, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الرابع فِي هذا الشهر المبارك شَهْرِ ربيع الأخير فموضوع خطبتنا اليوم يتركز على الإسلام بين حراسة الدين وسياسة الدنيا

فيا عباد الله اعلموا أن الخلافة أى الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدِّين وسياسة الدنيا به”.فهذا يؤكِّد على وظائف الخلافة، أي: مقاصد الحكم، ويُجْمِلُها في مقصدين كبيرين؛ الأول: حراسة الدين، والثاني: سياسة الدنيا به ,

أما حراسة الدين ,ويقصد بالدين هنا بداهة الإسلام، فهو الدين المطلوب حراسته بالحكم، وحراسة تعني شيئين: حفظه وتنفيذه

وحفظ الإسلام يعني: إبقاء حقائقه ومعانيه ونشرها بين الناس كما بلَّغَها رسول الله صلي الله عليه وسلم، وسار عليها صحابته الكرام ونقلوها إلى الناس من بعده، وعلى هذا لا يجوز أيَّ تبديلٍ أو تحريف في هذه الحقائق والمعاني؛ لأنَّ التحريف والتبديل يدخلان في نطاق الابتداع المذموم في دين الله، ولا يجوز التردد أبدًا في منع التبديل والتحريف بحجة حق الفرد في إبداء الرأي وحرية الفكر والاجتهاد؛ لأنَّ الفرد إن كان مسلمًا فليس من حقِّه أن يبدِّل دين الله، وإذا اختار لنفسه الضلالة ولعقيدته الفساد فليس من حقه أبدًا أن يخرج على نظام دار الإسلام ويشوِّه حقائق الإسلام، وإلّا كان ناقضًا لعقد الذمة، ومع هذا فقد يقع المسلم في زيغ أو شبهة أو خطأ نتيجة فهمٍ سقيمٍ أو تضليلٍ خبيث، فيجب على ولي الأمر -الخليفة- أو نائبه أن يعمل على كشف الشبهة وإظهار الصواب بالدليل والبرهان، حتى يظهر الحق وتقوم الحجة، فإن أصرَّ المبطل على باطله وسعى إلى نشره في الناس مُنِعَ من ذلك وأقيم عليه ما يوجبه الشرع، وقد أشار الفقهاء إلى ما ذكرناه، فقد قالوا: إنَّ على الإمام “حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة، فإن زاغ ذو شبهة عنه بيِّنَ له الحجة وأوضح له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدِّين محروسًا من خللٍ، والأمة ممنوعة من الزلل.”

ومن لوازم حفظ الدين “تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظهر الأعداء بغرة ينتهكون فيها محرمًا، ويسفكون فيها لمسلمٍ أو معاهدًا دمًا”.

والحقيقة أنَّ دفع الأعداء عن دار الإسلام ضروري لحفظ الدين وبقائه؛ لأنَّ استيلاء الكفرة على دار الإسلام ضياع للإسلام وطمس لحقائقه، وفتنة عظيمة للمسلمين، وزعزعة لعقائدهم، بسبب حكم الكفرة له، وما يبذلونه لصرف المسلمين عن دينهم الحق بالوعد والوعيد، والتلبيس والخداع والتضليل، بل نستطيع القول أنَّ من لوازم وتمام حفظ الدِّين إعلاءه وإظهاره على جميع أنظمة الكفر، حتى لا يبقى للباطل حكم قائم ولا راية مرفوعة، وهذا ما أشار إليه الماوردي؛ إذ يقول وهو يعدِّد واجبات الإمام، “والسادس جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل الذمّة؛ ليقام بحق الله تعالى في إظهاره على الدين كله”.

وأمَّا تنفيذ الدين -الإسلام- وهو المظهر الثاني لحراسته، فيتحقق في أمور منها:                     

تطبيق أحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، وفي علاقاتهم مع الدولة، وفي علاقة الدولة -دار الإسلام- مع غيرها من الدول،

 ومنها: حمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره، وترغيبهم في ذلك، ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية،

ومنها: إزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع كما يقضي به الإسلام؛ إذ لا يمكن الادِّعاء بحفظ الدِّين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إنكار ولا إزالة مع توفر القدرة على ذلك. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المقصد قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُور} .

وأما سياسة الدنيا به بارك الله فيكم يا عباد الله, فاعلموا أن أمور الدنيا محكومة بالدِّين: إن هذا يعني أنَّ الدنيا داخلة في نطاق الدين، محكمومة به، غير خارجة عنه.

والقول الجامع في سياسة الدنيا بالدِّين هو إدارة شئون الدولة والرعية على وجهٍ يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وهذا يتمُّ إذا كانت إدارة شئون الحياة وفقًا لقواعد الشريعة ومبادئها وأحكامها المنصوص عليها أو المستنبطة منها وفقًا لقواعد الاجتهاد السليم. فهذه هي السياسة الشرعية لأمور الدنيا بالدين، ومنها:

أ- إقامة العدل بين الناس

ب- إشاعة الأمن والاستقرار

جـ- تهيئة ما يحتاجه الناس

د- استثمار خيرات البلاد

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

عِبَادَ اللهِ, إن كل يوم التاسع عشر في شهر نوفمبر (2022|11|19) يعتبر اليوم العالمي لمنع إساءة معاملة الأطفال ” WORLD DAY FOR THE PREVENTION OF  CHILD ABUSE”

منذ عام 2000 ، حشد الحدث السنوي الحكومات والمجتمعات لاتخاذ إجراءات لمنع إساءة معاملة الأطفال.

والإساءة في معاملة الأطفال هي أي اعتداء جسدي، أو جنسي، أو سوء معاملة، أو إهمال يتعرض له الطفل،

فعل أو مجموعة أفعال مورست من طرف أحد الوالدين أو من يقوم برعاية الطفل والتي تسببت في إيذاء حسي، أو معنوي للطفل، أو تهديد بإيذائه. الاعتداء على الطفل يكمن أن يمارس في البيت، أو في المنظمات، أو المدارس، أو في أي من المجتمعات التي يتفاعل فيها الطفل. هناك أربع فئات رئيسية للاعتداء على الأطفال: الإهمال، الاعتداء الجسدي، الاعتداء النفسي أو المعنوي، الاعتداء الجنسي. 

وإساءة معاملة الأطفال من المشكلات العالمية التي تؤدي إلى عواقب وخيمة تدوم مدى الحياة، ففي عام 2004، زُعم أن حوالي 3 ملايين طفل كانوا ضحايا للإساءة الجسدية والجنسية واللفظية والعاطفية والإهمال والهجر والوفاة. ما يقرب من 80 ٪ من الأشخاص المسؤولين هم الآباء أنفسهم.

والإساءة العاطفية هي واحدة من أكثر أشكال سوء معاملة الأطفال شيوعًا وضررًا ويمكن أن يكون لها تأثير مدى الحياة – حيث تؤثر على قدرة الأطفال على الشعور بالأمان والحب ، والطريقة التي يتعاملون بها مع الآخرين ، واحترامهم لذاتهم. ويشمل:

• السخرية من الطفل

•       التنابذ بالألقاب

• البحث عن الخطأ دائما

• استخدام كلمات قاسية لانتقاد السلوكيات

• استخدام الخوف للسيطرة على السلوك

وقد نهي الإسلام عن كل نوع منها للأطفال ولغيرهم من الناس، قال تعالي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11)

وحيث أجاز الإسلام الضرب في حق الأولاد وضع له ضوابط ومنها أن يكون ضربا غير مبرح وأن يكون للتأديب لا للتعذيب. وقال صلي الله عليه وسلم: “لا يُجلد أحدٌ فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله ” . رواه البخاري ( 6456 ) ومسلم ( 3222 ) .

وبناء علي هذا، أيها الأباء، تذكروا ما وضع الله علي عاتقكم من تربية أولادكم ومراعاتهم مع إرشادهم لصالحهم وصالح العباد والبلاد , فتشمروا إلي واجباتكم وقوموا بحقوقكم نحو أولادكم, فقد قال الله تعالي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌قُوا ‌أَنْفُسَكُمْ ‌وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ” (التحريم: 6)

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا ‌كُلُّكُمْ ‌رَاعٍ، ‌وَكُلُّكُمْ ‌مَسْئُولٌ ‌عَنْ ‌رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَامْرَأَةُ الرَّجُلِ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ…” (البخاري ومسلم)

 واعلموا بأن صلاح الأولاد عملية متعددة المراحل.., فقد يسيء الولد اليوم ثم يكون أصلح الناس غدا…, وكم رأينا ذلك كثيرا… لأن القلوب يعتريها التغيير المستمر، والمراحل العمرية أشبه ما تكون بجبل يصعده الولد حتى يستقر فوق قمته…

وأكثر من يكون أولادهم كذلك… الطيبون الصالحون… لأن الله تعالى يقول: ‌وَالْبَلَدُ ‌الطَّيِّبُ ‌يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَاّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ” (الأعراف: 58)

فإذا علمتموا ذلك، فاستمروا في لقمة الحلال تطعمونه إياها، وفي الخلق القويم تعلمه إياه، وفي الدعوة الصالحة تلاحقه بها، وفي بث معاني الحب له تسكبها في قلبه… مهما رأيتم من سوء خلقه…

فكلها تصب في رصيد هدايته المنتظرة..

فالكبوات في حياة أولادنا عوارض… ما تلبث أن تنتهي ثم نلقاهم بإذن الله على أحسن ما يكون

 وصلي الله وسلم علي سيدنا محمد وعلى اله وصحبه ومن تبعهم الى يوم الدين.

اللهم أمنا في أوطاننا وول علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم بارك لنا في اولادنا واجعلهم لنا قرة عين, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان, وادفع عنا الفتن والشرور  وأصلح لنا ولاة الأمور, واستجب دعاءنا إنك أنت سَميع الدعاء.

Scroll to Top