TMC Friday Khutbah Banner (Website)

التعاون على البرّ والتّقوى مجالاته وأساليبه

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخُطبَةُ الْثانية لِشَهْرِ جمادى الثاني  بِتَأرِيخ 13\6\1444هـ-6\1\2023م

التعاون على البرّ والتّقوى : مجالاته وأساليبه

الخطبة الأولي

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليّا مرشدا.وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له،له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيئ قدير؛الآمر بالتّعاون على البرّ والتّقوى.  وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله القائل في حديثه الشريف : “المؤمن للمؤمن كالبنيان،يشدّ بعضه بعضا”.اللّهمّ صلّ وسلّم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.                                                                                

أمّا بعد، عباد الله اتّقوا الله حقّ التّقوى فاعلموا بطاعة الله على نور من الله رجاء ثواب الله ،واتركوا معصية الله على نور من الله، خشية عقاب الله. قال تعالى:  “يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مسلمون (آل عمران: 102)                                                 .   

عباد الله المستمعين الكرام؛ إنّ التّعاون على الخير مكانته في الإسلام عظيمة، فهو أمر إلهيٍ : “وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا َتعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ” ( المائدة : 2) وهو شعبة من شعب الإيمان كما أرشد إليه النبيّ (صلى الله عليه وسلّم) فقال :” «‌مَنْ ‌دَلَّ ‌عَلَى ‌خَيْرٍ ‌فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ” (رواه مسلم)                                 .

إخوة الإيمان،إنّ الأمر بالتّعاون على البرّ والتّقوى يعني أن يكون بعضنا لبعض عونا في كلّ ما يحبّه ويرضاه،سواء في حقوق الله أو حقوق البشر. يقول ابن القيّم (رحمه الله تعالى) إنّ هذه الآية “وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” اشتملت على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم فيما بينهم بعضهم ببعض ببعض وفيما بينهم وبين ربّهم.فإنّ كلّ عبد لا ينفك عن هاتين الحالتين وهذان الواجبان؛ واجب بينه وبين الله وواجب بينه وبين الخلق.                                                                 فأمّا بينه وبين الخلق ؛ من المعاشرة والمعاونة والصحبة. فالواجب عليه فيها أن يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونا على مرضاة الله وطاعته الّتي هي غاية سعادة العبد وفلاحه.فلا سعادة له إلاّ بها وهي البرّ والتّقوى الّلذان هما جماع الدّين كلّه.                                                                                     

أيّها الأحبّة ! بقول السّيدة خديجة (رضي الله عنها) للرّسول (صلّى الله عليه وسلّم) : ‌إِنَّكَ ‌لَتَصِلُ ‌الرَّحِمَ، ‌وَتَحْمِلُ ‌الكَلَّ، ‌وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ ”   ( شرح النّووي على مسلم-باب بدء الوحي إلى الرّسول –صلّى.( تصف أخلاقه (صلّى) حتّى قبل البعثة. وبهذا وصف أيضا الصدّيق (رضي الله عنه).وهذا يدلّ على أنّ التعاون على الخير فطرة إنسانيّة ميّز الله بها الإنسان على سائر المخلوقات.                             

إخوة الإيمان ! إنّ على المسلم أن يعزّز صور التعاون على الخير في مجتمعه ؛ نكتفي ببعض منها كما تلي:                                                                       

أوّلا ؛ التّعاون على طاعة الله : يقول  أبو عثمان النهدي : “تضيّفت أبا هريرة سبعا، فكان هو وامرأته وخادمه يعتقدون اللّيل أثلاثا، يصلي هذا ثمّ يوقظ هذا ويصلي هذا ثمّ يوقظ هذا”                                                                                    

ثانيا ؛ التّعاون في طلب العلم : هذا من المعثور عليه في حياة عمر (رضي الله عنه) لبعد سكنه عن المسجد،حيث كان هو وجار له في التّعاون في طلب العلم وهو يقزل : “‌وَكُنَّا ‌نَتَنَاوَبُ ‌النُّزُولَ ‌عَلَى ‌رَسُولِ ‌اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ “(البخاري- باب التّناوب في العلم)

ثالثا : بين الزّوجين: لمّا سئلت عائشة (رضي الله عنها) عمّا كان يصنع النبيّ – صلّى الله عليه وسلّم-في بيته، عن حديث الأسود بن يزيد قالت : ” ‌كَانَ ‌فِي ‌مِهْنَةِ ‌أَهْلِهِ،-تعني خدمة أهله- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. (رواه أحمد)

رابعا ؛  التّعاون على إظهار شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخلاق هذه الأمّة: “وَلِتَكُنْ مِنْكُمْ أًمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ…”(آل عمران : 104)                               .    

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ” (آل عمران : 110)

خامسا؛ التعاون في نصر الظّالم والمظلوم،فينصر الظّالم بأن يبعده عن الظّلم ويحذّره من عوافقبه السّيّئة ونتائجه الخطيرة الّتي تعود على الظّالم بالسّوء : “وَلَا َتحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ،إِنّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ…” (إبراهيم :42) وكذا المظلوم بالكون معه وأخذ حقه له ممن يظلمه  وقال رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) : ” ‌انْصُرْ ‌أَخَاكَ ‌ظَالِمًا ‌أَوْ ‌مَظْلُومًا”  (البخاري)               

ولعدم التّعاون في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وفي نصر الظّالم والمظلوم عاقبة سيّئة لقوله (صلّى الله عليه وسلّم) : ” كَلَّا ‌وَاللَّهِ ‌لَتَأْمُرُنَّ ‌بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِمِ، وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا أو ليَضْرِبَنَّ اللَّهُ بقلوبِ بعضِكُم على بعضٍ ثم لَيَلْعَنَنَّكم كما لعنَهُم” (رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن) قال تعالي:”لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاؤُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ” (المائدة :78-79)                  

أيّها الأحبة الكرام! هذه النّماذج الّتي ذكرناها وغيرها من مجالات الاشتراك الأعمال البرّ للأجر العظيم  في القول والعمل إنّما هي للتّأسي.                                          

إذا! فواجب على العالم أن يعين النّاس بعلمه فيعلّمهم،ويعينهم الغنيّ بماله، والشّجاع بشجاعته في سبيل الله,وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة وهذا بلا شكّ يعود على الجميع بفوائد وثمار من ثمرات الأخوّة الإسلاميّة حيث يستفيد كلّ فرد من خبرات وتجارب الآخرين في شتّى مناحي الحياة.وكذا سهولة إنجاز الأعمال الكبيرة الّتي قد لا يقدر عليها الأفراد فيسرّع من عجلة التطوّر العلمي والتّقدّم التّقني واستغلال الملكات والطّاقات المهدرة الاستغلال المناسب لما فيه مصلحة الفرد والمجتمع ومع ذلك فالجزاء من جنس العمل ؛ فمن أعان أخاه أعانه الله. يقول –صلّى الله عليه وسلّم- : ” المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة” “وإنّ الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه”.                                                        

نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما سمعنا وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه,وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ؛فيا فوز المستغفرين استغفروا الله                        .

الخطبة الثّانية

الحمد لله ربّ العالمين القائل في محكم تنزيله :”لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِكِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَاليَتَامَا وَالمَسَاكِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ” ثمّ الصّلاة والسّلام على خير من أُمر بكالة الخير لليتيم : “… فأَمَّا اليَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ” (الضّحى)                                    

فكفالة اليتيم من الأمور الّتي حثّت عليها الشريعة الإسلامية منذ حال العهد النبوي منذ أربعة عشر قرنا ماضيا قبل انتباه الأمم المتّحدة إلى إحياء اليوم العالمي ليتامى الحروب في كلّ يوم السّادس من شهر يناير سنويا لتذكير العالم بمعاناة الأيتام من ضحايا الحروب والشغب والجرائم في دنيا النّاس فتظاهرت أعداء البشرية بما لا يستحقوّن ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا بانعقاد أيّام يروجّون بها على عكس ما يريدونه للعالم لأنّ أغلبيّة ما أُوقدت من نيران الحروب من تلقائهم ولا يزالون يشعلونها كلّ يوم.

فالله سبحانه وتعالى جعل الجنّة جزاء العطف على اليتيم وجبر خاطره ولم تنحصر الكفالة فيمن فقد والده في الحرب بل يعمّ كلّ من مات والده وهو لم يبلغ الحلم برعايته وتعهده بما يصلحه في نفسه وماله ؛ بالتمويل والتّأديب. وفي الحديث : عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: ” الْيَتِيمُ إِذَا بَكَى اهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ‌مَنْ ‌أَبْكَى ‌الْيَتِيمَ ‌الَّذِي ‌غَيَّبْتُ ‌أَبَاهُ؟ قَالُوا: أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ: يَا مَلَائِكَتِي مَنْ سَكَّتَهُ بِرِضَاهُ أَعْطَيْتُهُ مِنَ الْجَنَّةِ حَتَّى رِضَاهُ “  والقائم بالإنفاق على اليتيم أو المسئول عن تربيته وعده رسول الله (صلّ الله عليه وسلّم) بالمقام الأسمى يوم القيامة بمرافقته في جنّات النّعيم. واجعلنا منهم يا ربّ  العالمين.                                                                                   اللّهمّ صلّ وسلّم وبارك على حبيبنا ونبيّنا محمّد –صلّى الله عليه وسلّم- وارض اللّهمّ عن الصّحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، واشملنا معهم بعفوك وإحسانك يا أرحم الرّاحمين. اللّهمّ احفظ لنا بلادنا وأوطاننا من كلّ سوء وألّف بين قلوبنا ووحد صفوفنا واجعلنا متحابين وتعاونين كما تحبّ وترضى واغفر لنا ولإخواننا الّذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذّين آمنوا إنّك روؤف رحيم.ربّنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وتغفر لنا وترحمنا لنكننّ من الخاسرين. ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار وأدخلنا مع الأبرار يا عزيز يا غفّار يا ربّ العالمين                             

Scroll to Top