الحجِّ: شُرُوطٌ وأحْكَامٌ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
الْخُطْبَةُ الثَّانِيّة لِشَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ 9\11\1437هـ-12\8\2016م
حَوْلَ: الحجِّ: شُرُوطٌ وأحْكَامٌ
الحمْدُ للهِ الَّذِي أمرنا بتعظيم شَعِيرَةِ الْحَجِّ، وجعل تعظيمها دليلاً على تقوى القلوب وإخباتها له عَزَّ وَجَلَّ ، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾{الحج:22\32}، وجعل شعيرة الحج هي المنسك المميز لأمة الإسلام عن باقي الأمم.نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا, إِنَّهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً ؛ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , الْقَائِلِ فِي حَدِيثِهِ الشَّرِيفِ: “مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلاَ يَفْسُقْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ” {متفق على صحته}. صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبهِ إلى يَوْمِ الْعَرْضِ عَلَى ذِي الْجَلاَلِ وَاْلإكْرَامِ.
  أَمَّا بَعْدُ,
فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلِّ فَإِنَّها الْغَايَةُ الْعُظْمَى مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا مِنَ الطَّاعَاتِ , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ( البقرة:2\ 197) ، وقال سبحانه: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ ﴾ (الحج :22\37).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الثَّانِي فِي شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ ثَانِي أَشْهُرِ مَعْلُومَاتٍ لِلْحَجِّ, وفي الأسبوع الماضي, تَحَدَّثْنَا عَنْ مكانةِ الْحَجِّ فِي الإسلامِ. فَإنَّ مَوْضُوعَ خُطْبَتِنَا اليَوْمَ يَدُورُ حَوْلَ: الْحجِّ: شروط وأحكام.
شروط وأحكام الحج:
اتفق الفقهاء على أنه يشترط لوجوب الحج، الشُّروط الاتية:
1 – الاسلام.2 – البلوغ.3 – العقل.4 – الحرية.5 – الاستطاعة.
فمن لم تتحقق فيه هذه الشروط، فلا يجب عليه الحج.
وذلك أن الاسلام، والبلوغ، والعقل، شروط التكليف في أية عبادة من العبادات.
وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” رفع القلم عن ثلاث، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل (1) .
والحرية شرط لوجوب الحج، لانه عبادة تقتضي وقتا، ويشترط فيها الاستطاعة، بينما العبد مشغول بحقوق سيده وغير مستطيع.
وأما الاستطاعة، فلقول الله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا (أي فرض الله على الناس حج البيت من استطاع منهم إليه سبيلا) .
بم تتحقق الاستطاعة؟ تتحقق الاستطاعة التي هي شرط من شروط الوجوب بما يأتي:
1 – أن يكون المكلف صحيح البدن، فإن عجز عن الحج لشيخوخته، أو زمانة، أو مرض لا يرجى شفاؤه، لزمه إحجاج غيره عنه إن كان له مال، وسيأتي في ” مبحث الحج عن الغير ”
2 – أن تكون الطريق آمنة، بحيث يأمن الحاج على نفسه وماله.
فلو خاف على نفسه من قطاع الطريق، أو وباء، أو خاف على ماله من أن يسلب منه، فهو ممن لم يستطع إليه سبيلا.
وقد اختلف العلماء فيما يؤخذ في الطريق، من المكس والكوشان، هل يعد عذرا مسقطا للحج أم لا؟.
ذهب الشافعي وغيره، إلى اعتباره عذرا مسقطا للحج، وإن قل المأخوذ.
وعند المالكية: لا يعد عذر، إلا إذا أجحف بصاحبه أو تكرر أخذه.
3، 4 – أن يكون مالكا للزاد، والراحلة.
والمعتبر في الزاد: أن يملك ما يكفيه مما يصح به بدنه، ويكفي من يعوله كفاية فاضلة عن حوائجه الاصلية، من ملبس ومسك، ومركب، وآلة حرفة (لا تباع الثياب التي يلبسها، ولا المتاع الذي يحتاجه، ولا الدار التي يسكنها، وإن كانت كبيرة، تفضل عنه، من أجل الحج) حتى يؤدي الفريضة ويعود.
والمعتبر في الراحلة أن تمكنه من الذهاب والاياب، سواء أكان ذلك عن طريق البر، أو البحر، أو الجو.
وهذا بالنسبة لما لا يمكنه المشي لبعده عن مكة.
فأما القريب الذي يمكنه المشي، فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه، لانها مسافة قريبة يمكنه المشي إليها.
وقد جاء في بعض روايات الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسر السبيل بالزاد والراحلة.
فعن أنس رضي الله عنه، قال: قيل يا رسول الله ما السبيل (أي ما معنى ” السبيل ” المذكور في الاية) ؟ قال: ” الزاد والراحلة ” رواه الدارقطني وصححه.
قال الحافظ: والراجح إرساله: وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمر أيضا، وفي إسناده ضعف.
وقال عبد الحق: طرقه كلها ضعيفة.
وقال ابن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسندا، والصحيح رواية الحسن المرسلة.
وعن علي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا، وذلك أن الله تعالى يقول: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) رواه الترمذي، وفي إسناده ” هلال ” ابن عبد الله، وهو مجهول، و ” الحارث ” وكذبه الشعبي وغيره.
حج المرأة:
يجب على المرأة الحج، كما يجب على الرجل، سواء بسواء، إذا استوفت شرائط الوجوب التي تقدم ذكرها، ويزاد عليها بالنسبة للمرأة أن يصحبها زوج أو محرم (قال الحافظ في الفتح: وضابط المحرم عند العلماء: من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فخرج بالتأبيد: أخت الزوجة وعمتها، وبالمباح: أم الموطوءة بشبهة وبنتها، وبحرمتها: الملاعنة) .
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم فقام رجل، فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة وكذا وكذا فقال: ” انطلق فحج (هذا الامر للندب، فإنه لا يلزم الزوج أو المحرم السفر مع المرأة، إذا لم يوجد غيره، لما في الحج من المشقة، ولانه لا يجب على أحد بذل منافع نفسه، ليحصل غيره ما يجب عليه) مع امرأتك ” رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم.
وعن يحيى بن عباد قال: كتبت امرأة من أهل الري إلى إبراهيم النخعي: إني لم أحج حجة الاسلام، وأنا موسرة، ليس لي ذو محرم، فكتب إليها: ” إنك ممن لم يجعل الله له سبيلا “.
وإلى اشتراط هذا الشرط، وجعله من جملة الاستطاعة، ذهب أبو حنيفة وأصحابه، والنخعي، والحسن، والثوري، وأحمد، وإسحق.
قال الحافظ: والمشهور عند الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو النسوة الثقات، وفي قول: تكفي امرأة واحدة ثقة، وفي قول – نقله الكرابيسي وصححه في المهذب – تسافر وحدها، إذا كان الطريق آمنا.
وهذا كله في الواجب من حج أو عمرة.
وفي ” سبل السلام “: قال جماعة من الائمة: يجوز للعجوز السفر من غير محرم.
وقد استدل المجيزون لسفر المرأة من غير محرم ولازوج – إذا وجدت رفقة مأمونة، أو كان الطريق آمنا – بما رواه البخاري عن عدي بن حاتم قال: ” بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: ” يا عدي هل رأيت الحيرة (” الحيرة ” قرية قريبة من الكوفة) ” قال: قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها.
قال: ” فإن طالت بك حياة لترين الظعينة (” الظعينة ” أي الهودج فيه امرأة أم لا – اه.قاموس) ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف إلا الله “. واستدلوا أيضا بأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم حججن بعد أن أذن لهن عمر في آخر حجة حجها، وبعث معهن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن ابن عوف.
وكان عثمان ينادي: ألا لا يدنو أحد منهن، ولا ينظر إليهن، وهن في الهوادج على الابل. وإذا خالفت المرأة وحجت، دون أن يكون معها زوج أو محرم، صح حجها. وفي سبل السلام قال ابن تيمية: إنه يصح الحج من المرأة بغير محرم، ومن غير المستطيع.
وحاصله: أن من لم يجب عليه الحج لعدم الاستطاعة، مثل المريض، والفقير، والمعضوب، والمقطوع طريقه، والمرأة بغير محرم، وغير ذلك، إذا تكلفوا شهود المشاهد، أجزأهم الحج.
يوم التروية:
– وهو الثامن من ذي الحجة – يحرم من أراد الحج ممن حل من عمرته ويذهب هو ومن كان قارنا إلى منى، والسنة أن يصلي بمنى الصلوات الخمس، وأن يبيت بها هذه الليلة – وهي ليلة التاسع من ذي الحجة.
ومن السنة كذلك أن لا يخرج يوم عرفة من منى إلا بعد طلوع الشمس، ولا يدخل ” عرفات ” إلا بعد زوال الشمس.
وبعد صلاة الظهر والعصر جميعا ب ” عرفات ” فإنه صلى الله عليه وسلم نزل بنمرة وليست من عرفات.
ولم يدخل صلى الله عليه وسلم الموقف إلا بعد الصلاتين.
ومن السنة أن يصلي بينهما شيئا، وأن يخطب الامام الناس قبل الصلاة، وهذه إحدى الخطب المسنونة في الحج.
والثانية – أي من الخطب المسنونة – يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر.
والثالثة – أي من الخطب المسنونة – يوم النحر.
والرابعة – يوم النفر الاول.
وفي الحديث سنن وآداب منها: أن يجعل الذهاب إلى الموقف عند فراغه من الصلاتين.
وأن يقف – في عرفات – راكبا أفضل.
وأن يقف عند الصخرات، عند موقف النبي صلى الله عليه وسلم، أو قريبا منه.
وأن يقف مستقبل القبلة.
وأن يبقي في الموقف حتى تغرب الشمس.
ويكون في وقوفه داعيا لله عز وجل، رافعا يديه إلى صدره، وأن يدفع بعد تحقق غروب الشمس بالسكينة، ويأمر الناس بها إن كان مطاعا.
فإذا أتى المزدلفة نزل وصلى المغرب والعشاء جمعا بأذان واحد وإقامتين، دون أن يتطوع بينهما شيئا من الصلوات.
وهذا الجمع متفق عليه بين العلماء.
وإنما اختلفوا في سببه.
فقيل: أنه نسك، وقيل: لانهم مسافرون، أي السفر هو العلة لمشروعية الجمع.
أقول قولي هذا أستغفر اللهَ الْعظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنَّه هو الغفور الرّحيم.
الْخطبة الثّانية:
الْحمدُ للهِ ربِّ العالمين, الْقَائلِ في كتابه الْعزيز: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾[الرّوم:30\54], نحمده سبحانه وتعالى ونشكره ونؤمن به ونتوكَّل عليه, ونصَلِّي ونُسَلِّم على خير خلق اللهِ , سيِّدنا ومولانا مُحمّدٍ, القائل في حديثه الشّريف:”لا تَزُول قدَمَا عبدٍ يَوْمَ الْقِيَامَة حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ, وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أنْفَقَهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ” وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.
أَمّا بَعْدَ,
فَعِبَادَ اللهِ, إِنَّ الْأُمَمَ الْمُتَّحِدَة  تَحْتَفِلُ الْيَوْمَ يِيَوْمِ الشَّبَابِ الْعَالَمِي(INTERNATIONAL YOUTH DAY)-كَعادتِها السّنويّة- في 12-أوغسطس. وَنَرَى أنَّهُ مِنَ الْمُسْتَحْسَنِ أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْ دَوْرِ الشَّبَابِ فِي إِصْلاحِ الْمُجْتَمَعِ.
مفهوم الشباب ودوره: مفهوم الشباب:  الشباب هم عماد كل أمة وقلبها النابض وطاقتها الحية، بهم تبنى الأوطان وتستمر الحياة، وبصلاحهم يصلح المجتمع ويولد كل مشروع فكري ونهضوي جديد، والشباب من العمر كالربيع من الزمان، ولهذا حث الإسلام على اغتنام فرصة الشباب في الإكثار من العمل الصالح والجاد الهادف لصلاح الدنيا والفوز بالآخرة ودور الشباب المسلم الذي يسير وفق تعاليم الإسلام وعلى النهج المحمدي، دور عظيم في إصلاح النفوس وتوجيه المجتمع والمحافظة على سلامته وأمنه وازدهاره وتقدمه.
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف:46\ 15] وقال تعالى في سورة أخرى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ .
[القصص:28\14].  دور الشباب في إصلاح المجتمع: بما أن الشباب عتاد المستقبل وعماد الحاضر، كان عليه القيام بواجبات متعددة، وأساسية تجاه نفسه ومحيطه ووطنه ومقدساته، فكان الحفاظ عليها، وعدم التهاون تجاهها، من أهم أولوياته. ونبرز أهمها ونلخصها فيما يلي: 1- دوره نحو نفسه والآخرين: هو العناية بجسمه، وهي شرط لازم لكمال الحياة الخلقية والعقلية والروحية، إذ عدم الاعتناء بالجسم يؤدي إلى اختلال القوى الخلقية، وضعف الإرادة، فيجب على الشباب ألا يقرب الخمر واللهو، حتى لا يصيبه خوار في العزيمة وفي الأخلاق، وانحلال في الجسم، كما جاء في الحديث الشريف حول الابتعاد عن المسكرات: «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر»، وفي حديث آخر: «سافروا تصحوا . “وكذا قوله تعالى في سورة الأعراف ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. [الأعراف:7\33]  فمن خلال هذين الحديثين الشريفين، والآية الكريمة يتبين مبلغ حرص الشارع على حفظ الأجسام وصونها مما يرديها، ويجعلها فريسة للأمراض، غير صالحة لما هيأها الله لها من شتى الأعمال والتكاليف. ومن أبرز واجبات الشباب نحو نفسه أيضا أن يعمل على تقوية الإرادة فيه، فتقويتها يكسب الشجاعة التي يحفظ بها الإنسان كرامته الشخصية، فلا يرضى الاستعباد طائعا مختار، ولا ينقاد للعادات السيئة، لأن كل ذلك يعني التنازل عن إرادته وكرامته. كذلك فمن واجبات الشباب الهامة أن يجتهد في تكميل نفسه ثقافيا واجتماعيا، فيختار الأعمال المشروعة، ليكسب عيشه حتى لا يصير عالة على المجتمع، تطبيقا لقوله تعالى:﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:67\15]، وعملا بدعوة الإسلام للكسب، قال رسول الله: “ما من مسلم يزرع زرعا أو يغرس غرسا فيأكل منه إنسانا أو سبع أو طائر إلا كان له صدقة”، وإيمانا منهم أن العمل المشروع في مرتبه الجهاد في سبيل الله، وما البطالة والكسل إلا رذائل، لما خطرها على المجتمع، وكما قال أحد علماء الأخلاق: “إن البطالة شر من الرذيلة، لا بل هي أم الرذائل”. ومن واجبات الشباب والنشء نحو الآخرين أن يمحو كل أثر للحسد والبغض والغيبة والسعي بالنميمة، وأن يحل العواطف الشريفة محلها، كمحبة الأهل والأقارب، وخصوصا منهم الوالدين، عملا بقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان:31\14] ، وأن يحسن المعاشرة، ويختار الصحبة الحسنة ويخلص إليها، وقد ضرب النبي ” مثلا رائعا في اتخاذ الصديق الصالح، بقوله: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة». فالمعاملة الحسنة والصداقة الطيبة شيئان أساسيان للشباب المسلم، فهما يمنعانه من الوقوع في الشهوات الدنيئة، ويدفعانه نحو حب الخير والصلاح. 2-دورالشباب نحو الوطن:  على الشباب أن يسعى لعظمة وطنه ورقيه، فعظمة الوطن غاية كل وطني غيور يريد أن يصل إلى قمة المجد والعلى، وهذا من أنبل الواجبات، وأن إثما ما دونه كل إثم أن ينصرف أبناء الوطن عن القيام بحقوقه، فما الوطنية إلا تلك العاطفة التي تزجي في نفوسنا حب الوطن. وتحبس أبلغ جهودنا وأنبل مساعينا لخيره والعمل لمجده، ففي رفعة الوطن رفعتهم، وفي ذلة وشقائه ضعفهم وشقاؤهم، فحب الوطن من الإيمان كما يقال، فالارتباط بالوطن، والحنين إليه يولد لدى الفرد شعورا وإحساسا عاطفيا نحوه، مهما ابتعد عنه لطوارئ أو ظروف مرحلية، فالعودة إليه وخدمته تبقى دائما واردة بذلك الإحساس والحب الذي تولد عن كونه شعورا في القلب لا يفارق الإنسان. فالرسول ” قد سمع وصف مكة من أصيل فجرى دمعة حنينا إليها. وقال: «يا أصيل، دع القلوب تقر»، (نص شريف منقول من كتاب «الرسائل» للإمام الشهيد، حسن البنا – ص: 103.) فهذا مأمور به في الإسلام، وأن يضحي المرء بكل شيء من أجل الوطن من أسمة ما يمكن أن تقوم به الأجيال، حفاظا على وحدته وتربته، ومقدساته. ولكى يمكن لشباب أن تلعب دورها علي وجه المطلوب لا بد من توفر الحقوق المادية والعنوية لها لأن مرحلة الشباب كما أشرنا هي ميلاد جديد، وفترة انتقالية تتلخص في دخول الشاب مرحلة مواجهة المشاكل والمسؤولية، معتمدا على ذاته في إيجاد الشغل المناسب، والسكن اللائق، والزوجة الصالحة، وحرية المشاركة والمساهمة، في تنمية البلاد حقوق أساسية مشروعة يكتسبها وينالها في إطار المواطنة، حتى لا يفقد الشباب الأمل، وينشأ عنده الخوف من المستقبل، ويتولد لديه الإحباط النفسي، ويصبح عرضة للانحراف وتبديد الطاقة في اللجوء إلى المسكرات والمخدرات، والانهيار الأخلاقي مهما كان نوع التربية ومراحل ومؤسسات الإعداد التي مروا منها. لذا كان تهييء وتيسير هذه المسائل خطوة مهمة لإصلاح الشباب، والحفاظ على سلامة ذهنه وصفاء قلبه. وخلاصة القول أن الشباب هو قوة الأمة ذخيرتها، وأساس نهضتها ورقيها. لذا يجب العمل على تهييء جميع الوسائل لإصلاحه، وجعله في المستوى اللائق، وتسخير جميع الإمكانيات المتاحة، حتى تستفيد منه الأمة والوطن على المستوى السياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي، ونعتني به كل عناية. فعلى المجتمع أن يعمل يدا في يد للحفاظ علة هذه الطاقات الخلاقة الهائلة، وتوجيهها وجهة صالحة، نافعة للوطن والأمة، وما ذلك بعزيز على ذوي الهمة العالية والإخلاص من كافة المثقفين والمواطنين.
الدُّعَاهُ:
اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلَّا يَسَّرْتَهُ وَلَا مَيِّتاً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ياَ حَيٌّ يَا قَيُومٌ .
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِوالِدَيْناَ ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ , الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ .
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ . 
اللَّهُمَّ إنَا نَسْأَلُكَ بِأنّاَ نَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ , الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدُ .
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ .
وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِ ناَ ومَولاناَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً كَثِيراً.

Leave a Reply