بسم الله الرحمن الرحيم

19th Sha’aban 1442A.H
(2nd April 2021)
الخطبة الثالثة لشهر شعبان بتأريخ:19/8/ 1442ه 2/4/ 2021م)
الموضوع: الصيام: فضله وأحكامه

الحمد لله الذي شرع لنا شرائع الدين القويم، وجعل الصيام من أجلِّ القُرَبِ وأكرمِ الأعمالِ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا مُحَمَّداً عبدُ الله ورسولُه وصفيُّهُ من خلقه وحبيبه، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد، عباد الله، اتقوا الله تعالى فإن التقوى خير ما تتزودون به للقاء ربكم، ولا شيء أنفع يومئذ مثله، فإن العاقبة للتقوى. واعلموا أن موضوع خطبتنا اليوم- ونحن مستقبلو رمضان قريبا- هو فضل الصيام وأحكامه. فرمضان شهر الصيام المفروض وله فضائل وأحكام تنبغي معرفتها، وإليكم بيانها استعدادا لرمضان وصيامه.

فالصيام – عباد الله- ركنٌ عظـيمٌ في الإسلام وعبادة جليلة لو يعلم العباد فضلها ما تركوها على مدى الأيام، وقد أمرنا الله تعالى بالصيام كما أمر غيرنا في سالف الأزمان، قال الله تعالى:
البقرة\183 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
ومن الصيام يربح المؤمنون زاداً من المنح والمثوبة والحسنات لا يمكن تحقيقه بأي عبادةٍ أخرى، فقد نسب الله تعالى الصيام إلى نفسه وقيد نسبة الأجور في الصيام عليه سبحانه، قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في بيان ذلك: (( قال اللهُ: كلُّ عملِ ابنِ آدمَ لهُ إلا الصيامَ، فإنَّه لي وأنا أُجْزي بهِ، والصيامُ جُنَّةٌ، وإذا كان يومُ صومِ أحدِكُم فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ، فإنْ سابَّه أحدٌ أو قاتَلَهُ فلْيقلْ: إنِّي امْرُؤٌ صائمٌ، والذي نفسُ محمدٍ بيدهِ لَخَلوفِ فمِ الصائمِ أطيبُ عندَ اللهِ من ريحِ المسكِ ،للصائمِ فَرْحتانِ يفرَحْهُما إذا أَفطرَ فَرِحَ، وإذا لقي ربَّه فَرِحَ بصومِهِ )) (صحيح البخاري 1904 ) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه-
فهل هناك تكريمٌ للعابدين في أمر الصوم أكثر من ذلك ؟ وقد ذكر الإمام القرطبي في الجامع: [ وإنما خص الصوم بأنه له " أي للهِ تعالى " وإن كانت العبادات كلها له لأمريْن بايَنَ الصومُ بهما سائر العبادات ؛ أحدهما: أن الصوم يمنع من ملاذِّ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات. الثاني: أن الصوم سرٌ بين العبد وربه لا يظهر إلا له ؛ فلذلك صار مختصاً به. وما سواها من العبادات ظاهرٌ ربما فعله تصنعاً ورياءً، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره ] الجامع لأحكام القرآن ج1 ص 759

ومن بركات الصيام أن أهله سيدخلون الجنة إن شاء الله من بابٍ خاصٍّ لا يدخل فيه غيرهم، وفي هذا رفعةُ قدرٍ وزيادةُ أجرٍ، فعن سهل بن سعد الساعديِّ رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( للصائمين باب في الجنة ؟ يقال له الريان، لا يدخل فيه أحد غيرهم، فإذا دخل آخرهم أغلق، من دخل فيه شرب، و من شرب لم يظمأ أبداً )) ( الألباني في صحيح الجامع 5184 بسندٍ صحيحٍ ).

ومن فضل الصيام أنه ينجي من عذاب النار بإذن ربنا الكريم الغفار ويباعد بين عذابها وبين الصائمين، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من صام يوما في سبيل الله، باعد الله بذلك اليوم النار من وجهه سبعين خريفا )) ( سنن ابن ماجة 1717

ومن صام لله على الحقيقة نالته بركات المنح الإلهية في اكتسابِ رِقَّةِ القلبِ والحنو على الفقراء والمحتاجين ولا سبيل في ذلك أقوى من الإحساس بسعير الجوع، فقد كان نبي الله يوسف عليه السلام أميناً على خزائن مصر وكان لا يأكل في اليوم إلا مرةً واحدةً ولا يستغرق في أمر الشبع، فقيل له في ذلك: تجوع وأنت على خزائن مصر ؟ قال: نعم ؛ أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.
وكان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قرين الجوع والصبر على مسغبته لأن ذلك يقوي القلب على الطاعة ويعين النفوس على اكتناز تقواها.

ومن فوائد الصيام ما يتعلق بالصحة العامة للصائمين حيث إنهم يصححون حالتهم الصحية بالصوم الذي يخلصهم من الشحوم الزائدة ويخفف حِدَّةِ الأمراض كضغط الدم ويقي من الجلطات ويفك عسر الهضم ويحرك الدورة الدموية وغيرها من الفوائد الصحية الكثيرة الكامنة في الصيام، ولهذا جاء قوله صلى الله عليه وسلم: (( اغزوا تغنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا)) (المنذري في الترغيب والترهيب 2 /106 عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقال: رواته ثقات، والهيثمي في مجمع الزوائد 3 /182 وقال: رجاله ثقات).
هذا، وبارك الله لي ولكم وجعلنا من عباده الصائمين المقبولين.
الخطبة الثانية
الحمد لله ذي الفضل والإنعام، وأشهدٌ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدٌ أن محمداً عبده ورسوله أفضل من صلى وصام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، وسلم تسليماً كثيرا أما بعد:
عباد الله، اتقوا الله واعلموا أن الصيام له أحكام تجب معرفتها حتى يؤدى على الوجه المشروع، فمن أحكامه، أنه لابد من النية فيه لقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن ترك المفطرات من غير نية الصوم فليس بصائم شرعا، والنية هي القصد والعزيمة في القلب محلها القلب ولا يجوز التلفظ بها، ولابد أن توجد النية في صيام الفرض، لابد أن توجد من الليل قبل السحر أو مع السحر لقوله صلى الله عليه وسلم: لا صيام لمن لم يجمع النية من الليل ، وأما المعذور الذي أفطر لعذر ثم زال عذره في أثناء النهار كالمريض الذي يشفى، أو المسافر الذي ينتهي سفره، أو الصغير الذي يبلغ، أو المرأة الحائض أو النفساء ينتهي حيضها أو نفاسها في أثناء النهار، أو الكافر الذي يسلم في أثناء النهار، أو ألا تقوم البينة بدخول الشهر إلا في أثناء النهار فإن هؤلاء يمسكون بقية اليوم احتراماً للوقت ويقضونه بعد رمضان، لأنه مضى وقت من النهار وهم لم ينو الصيام،
ومن أحكام الصيام أن يتجنب الصائم ما يبطل صومه من المفطرات من الأكل والشرب وما في حكمهما لقوله تعالى من الأكل والشرب والجماع لقوله تعالى:(فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ يعني في الليل وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) فبداية الصيام اليومي من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. فيتجنب المسلم في أثناء الصيام في هذه المدة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس يتجنب سائر المفطرات ويصون صيامه عما يخل به، فالأكل متعمداً قليلاً كان أو كثيراً يبطل الصوم، أما إذا أكل أو شرب ناسياً فإنه لا حرج عليه ولا يبطل صومه لقوله صلى الله عليه وسلم: من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه فمثل الأكل والشرب ما يقوم مقامهما من الإبر المغذية والوريدية التي تأخذ في الوريد فإنها بمعنى الأكل والشرب لأنها تسير في الدم وتنشط الجسم وتغذي الجسم فهي بمعنى الأكل والشرب.
وكذلك من المفطرات إذا تعمد الصائم القيء إذا تعمد التقي والاستفراغ بأن يستخرج ما في معدته عن طريق الفم فإن هذا يبطل الصيام، أما إذا غلبه القيء وخرج بدون اختياره فإن هذا لا يؤثر على صيامه، لما في الحديث أن الإنسان إذا تعمد الاستفراغ فإنه يفطر، إذا لم يتعمد فإنه لا يفطر بذلك لأن هذا ليس باختياره، ومن المفطرات سحب الدم الكثير من الجسم إما بالحجامة وإما بالطرق والوسائل الطبية سواء سحبه للعلاج كالحجامة أو سحبه للتبرع به أو لإسعاف مريض، فإن هذا يبطل صيامه لأنه أخرج من جسمه ما فيه قوته، أما لو جرح الصائم، وخرج دم منه ونزف منه دم فإن هذا لا يؤثر في صيامه لأنه بغير اختياره وكذلك الدم اليسير الذي يؤخذ عينةً للتحاليل فهذا ليس بمعنى الحجامة فلا يؤثر على الصيام،
ومن المفطرات التي ورد النص والإجماع عليها الجماع في نهار رمضان فإذا جامع امرأته بطل صيامه وصيامها إذا كانت مطاوعةً له فإنه يبطل صيام الاثنين بالجماع لأن الله قال:(فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) فجعل الجماع مثل الأكل والشرب متعمداً في النهار يبطل الصيام، والمراد بالجماع الوطء في الفرج حتى ولو لم ينزل فإذا أولج بطل صيامه ولو لم ينزل، وكذلك استفراغ المني عن غير طريق الجماع كاستفراغه بالعادة السرية وهي الاستمناء فإنها تبطل الصيام وتوجب القضاء، وهي محرمة لكنها لا توجب الكفارة لأنها ليست جماعاً.
فهذه جملٌ من مفطرات الصائم عليه أن يتجنبها، وأن يحفظ صيامه من الوسائل التي توقعه فيها، فإن بعض الناس خصوصاً الشباب وقريب العهد بالزواج يقربون من نسائهم ويباشروهن فتثور شهوتهم فإنه يجب عليهم أن يبتعدوا، أما الإنسان الذي لا تثير شهوته ولا يخشى على نفسه من ذلك، فلا مانع أن يمس زوجته ويباشرها لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل نسائه وهو صائم لأنه كان مالكاً لأربه ولا يخاف- صلى الله عليه وسلم – من ثوران الشهوة.
هذا، وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم الله فإن صلاتكم معروضة عليه وتنالون بها الأجر العظيم عند ربكم، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

One Response

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *