TMC Friday Khutbah Banner (Website)

المسجد الأقصى وأزمة فلسطين ومسؤولية المسلمين اليوم

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخطبة الأولى لشهر شعبان بتأريخ 6\8\1445هـ-16\2\2024م

حول: المسجد الأقصى وأزمة فلسطين ومسؤولية المسلمين اليوم

الْخُطْبَةُ الأولى:

الحمد لله رب العالمين الَّذِي جَعَلَ عَلاقَةً وَطِيدَةً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فِي فِلسطين, وقال اللهُ تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:17\1], نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ , ونَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً ؛ أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أمّا بعد، فَعِبادَ اللهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سِرّاً وَجَهْراً إِذْ هِيَ الْغَايَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْ جَمِيعِ الطَّاعَاتِ وَكافَة الْمَأْمُوراتِ وَالْمَنْهِيات وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ  َتَّقُونَ﴾ [البقرة:2\21] 

إخْوَةَ الإيمان, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الْأَوَّلُ فِي شَهْرِ شَعْبَان, وَمَوْضُوعُ خُطْبَتِنَا يُرَكِّزُ عَلَى اسْتِمْرَارِ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ فِي الْخُطْبَةِ الْمَاضِيَة كَمَا يَلِي: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى وَأَزَمَةُ فِلسطين وَمَسْؤُوليةُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوم.
: واجبنا نحو الأقصى وفلسطين
أيّها المُسمون الْكِرامُ, من سبل تحرير المسجد الأقصى التخلص من العبودية لغير الله تعالى وتحقيق التوحيد بشموله وكماله والحفاظ عليه من أي خلل.
وفضلا عن ذلك, على كل مسلم استشعار المسؤولية تجاه الأقصى ومدينة القدس فيقوم بواجبه المتمثل في الدعاء والدعم المادي ونشر القضية عبر المنصات الإعلامية المتاحة والبعد عن المعاصي. 
لابد أن نعلم أن الواجب لا يسقط إلا بالعذر، ويجب على كل مسلم أن يقدم ما في وسعه لنصرة الأقصى ولتحريره، فالأقصى في أمَسِّ الحاجة إلى إنقاذه قبل أن يهدم، ويبنى مكانه هيكلهم المزعوم، وهذا التحرير هو أمر يرجوه كل مسلم، وليس الأمر بالتمني ولكن ما صدقه العمل، وها نحن أولاء نضع أيدينا على نقاط محددة في سبيل عودة الأقصى والقدس وفلسطين، وينبغي اتخاذ ما يلزم نحو تحقيق هذه الخطوات العملية التي نسير بها تجاه الأقصى والأرض المقدسة، وهي كالآتي:
1-التخلص من العبودية لغير الله -عز وجل- في سبيل تحقيق التوحيد بشموله وكماله، والحفاظ على جناب التوحيد من أي خلل.
2-تحكيم كتاب الله -عز وجل- فيما بيننا، والاهتداء بهدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فنرضى بشرع الله في الخلافات التي تقع بيننا؛ حيث إن تحكيم الشريعة لابد أن نبدأ به نحن أولًا – مع مطالبة غيرنا به- في المعاملات والأحكام، والبيوع والزواج والطلاق، وغير ذلك.
3-السعي إلى الوحدة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، فكفانا فرقة ونزاعات وتوترات، وكفانا تعصبًا للجماعات والقوميات، بل نتعصب للإسلام وللمنهج الرباني، ونحقق الأخوة في الله.
4-تحقيق المفاصلة بيننا وبين غيرنا بتحقيق مفهوم الولاء والبراء، وأن نطرح قضية المعايشة طرحًا وسطيًّا معتدلًا بلا إفراط ولا تفريط، ما يجوز وما لا يجوز من المعاملات مع أهل الكتاب، اﻹهداء إليهم وقبول هداياهم وعيادة مرضاهم وتعزيتهم، والبيع والاشتراء والمؤاجرة، والتصدق عليهم عند المصلحة، ورد السلام عليهم، والاستعانة بهم والتحالف معهم للمصالح الشرعية الراجحة، واﻷكل من طعامهم، والتزوج من نسائهم العفيفات، وتهنئتهم بالمناسبات الدنيوية الجائزة، والانتفاع بما عندهم من علوم وتقنيات ونحو ذلك، فدائرة المعايشة مع أهل الكتاب واسعة ولكن بلا تفريط في أمر العقيدة، فبعضنا يخطئ ويحرِّم كل المعاملات مع أهل الكتاب، وبعضنا على النقيض لا يحرم شيئًا البتة، فهذه القضية من القضايا الفارقة بين المؤمنين والمنافقين، ولم يفصل الله -عز وجل- بين المؤمنين وأعدائهم من قومهم إلا بعد أن فاصل المسلمون أعداءهم، وقد نالت هذه القضية حظًّا وفيرًا في القرآن.
أمثلة من السُّنة على الولاء والبراء.
          والأمثلة على ذلك في عصر النبوة والصحابة أكثر من أن تُحصَى، ولكن نذكر هنا حديثين تتجلى فيهما هذه القضية بوضوح عجيب، الحديث الأول: «مَن قَتَلَ وزَغًا في أوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَتْ له مِئَةُ حَسَنَةٍ»، والوزغ هو البُرص، وهو دابة من الزواحف؛ وذلك من أجل أن إبراهيم -عليه السلام- لما أُلقِيَ في النار لم تكن دابة في الأرض إلا أطفأت النار عنه غير الوزغ، فإنه كان ينفخ عليه، فأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقتله. والحديث الثاني في الملحمة العظيمة التي تكون بين المسلمين واليهود في آخر الزمان: «فيختبئ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ»، فالحجر والشجر يحققان مفهوم الولاء والبراء، والمسلم عندما يحقق هذا المفهوم ويسبح ضد تيار الكفر والنفاق فإنه يكون منسجمًا مع بقية الكون من حوله.
5-إصلاح النفس والأهل:
إصلاح النفس والأهل؛ فالأسرة هي اللبنة الأقوى في كيان الأمة، فينبغي أن تتحول الأسرة المسلمة إلى نواة إيمانية قوية، وبهذا انتشر الإسلام بأفراد قلائل في بداية الدعوة، وانتصر بالأسرة المسلمة، ويتضح ذلك من دراسة سيرة أسرة عمار بن ياسر، وأسرة أبي سلمة وأم سلمة -رضي الله عنهما.
6-السير على طريق مَن قاموا بتحريره قبلنا، مثل: (عمر بن الخطاب، وصلاح الدين، وقطز الذي حرر فلسطين من التتار)؛ فهؤلاء أحيوا قضية الدفاع عن المقدسات بالروح والدم والمال.
7-استشعار كل مسلم المسؤولية تجاه الأقصى ومدينة القدس، فيقوم بواجبه المتمثل في: (الدعاء، والدعم المادي، ونشر القضية عبر المنصات الإعلامية المتاحة، والبعد عن المعاصي).
8-قيام الآباء بواجبهم تجاه الأقصى بتنشئة الأبناء على حب المسجد الأقصى والتعلق به، وإطلاعهم على تاريخه وتاريخ المدينة المقدسة، وإحياء القضية عند النشء، وتوضيح الفرق بين قبة الصخرة والمسجد الأقصى.
9-قيام العلماء والدعاة بتبني هذه القضية ونشرها وسط الناس.
أن تتحول قضية المسجد الأقصى إلى قضية أمة، وأن تكون هي القضية الأولى على مستوى الأفراد والشعوب والحكومات.
10-أن يعلم جميعنا أن قضية المسجد الأقصى ليست قضية فلسطينية فقط وإنما هي قضية إسلامية، فهي ترتبط بعقيدة المسلمين.
11-العمل على استمرار رباط إخواننا من أهل فلسطين في المسجد الأقصى وتكثيف وجودهم فيه.
12-الحذر من التطبيع مع الكيان الصهيوني؛ فبهذا التطبيع تضيع القضية:
أن تعمل الحكومات والمؤسسات على مراقبة الحفريات التي يقوم بها اليهود بجوار المسجد الأقصى ومتابعتها.
13-قيام الإعلام العربي والإسلامي بمختلف أنواعه بتبني هذه القضية، وأن يستوعب الإعلاميون هذا الملف جيدًا، ولا يكون الكلام بعفوية أو ارتجالية في هذه القضية؛ فالإعلام بالغ التأثير الآن في خدمة القضية أو في تضييعها.
14-قيام المؤرخين والباحثين والكُتاب بدورهم نحو التأليف والكتابة عن تاريخ المسجد

الْخُطْبَةُ الثّانِية:

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين القائل في كتابه العزيز: ) ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74). والصلاة والسّلام على سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه ومن تَبِعَهُمْ بإحسان إلى يوم الدّين.

أمّا بعد، فعبادَ الله الْكِرَام, لا بُدَّ مِنَ الرَّدِّ عَلَى الْمَزَاعِم الْيَهُودِية الْفَاسِدَة نَحْوَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى.

الأقصى والرد على مزاعم اليهود:
1-قيام المدرسين في المراحل التعليمية جميعها بدورهم، وإحياء القضية في نفوس الطلاب، مع الشرح والبيان الوافيين لحقيقة الصراع بيننا وبين اليهود.
2-عقد المؤتمرات والندوات الشبابية في الجامعات وغيرها لنشر القضية.
3-أن يخصص طلاب الدراسات العليا وأساتذة الجامعات رسائل علمية جامعية في مراحل الماجستير والدكتوراة عن كل ما يخص المسجد الأقصى وبيت المقدس وفلسطين.
4-قيام الجمعيات الأهلية بالدور التثقيفي عبر الندوات.
الدعاء؛ فهو سلاح المؤمن الذي يصيب ولا يخيب، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «يوشك الأمم أن تداعَى عليكم كما تداعَى الأكَلَةُ إلى قصعتها، فقال قائل: ومِن قِلَّةٍ نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غُثاء كغثاء السَّيل، ولَيَنزِعَنَّ الله من صدور عدوكم المهابةَ منكم، ولَيَقذِفَنَّ الله في قلوبكم الوَهْن، فقال قائل: يا رسول اللهِ وما الوَهْن؟، قال: حبُّ الدنيا وكراهِيَةُ الموت»، وقد بيَّن النبي – صلى الله عليه وسلم – أسباب الداء وسُبل الشفاء فقال: «إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذنابَ البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّطَ اللهُ عليكم ذُلًّا لا ينزِعَه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم».
أهمية المسجد الأقصى:  يمثل المسجد الأقصى أهمية كبيرة لعموم المسلمين؛ فهو أولى القبلتين وثاني مسجد وضع في الأرض بعد المسجد الحرام، ومسرى نبي الإسلام محمد – صلى الله عليه وسلم -، وقد ظل على مدى قرون طويلة مركزًا لتدريس العلوم ومعارف الحضارة الإسلامية.

الدُّعَاءُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً , سَخَّاءَ رَخَّاءَ , وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ ياَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ أَطْعَمْنَاَ مِنْ جُوعٍ وَآمَنّاَ مِنْ خَوفٍ ؛ اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ , وَاجْعَلْهُمْ ذُخْراً لِلإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ اللَّهُمَّ أصْلِحْ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَفَتَيَاتِ الْمُسْلِمِينَ , وَاحْفَظْهُنَّ مِنَ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ , وَاجْعَلْهُنَّ ذُخْراً لِلإسْلامِ والْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وأُمَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَأَغْنِيَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَحُكَّامَ الْمُسْلِمِينَ , وَاجْعَلْهُمْ ذُخْراً لِلإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ . اللهم أبْطِلْ مكر أعداء الإسلام، وأبطل اللهم مُخطَّطاتِهم التي يُخَطِّطونها، اللهم إنَّا نَدْرَأُ بك فى نُحُورِهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم إنا نسألك أن تؤلف بين قلوب المسلمين على الحق،  اللهم انصر الشعب الفلسطيني،  وفَرِّجْ الحِصارَ عنهم، اللهم ارفع الكَرْبَ، واكْشِف الضُّرَّ، اللهم اشف مرضاهم ومرضى المسلمين، اللهم فُكَّ أسْرى أهل فلسطين وأسرى المسلمين، اللهم آمنا فى أوطاننا، وأصلح اللهم ولاة أمورنا، ووفقهم لما تحب وترضى، اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، يا أرحم الراحمين ويا رب العامين. وصَلّى اللهُ على سيِّدنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

Scroll to Top