TMC Friday Khutbah Banner (Website)

تكريم الإسلام للمرأة وخطورة الاختلاط الجنسي

بسم الله الرحمن الرّحيم

الخطبة الثالثة لشهر جمادى الأولى: 17/5/1445هـ (1 ديسمبر 2023م)

تكريم الإسلام للمرأة وخطورة الاختلاط الجنسي

الخطبة الأولى

الحمد لله ربّ العالمين الذي أكرمنا بالإسلام، وكرَّم المرأةَ تكريما عظيما، ورفع شأنها، ومنحها حقوققها، وأعطاها مكانتها فى المجتمع،  وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له الواحد المؤمن المهيمن وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله ومصطفاه صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه وسلّم تسليمًا كثيرًا أمّا بعد:

     فيا أيّها المسلمون، أوصيكم ونفسيَ المقَصِّرَ بتقوى الله عز وجل، فالتقوى من الإيمان، ومن يتق الله تعالى يكسب مَحبّتَهُ ورضاه وثوابه، { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200).     إن موضوع خطبتنا اليوم  -عباد الله الكرام- يدور حول “ تكريم الإسلام للمرأة وخطورة الاختلاط الجنسي”.

      أيها المسلمون، إن الله تعالى خلق البشر نساء ورجالا ليكونوا خلفاء فى الأرض ، ومن حكمته تبارك وتعالى أن جعل المرأة ركنا أساسيا فى هذه المهمة العظيمة: ألا وهو خلافة وعمارة الأرض ، فلن تتحقق ذلك بكامل أركانها وحقيقتها بدون المرأة لأنها أساس المجتمع، وهي جزء كبير منه.

        والمرأة قبل الإسلام – أيها المستمعون الكرام- كانت تُعَامَلُ  كأنها ليستْ من البشر، ولم تمر حضارةٌ من الحضارات الغابرة ، إلا وسقتها ألوانَ العذابِ، وأصنافَ الظُّلمِ والْقَهْر. كانت تعيش فترة عصيبة -خصوصا فى المجتمع العربي- حيث يكرهون ولادتها، حتى وُجِدَ منهم من يتركها تبقى فى حياة الذل والمهانة، أو يدفنها وهي حية حتى تموت تحت التراب، كما كان عدد منهم يكرهون إماءهم على ارتكاب جريمة الزنا، ومنهم من يمسكها على هون وإذا كبرت عنده زوجها بدون إذنها، ثم تصير كالأمة تحت زوجها يتسلط عليها بأنواع الظلم، فإذا مات عنها زوجها حرمت من الميراث، وتَوَارَثَهَا أهلُ زوجِها كما يُورَثُ المتاعُ، وقد أخبرنا الله تعالى عن هذه الأحوال التي تعيش فيها المرأة فى الجاهلية الأولى والحديثة وفى جميع الحضارات التي لا تحكمها الشريعة الإسلامية العادلة والراحمة، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (النحل: 58-59)، وقوله: { وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} (التكوير: 8-9). وقوله: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (النور:33)، وقد أشار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى هذه الأحوال للمرأة فقال: “والله إن كنا فى الجاهلية ما نعد للنساء أمراً، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم” (فتح الباري 10/301)،  كما ذكر ابن عباس هذه الأحوال فقال: “َكانَ الرجلُ إذا مات أبوه أو حَمُوه، فهو أحق بامرأته، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدى بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها” (فى ظلال القرآن 1/508).

      فلما جاء الإسلام وبعث نبي الرحمة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وأشْرَقَتِ الأرضُ بِنور ربِّها، اسْتَعَادَتْ المرأةُ كرَامَتَها وحَازَتْ حُقوقَها فى ظلِّ عُبُودِيتِها لِربِّها.

مظاهر تكريم الإسلام للمرأة:

       أيها الإخوة المسلمون، فما نعلم دينا كرَّم المرأةَ، ورفَعَ شَأْنَهَا وَأَنْصَفَهَا، مِنْ أَصْحَابِ الْمِلَلِ اْلأُخْرَى، إلا الإسلام، أنزل الله أحكاما خاصة بالنساء، وأنزل سورة باسمها -وهي سورة النساء- ولم يُخَصِّصْ للرجال سورةً لَهُمْ  وما ذاك إلاّ لِيُعْلِيَ مِنْ شِأْنِها، وَيْرفَعَ مَكانَتَها، وكما دلّ ذلك -أيضا- على اهْتِمَامِ الإسلامِ بِها.

      وأكرم الإسلام المرأة فجعلها شقيقة الرجل كما روت ذلك عائشة -رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنَّما النِّساءُ شَقائِقُ الرِّجال)) (رواه أبو داود والترمذي)، وجعل حقوقها فى الأصل مثل حقوق الرجل، كما حد لها حدا واضحا من الميراث  سواء قل المال أو كثر،  قال تعالى:{ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} البقرة: 228)، وقال: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا}(النساء: 7)،  وحَفِظ الإسلامُ لها عِرْضَها وكرامَتَها ، وحَرَصَ على سَتْرِها وصِيَانَتِها، وشرع لها ما يَحْفَظُ حَيَاءَها وحِشَمَتَها وحذَّر مِنْ قَذْفِهَا والنَّيْلِ مِنْهَا بَلْ عَاقَبَ مَنْ فَعلَ ذلك بدون بَيِّنَةٍ، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور: 4) وقال عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور: 23).

       ولقد كرَّم الإسلامُ المرأةَ -إخوة الإيمان-تكريما عظيما إذَا كَانَتْ أُمًّا، فجعلها أَحَقّ من الأب بالإكرام، قال رجل: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابي؟ قال: ((أُمُّكَ))، قال: ثم من؟ قال: ((أمُّك)، قال: ثم من؟ قال: ((أمُّك))، قال: ثم من؟ قال: ((ثُمَّ أبُوك) (متفق عليه)، وقال عليه الصلاة والسلام لمن ترك أُمَّهُ وأراد الْغَزْوَ: (( وَيْحَكَ! اِلْزَمْ رِجْلَها فَثَمَّ الْجَنّةَ)) (أحرجه ابن ماجه)، وأوْصَى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وصيَّتَهُ  المشْهُورَةَ، فقال: ((اِسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خيرًا)) (أخرجه مسلم)، واهتم الإسلام بالمرأة حيث جعل تربية البنات أجرا عظيما ، قال -صلي الله عليه وسلم- (( من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين وضم إِصْبَعَيْهِ)) (أخرجه مسلم).

        وللمرأة فى الإسلام -عباد الله- إكرام عظيم، فجعل حُرِية اخْتِيَارِ زَوْجِها دون إكراهٍ أو إجْبارٍ، قال -عليه الصلاة والسلام- (( لاَ تُنْكَحُ اْلأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، ولاَ تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ))  (متفق عليه)، كما أوجب الإسلام لها المهر على الرجل الذي أراد  الزواج بها، وأوجب عليه النفقة عليها، وأمره بمعاشرتها بحسن المعاملة والصحبة، يقول سبحانه وتعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَة} (النساء: 4)، وقال: { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ } (الطلاق: 7)، وقال: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (النساء: 19)، وجعل الإسلام أيضا خير الأزواج من كان خيراً لامرأته، وفى الحديث الذي أخرجه الترمذى فى سننه، -قال عليه الصلاة والسلام-: (( خَيركُمْ خَيركُمْ لِأهْلِه، وأنِا خَيركُمْ لِأهْلِي))، منع الإسلام الزوج من تعليق المرأة أو إمساكها للإضرار بها، فحدد الطلاق الرجعي بالمرتين، ثم إما إمساك بمعروف أ تسريح بإحسان، قال الله تعالى: { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} (البقرة: 229).

عباد الله الكرام فأي دِينٍ أو نِظامٍ أو قانونٍ تجد المرأةُ مثل هذا التَّكريم، إلا فى الإسلام وهو دين الذي جاء بالرحمة والعدل والمساواة الحقيقة.

خطورة الاختلاط الجنسي:

        أيها المستمعون الكرام، وحينما نقول “الاختلاط” إنما نقصد به اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم له اجتماعا يؤدي إلي ريبة، أو كما قال بعض العلماء: هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم فى مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر أو الإشارة أو الكلام أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة أو الفساد.

        ومن خطورته أنه من أكبر الأسباب الميسرة للفاحشة وارتكاب جريمة الزنا، فهو يحرك فى النفس نوازع الشر، ويشعل نار الشهوات الجامحة، ويولد الإغراء والإغواء، ويصرف شباب الأمة عن المعالي، ويحول المجتمع إلى لهو وعبث ومجون وخلاعة.

  لذالك -أيها المسلمون- حرمه الإسلام وحرم كل الأسباب المفضية إليه. ولقد وردت أدلة من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة  فى تحريمه وتحريم أسبابه نذكر منها:

       قال الله تعالى: { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} الأحزاب: 53).

      قال ابن كثير فى تفسير هذه الآية: ” أي وكما نهيتكم عن الدخول عليهن كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب”. (مختصر تفسير ابن كثير 2/109).

 عَن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ، قَالَ: ((الحَمْوُ المَوْتُ)) (رواه الترمذي وأحمد).  

بارك الله لي ولكم فى القرآن العظيم ونفعنا بما فيه من الآيات واالذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله القائل فى محكم كتابه: { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} (إبراهيم: 42)، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا. أما بعد:

       أيها الناس، عباد الله، ندين كل عمل عسكري غاشم الذي قامت به قوات الاحتلال الاسرائيلية ضد قطاع غزة وضد الفلسطينيين، الذي تحول إلى جريمة إبادة جماعية كما وصفته بعض الدول،  فاستهداف أكثر من مليوني إنسان بالقتل والتهجير وممارسة كل ألوان البطش والقتل والتنكيل والتجويع للمدنيين. فمحرمات القانون الدولي والشرائع السماوية كلها تُرْتَكَبُ بشأن أهل غزة، فقتل الأطفال والنساء والعجائز، وقتل الصحفيين والمراسلين، وقتل الأطباء والمسعفين وطواقم الدفاع المدني، ومنع الغذاء والدواء، ومنع الماء والكهرباء والغاز وكل مقومات الحياة، كل منها جريمة محرمة دوليا فى حالات الحرب، وكلها جرائم ضد الإنسانية.

       ونطالب قادة الدول بمراجعة مواقفها العملية التي تفرض واقعا مغايرا على الأرض؛ لوقف التعنت والتصعيد، كما نطالب مجلس الأمن المعني بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين، باتخاذ موقف حازم وفاعل تجاه تلك الجرائم.

        أيها الناس، اعلموا أنه لا فلاح َمع الظلم ولا بقاءَ للظالم ولا استقرارَ للمعتدي مهما طال الزمان ومهما بلغ به الشأن، وقد تتأخر عقوبة الظلم إلي حين وأجل يعلمه الله تعالى،{ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} (إبراهيم: 42)، وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ((إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته)) قال: ثم قرأ: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (هود: 102).

       أيها المسلمون، اذكروا إخوانكم الفلسطنيين وجميع المستضعفين من المسلمين فى دعائكم، وادعوا الله ربكم وأنتم موقنون بالإجابة.

الدعاء: اللهم انصر المسلمين فى كل مكان، وانصر إخواننا فى فلسطين واجعل النصرة والعزة والغلبة والقوة والهبية، واشف مرضاهم، وتقبل شهدائهم برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم انصر المجاهدين المرابطين فى سبيلك فى فلسطين نصرا عزيزا عاجلا، وثبت أقدامهم، وارزقهم الثبات والنصر والتمكين وسائر المسلمين. اللهم آمين.

Scroll to Top