[Khutbah Category]

21/7/1442 A.H (5/3/2021)

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخطبة الثالثة لشهر رجب بتأريخ 21\7\2144هـ-5\3\2021م

حَوْل:حادثة الْإسراء وَالمِعْراجٌ: لِمَ؟ وكَيْفَ؟

الْحَمْدُ للهِ ربِّ الْعَالَمِين، الَّذِي أَكْرَمَ نَبِيَّهُ مُحَمَّداً بِالإسراء والمعراج، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ , ونَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ، وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً ؛ أشْهَدُ أنْ لاَإلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمّا بَعْدُ،

فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، ظَاهِراً وَبَاطِناً عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ {آل عمران:3\102}.

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ, إنَّ مَوْضُوعَ خُطْبَتِنَا اليَوْمَ يَدُورُ حَوْلَ الإسراء والْمِعْرَاجِ. لأننا في أوَاخِرِ شهْرِ رجَبَ حيث يَتَذَكَّرُ الْمسلمونَ حَادِثَ الْإِسْراء والْمِعْراج بِرَسُولِ اللهِ، حادثاً جليلاً من أحداث السّيرة النَّبويّة العاطرة. وليْسَ هُناك قَطْعٌ بأنَّ الإسراءَ حدثَ في تلك اللّيلةِ , بلْ هُناك خِلَافٌ كثيرٌ حوْلَ مِيقات الإسراء ولكنّ المسلمين قد اشتهر بينهم في الأعصر الأخيرة , أنَّ الإسراء والمعراج في ليلة السّابع والعشرين من رجب. ونحن لا يهمّنا : هل كان الإسراءُ في تلك اللّيلة أو لم يكن؟ إنّما يهمُّنا الحادِثُ نفسُه.

تعريف الإسراء والمعراج:

يُعرّف الإسراء بأنّه انتقال النبي -عليه الصلاة والسلام- مع جبريل -عليه السلام- ليلاً من البيت الحرام في مكّة المُكرمة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس على دابّةِ البُراق، وأمّا المعراج فهو صُعودهما من بيت المقدس إلى السماوات العُلى، وقد ثبت وقوع هذه الحادثة في القُرآن، والسُنّة، وشهادة الصحابة الكرام بذلك، وهي من إكرام الله -تعالى- لنبيّه.

سبب رحلة الاسراء والمعراج:

كان لرحلة الإسراء والمعراج العديد من الأسباب؛ فكانت تخفيفاً لآلامه وأحزانه -صلى الله عليه وسلم- بسبب الأذى الذي تلقّاه من قومه، وإعلاءً لشأنه، وإكراماً له، وكانت من باب الأُنس له، وتعريفاً له بمنزلته وقدْره عند الله -عزّ وجلّ-، إذ بدأ بعدها مرحلةً جديدةً من دعوته، بالإضافة إلى أنّها كانت فضلاً عظيماً للنبيّ -عليه الصلاة والسلام- وتعويضاً له عمّا لاقاه من قومه واعتراضهم له، قال -تعالى-: (ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً)،[النساء:4/70] كما أنّها كانت لأجل رؤية النبي -عليه الصلاة والسلام- من آيات الله -تعالى- العظيمة، لقوله -تعالى- عن رحلة الإسراء: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا)،[الإسراء:17/1] وقال -تعالى-عن رحلة المعراج: (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)،[النّجم:53/18] لمِا في ذلك من القدرة على مواجهة مصاعب الدّعوة التي تعترضُه، ومن المشاهد التي رآها الأنبياء والمُرسلين، وبعض مشاهد الجنّة والنّار، وغير ذلك.

توقيت رحلة الاسراء والمعراج:

تعدّدت آراءُ عُلماء السِّيَر في زمن رحلة الإسراء والمعراج، وأشهر هذه الأقول ما أرّخه الزُّهريّ، حيث قال إنّها كانت قبل الهجرة إلى المدينة المُنورة بسنة، وكانت بعد معاناة النبي -عليه الصلاة والسلام- من رحلته إلى الطائف، فكانت في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب من السنة الثانيّة عشرة للبعثة.

أحداث ليلة الإسراء والمعراج:

أخرج الإمام البُخاري -رحمه الله- في صحيحه حادثة الإسراء المعراج، حيث كان النبي -عليه الصلاة والسلام- مُستلقياً على ظهره في بيت أُمِّ هانئ، فانفرج سقف البيت، ونزل منه مَلَكان على هيئة البشر، فأخذاه إلى الحطيم عند زمزم، ثُمّ شقّا صدره، وأخرجا قلبه الشريف وغسلاه بماء زمزم، وملآه بالإيمان والحكمة؛ لكي يكون ذلك استعداداً له لِما سيُشاهده، وليكون تهيئةً له من الناحية اليقينيّة والروحيّة، وقلّق الحافظ ابن حجر على ذلك فقال: "وجميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك"، ثُمّ جاء جبريل -عليه السلام- للنبيّ بدابّة البُراق، وهي دابّةٌ أصغرُ من الفَرَس وأكبر من الحِمار، تضعُ حافرها عند مُنتهى طرفها؛ أي تضع خطواتها فتصل إلى مدّ بصرها، فلمّا ركبها النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يثْبُت، حتى قال له جبريل -عليه السلام- أن يثبت، فلم يركبها أحدٌ خيرٌ منه، فثبت النبيّ، وتصبّب عرقاً، ثُمّ انطلقت بهما إلى بيت المقدس.

ثُمّ عُرج بالنبيّ وجبريل إلى السماء الدُنيا، فرأى -عليه الصلاة والسلام- آدمَ -عليه السلام-، ورحّب به، وردّ عليه السّلام، وأراه أرواح الشُهداء عن يمينه، وأرواح الأشقياء عن يساره، ثُمّ صعد إلى السماء الثانيّة، فرأى فيها يحيى وعيسى -عليهما السلام-، فسلّم عليهما، ثُمّ صعد إلى السماء الثالثة ورأى فيها يوسف -عليه السلام-، ثُمّ رأى إدريس -عليه السلام- في السماء الرابعة، وهارون -عليه السلام- في السماء الخامسة، وموسى -عليه السلام- في السماء السادسة، وفي السماء السابعة رأى إبراهيم -عليه السلام-، وجميعُهم يُسلّمون عليه، ويُقرّون بنبوّته، ثُمّ صعد إلى سدْرة المُنتهى، والبيت المعمور، ثُم صعد فوق السماء السابعة، وكلّم الله -تعالى-، ففرض عليه خمسين صلاة، وبقيَ النبيّ يُراجِعه حتى جعلها خمساً، وعُرض عليه اللّبن والخمر، فاختار اللّبن، فقيل له أنّه أصاب الفطرة، ورأى أنهار الجنّة، اثنان ظاهران، واثنان باطنان، ورأى خازن النّار -مالِك-، ورأى أكَلَة الرّبا، وأكَلَة أموالِ اليتامى ظُلماً، وغير ذلك الكثير من المشاهد.

((رأَى النبيُّ عليه الصلاة والسلام رِجَالاً وَأَقْوَامًا تُرضَخُ رُؤُوسُهُمْ بِالْحِجَارَةِ قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال : هؤلاء الذين تَتَثَاقَلُ رُؤُوسُهُمْ عَنِ الصَّلاةِ)) "البيهقي" الرُّؤُوسُ الَّتيِ كَانَتْ تَحْتَرِمُ كُلَّ مَوْعِدٍ بَشَرِى يَزِيدُ مِنْ رَصِيدِهَا وَيَزِيدُ مِنْ مَالِهَا تَخْرُجُ مُبَكِّرَةً وَتَعُودُ فيِ آخِرِ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَلَكِنَّهَا تَنْسَى مَوْعِدَهَا مَعَ اللهِ عز وجل في مَوْقِفٍ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ فيِ خَمْسِ صَلواتٍ. مِثْلُ هَذِه الرُّؤُوسِ لاَ وَزْنَ لَهَا وَلاَ كَرَامَةَ لَهَا عِنْدَ الله وتَسْتَحِقُّ يَومَ القِيَامَة الرَّمْيَّ بِالْحَجَارَةِ.

((وَرَأَى النبيُّ عليه الصلاة والسلام أقْوَامًا يَسْرَحُونَ كَمَا تَسْرَحُ الأنْعَامُ، طَعَامهُمُ الضَّرِيح (نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ) قال : من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لاَ يُؤَدُّونَ زَكاةَ أَمْوَالِهم)) "البيهقي", وأيُّ دَرْكٍ حَيَوَانِيٍّ يَبْلُغُهُ الْغَنِيُّ الْمُسْلِمُ عِنْدَمَا يَفْتَقِدُ مَشَاعِرَ الأُخوةِ، مَشَاعِرَ الرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ بِالضَّعِيفِ الْفَقِيرِ ، وَمِثْلُ هَذَا يَسْتَحِقُّ أنْ يُحْشَر يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى صُورَةِ الْحَيَوَانِ.

((ورأَى النبيُّ عليه الصلاة والسلام رِجَالاً يَأْكُلُون لَحْمًا نَتِنًا خَبِيثًا وَبَيْنَ أَيْدِيهِمْ اللَّحْمُ الطَّيِّبُ النَّضْجُ قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء رجالٌ مِنْ أُمَّتِكَ تَكونُ عِنْدَ أَحَدِهم الْمَرْأةُ بالْحَلالِ فَيَدَعُهَا وَيَبِيتُ عِندَ امْرَأةٍ خَبِيثَةٍ حَتىَّ يُصْبِحَ)) "البيهقي", والْمُؤْمِنُ يَنْأَى بِمَائِهِ أنْ يَضَعَهُ إلاَّ فيِ الْمَوْضِعِ الْكَريمِ الطَّاهِرِ. أمَّا النَّفْسُ الْهَابِطَةُ، أمَّا النُّفُوسُ الْعفِنَةِ فَإنَّهَا لاَ تُبَالِي أنْ يكُونَ الْفِرَاشُ طَاهِرًا أَمْ نَجسًا.

((ورأى النبي عليه الصلاة والسلام نساءً مُعَلَّقَاتٍ مِنْ أَثْدَائِهِنَّ قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء اللَّوَاتِي يُدْخِلْنَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَولاَدِهِنَّ)) "البيهقي " , أجْمَلُ مَا فيِ الرَّجُلِ غِيرَتُهُ وَأجْمَلُ مَا فيِ الْمَرْأةِ حَيَاؤُهَا وَلَكِنْ مِنْ عَلاَمَاتِ قُرْبِ السَّاعَةِ زَوَالُ ذَلِكَ كَمَا جَاءَ فِي الأثَرِ: (إذَا كَانَ آخِرُ الزّمَانِ رَفَعَ اللهُ أرْبَعَةَ أَشْيَاءَ مِنَ اْلأرضِ رَفَعَ الْبَرَكَةَ مِنَ الأرض وَالْعَدْلَ مِنَ الْحُكامِ وَالْحَيَاءَ مِنَ النِّسَاءِ وَالْغِيرَةَ مِنَ رُؤُوسِ الرِّجالِ).

دروس مستفادة من رحلة الإسراء والمعراج:

كان لرحلة الإسراء والمِعراج الكثير من الدُروس والعبر المستفادة، منها ما يأتي:

أ-تعويضُ الله -تعالى- للنبي -عليه الصلاة والسلام- لصدّ النّاس عنه، وخاصّةً أنّ الحادثة كانت بعد أذى أهل الطائف له، ومَنعُه من دُخول المسجد الحرام إلا بجوار مِطعم بن عديّ، فعوّضه الله -تعالى- بفتح أبواب السماء له، وترحيب أهلها به.

ب-تعزيةٌ ومواساةٌ من الله -تعالى- لنبيّه -عليه الصلاة والسلام- بعد وفاة زوجته خديجة -رضي الله عنها- وعمّه أبي طالب، فأكرمه برؤية آياتٍ من ربّه وأمور أخرى.

ج-فتنةُ النّاس وامتحانهم؛ من خلال بيان المُصدّق والمُكذّب له، حيث إنّ الذهاب إلى بيت المقدس لا يكون إلا برحلةٍ مقدارُها شهرين ذهاباً وإياباً، وسُمّيّ من حينها أبو بكرٍ -رضي الله عنه- بالصّدّيق؛ لتصديقه للنبي -عليه الصلاة والسلام- في مُعجزة الإسراء والمِعراج.

د-بيان صدق النبي -عليه الصلاة والسلام- بعد وصفه للناس ما يعجز البشر عن وصفه.

هـــ-بيان أهمية الصلاة ومكانتها، حيث إنّها فُرضت في السماء.

و-الدلالة على أهمية المسجد الحرام والمسجد الأقصى، والربطُ بينهما، وقيامهما على التوحيد والإخلاص.

الْخُطْبة الثَّانية:

الحمد لله ربّ العالمين, نحمده سبحانه وتعالى ونشكُرُهُ ونُؤمن به ونتوكَّل عليه, ونصلّى ونسلّم على خير خلق الله, سيّدِ العرب والعجم, محمّدٍ رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلّا من أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ.

أمّا بعد,

فيا عباد الله, إنّه من الجدير بالذِّكر في الوقت الرّاهن هو الحديث عن ظاهرةٍ جاهلية منتشرة في مجتمعنا النيجيري عامة وفي بلاد يوربا خاصّةً, ألا وهي العصبية العنصريّة القبليّة الّتي قد حرّمها الإسلامُ تحريماً منذ أمدٍ مديدٍ.ويقتل الهؤساويّون اليورباويين كما يقتل اليورباويّون الهاؤساويّين في مدينة إبادن ولاية أويو في الأسبوع الماضي من العصبية القبليّة المنتنة كما وصف الرّسول الكريم صلى الله عليه وسلّم.

فالعصبية: هي مناصرة من يهمك أمره في حق أو باطل، وقد نهى الإسلام عن التعصب لأي رابطة غير رابطة الدين والعقيدة، واعتبر الحمية والتعصب لغير رابطة الدين دعوة جاهلية، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( قد أذهب الله عنكم عصبِّيَّةَ الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي وفاجر شقي والناس بنو آدم وآدم من تراب ) الترمذي ، وقوله أيضا : ( من قُتِل تحت راية عمِّيَّةٍ يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلة جاهلية ) رواه مسلم

الدّعاء:

اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، وأهدنا سبل السلام، وأهدنا إلى صراطك المستقيم، اللهم ألف بين قلوبنا رعاة ورعية، ووحد كلمتنا وصفوفنا، وأحفظ علينا مودتنا وأخوتنا، وطهر قلوبنا من الحقد والحسد والبغضاء، وجنبنا الخلاف والنزاع والشقاق والخصام، واصرف عنا شر الأشرار وكيد الفجار ياذا الجلال والإكرام.

اللهم آمنا في وطننا ، واجعله آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.. اللهم وفق ولاة أمورنا، ووفق رئيسنا محمّد بخاري ونائبه ووزرائه ووفقهم لما تحب وترضى وخذ بنواصيهم للبر والتقوى وهيئ لهم البطانة الصالحة الناصحة. وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *