TMC Friday Khutbah Banner (Website)

حُكْمُ أَعْيَادِ النَّصَارَى وَالنّهْيُ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالكُفّارِ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الرّابعة لشهر جمادى الأولى بتأريخ 29/5/1444هــــــ (23/12/2022)

الموضوع: حُكْمُ أَعْيَادِ النَّصَارَى وَالنّهْيُ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالكُفّارِ

الخطبة الأولى:

الحمد لله ربّ العالمين القائل في كتابه العزيز: ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ﴾ [الحج: 67], وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءً تُلْقُوْنَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) [الممتحنة:60/1] وقال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبراهيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة:60/4]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ) [الممتحنة:60/13], نحمَدُهُ سُبْحَانَهُ وتعالى ونشكُرُهُ ونؤمِنُ بِهِ ونتوكّلُ علَيْهِ ونَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا, إِنَّهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. اللهمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْجَزَاء.

أمَا بَعْدُ,

فيا عباد الله, أوصِيكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ طِبْقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102] ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1] ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70 – 71].

إخوَةَ الإيمان, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الرّابع والأخير فِي شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى, خَامِسِ الشُّهُورِ القمريّة الإِسلامِيّة. وَمَوْضُوعُ خُطْبَتِنَا الْيَوْمَ يَدُورُ حَوْلَ: حُكْم أَعْيَادِ النَّصَارَى وَالنّهْيُ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالكُفّارِ.

أيها الإخوة المسلمون: جاءت شريعة الإسلام بالنهي القاطع عن التشبه بالكافرين في أي شيء: في العبادات والمعاملات، والأخلاق والعادات، والهيئات. ونصوص الشرع في ذلك أكثر من أن تحصر. فمخالفة المشركين، والبراءةُ منهم أصل من أصول الدين، الإخلال به إخلال بالدين؛ لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد مخالفتهم دائمًا وأبدًا.

لما قدم المدينة مهاجرًا، ورأى اليهود يصومون عاشوراء، أمر المسلمين بصيام يوم قبله أو بعده مخالفة لهم[8]؛ بل حتى تحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة هو مخالفة لهم في قبلتهم ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ [البقرة: 150].  قال جمع من السلف: “معناه: لئلا يحتج اليهودُ عليكم بالموافقة في القبلة فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة.”[9]

ومن الدقائق في هذا المجال: ما استنبطه العلماء من أن صيامَ المسلمين وإفطارهم وأعيادَهم إنما مبناها على رؤية الهلال، وذلك مخالف لما عليه الكفار؛ إذ يثبتون ذلك بالحساب، وجاءت السنة بتعجيل الفطور وتأخير السحور مخالفة لهم، وجاء النهي عن الجلوس كما يجلسون، ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رأى رجلاً يتكئ على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة فقال له: “لا تجلس هكذا، فإن هكذا يجلس الذين يعذبون” وفي رواية  .“تلك صلاةُ المغضوب عليهم”؛ أخرجه أبو داود.

لا يجوز مشاركة الكفار في أعيادهم للأمور التالية: :أيُّها الأحبّةُ فِي اللهِ

أولاً : لأنه من التشبه و” من تشبه بقوم فهو منهم” رواه أبو داود وقال عنه الألباني رحمه الله : حسن صحيح ( صحيح أبي داود 2/761) ( وهذا تهديد خطير ) ، قال عبد الله بن عمرو بن العاص من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجاناتهم وتشبه بهم حتى يموت خسر في يوم القيامة.

ثانياً : أن المشاركة نوع من مودتهم و محبتهم قال تعالى : ( لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ )[المائدة:5/51] الآية ، وقال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءً تُلْقُوْنَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) [الممتحنة:60/1].

ثالثاً : إن العيد قضية دينية عقدية وليست عادات دنيوية كما دل عليه حديث: “لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدٌ وَهَذَا عِيدُنَا “ و عيدهم يدل على عقيدة فاسدة شركية كُفْرية.

رابعاً : مَدَحَ اللهُ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ الْمُؤمنين فِي سُورَةِ الْفُرقانِ. مِنْ صِفَاتِ عِبَادِ الرّحمنِ( والّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ …) [الفرقان:25/72]الآية فسرها العلماء بأعياد المشركين ، و لا يجوز إهداء أحدهم بطاقات الأعياد أو بيعها عليهم و جميع لوازم أعيادهم من الأنوار و الأشجار و المأكولات لا الديك الرومي ولا غيره و لا الحلويات التي على هيئة العكاز أو غيرها.

وأخيراً, أيها المسلمون الكرام, إن من قواعد الإسلام وأصوله العظيمة النهي عن التشبه بالكفار، والأمر بمجانبة هديهم على العموم وفي أعيادهم على الخصوص، وأصل هذه المسألة في كتاب الله وسنة رسوله وهدى السلف الصالح، ولأجلها صنف شيخ الإسلام ابن تيميه كتابه: ” اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم”

أقول قولي هذا أستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنّه هو الغفور الرّحيم.

الخطبة الثّانية:

الحمد لله ربّ العالمين, الّذي يخلق ما يشاء , ومن يشاء كيف يشآء,  ولا يُسأَلُ عَنْ ما يفعل وهم يُسألون, فتبارك الله أحسن الخالقين. ثمّ الصّلاة والسّلام على خير خلق الله سيّد الأوّلين والآخرين, سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه ومن تبِعَهُمْ بِإِحسانٍ إلَى يوم الدِّين. أمّا بعد,

فَيَا عِبَادَ اللهِ, مِنَ المستحسن في الوقت الراهن أن نذكر نبذة تأريخيةً عن نبيّ الله عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام . لا شك بأن موعد ميلاد المسيح لم يكن في 25, شهر ديسمبر ، وخصوصاً أن موسم الرطَب هو في شهر الصيف ، فما هو التاريخ التقريبي لميلاد المسيح عليه الصلاة والسلام ؟  الجواب:

مسألة تحديد وقت ميلاد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام عليها تنبيهات: 

1.أنها من الغيب الذي لا يمكن لأحدٍ الجزم به ، إلا أن يكون ممن يوحي لهم الله تعالى بوحيٍ من عنده ؛ لأنه لا سبيل لمعرفة ذلك إلا به ؛ لانقطاع الأسانيد بيننا وبين ذلك الزمان ، ولاختلاف النقلة في تحديد وقت ميلاده عليه السلام.

 2.أن معرفة ذلك الوقت علم لا ينفع ، والجهل به غير ضارٍّ ، ولو كان في معرفة ذلك فائدة لجاءتنا النصوص به ، ثم لو عرفنا وقت ميلاده : فما هو وقت ميلاد موسى ، وإبراهيم ، وغيرهما من الأنبياء والرسل ؟! وما فائدة معرفة ذلك الوقت ؟!

إخوة الإيمان, كانت مريم ابنة عمران امرأة صالحة تقية .. واجتهدت في العبادة حتى لم يكن لها نظير في النسك والعبادة .. فبشرتها الملائكة باصطفاء الله لها .. ( وَإِذْ قَالَتِ الْملائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطفاكِ وطهَّركِ واصْطَفَاكِ عَلَى نِساءِ الْعالمَينَ (42) يا مَرْيَمَ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ) آل عمران / 42 – 43

–  ثم بشرت الملائكة مريم بأن الله سيهب لها ولداً يخلقه بكلمة كن فيكون وهذا الولد اسمه المسيح عيسى ابن مريم .. وسيكون وجيهاً في الدنيا والآخرة ورسولاً إلى بني إسرائيل .. ويعلم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل .. وله من الصفات والمعجزات ما ليس لغيره .. كما قال تعالى : (إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا والآخِرَة وَمِنَ المْقرَّبِينَ  – وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِّحينَ – قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلم يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إذا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [آل عمران /45-47].

– ثم أخبر الله تعالى عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى عليه السلام فقال عن تشريف عيسى , وتأييده بالمعجزات .. ( وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ (48) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةَ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ(50) إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) [آل عمران/48 – 51 ].

–  والله سبحانه له الكمال المطلق في الخلق .. يخلق ما يشاء كيف يشاء .. فقد خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم .. وخلق حواء من ضلع آدم من أب بلا أم .. و جعل نسل بني آدم من أب وأم .. و خلق عيسى من أم بلا أب .. فسبحان الخلاق العليم.

الدعاء:

اللّهُمّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ وَالْمُسْلِمينَ وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ, وَدَمِّرْ عَدَاءَكَ, عَدَاءَ الدِّينِ مِنَ الْيَهُودِ والنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ بِجَاهِ قَوْلِكَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ, وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ. اللهمّ ولّ عَلَيْنَا خِيَارَنَا وَلَا تُوَلِّ عَلَيْنَا شِرَارَنَا وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا بِذُنُوبِنَا مَنْ لا يَخَافُكَ فِينا وَلَا يَرْحَمُنَا برحمتكَ يا أرحم الراحمين. وصلّى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما.

Scroll to Top