صِفات عِبَاد الرّحمن : (11)التّجاوُبُ مَعَ آيات اللهِ

بسم الله الرّحمن الرّحيم
الخُطبة الثّانِيّة لشهر رجب بتأريخ 13\7\1439هــ-30\3\2018م
حول : صِفات عِبَاد الرّحمن : (11)التّجاوُبُ مَعَ آيات اللهِ
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ , الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ﴾ [الفرقان:25\63-73] , نَحمده ونستعينه ونستغفره , ونعُوذُ باللهِ تعالَى مِنْ شُرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا , مَنْ يهده اللهُ فلا مُضلَّ له , ومن يضلل فلا هادي له , ومن لم يجعَل لهُ نُوراً فما لهُ مِنْ نُورٍ . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , خصَّنا بخير كِتابٍ أنزل , وأكرمنا بخير نبيٍّ أرسل , وجَعَلَنَا بالإسلام خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِجتْ للنَّاسِ , نأمُرُ بِالمَعرُوف ونَنهَى عن المُنكَرِ , ونُؤمِنُ باللهِ , وأتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَة بأَعْظَمِ دِينٍ شَرَّفَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ : دِين الإِسْلام : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائِدة:5\3] , وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:2\85].
وأشهد أنَّ مُحمّداً عَبْدُهُ ورسُولُه , أدَّى الأمانة , وبلَّغ الرِّسالةَ , ونَصَحَ لِلْأُمَّة , وجاهَدَ فِي اللهِ حقَّ جِهَادِهِ , وَتَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءَ , عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحَة الْغَرَّاء , لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا , لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلّا هَالِكٌ , فَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً , وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً . اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ , وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ , وأحْيِنَا اللهُمَّ عَلَى سُنَّتِهِ , وأَمِتْنَا عَلَى مِلَّتِهِ , وَاحشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ , مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء والصَّالِحِين , وَحَسُنَ أولَئِكَ رَفِيقاً.
أمَّا بَعْدُ ,
فَعِبَادَ اللهِ , أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجلَّ طِبْقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب :33\70-71] .
إِخْوَةَ الإِيمَان , هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الثّانِي لشهر رجب , وَما زِلنا على مَوْضُوعِنَا العام : صِفَات عباد الرّحمن وقد تحدَّثْنَا عن تسع صِفاتٍ تَفْصِيلاً , عَلَى التَّرتيبِ التّالي كما رتّبها المولى القدير سبحانه وتعالى في مُحكم تنزيله في أواخر سورة الفرقان : التَّواضُع , والحِلْمُ , وقيامُ اللّيْل , والْخَوْفُ مِنَ النَّارِ , والاعتدال فِي الإنفاق و التَّوْحِيد واجتناب القتل واحترام الحياة واجْتِنَاب الزِّنَا والتَّوْبَةُ النَّصُوحَة , وترك شهادة الزّور والإعراض عن اللّغوِ. واليومَ –إنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى – نُعَالِجُ الصِّفَةَ الحاديَةَ عشرَ الّتِي هِيَ :
التّجاوُبُ مَعَ آيات اللهِ.
أيّها الإخوة المسلمون :
لا زلنا نعيش في رحاب القرآن , في صحبة عباد الرّحمن , الّذين ذكرهم الله تعالى في كتابه , وأثنى عليهم , وشرّفهم بالإضافة إلى ذاته المقدّسة .
ووقفنا في أوصاف عباد الرّحمن عند قوله تعالى : ﴿ والّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيات اللهِ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَاناً﴾ [الفرقان :25/73] .
هذه صِفةٌ مِنْ صِفاتِ عبادِ الرّحمن : التّجاوب مع آيات اللهِ , قلوبهم مفتوحة , وعيونهم وآذانهم مع هذه الآيات , لا يقعون عليها وقوع الصّمّ ولا العميان , ولكن لهم آذان صاغية , وعيون راعية , وقلوبهم واعية .
ولكن ما هي آيات الله ؟
آيات الله نوعان : آيات تكوينيّة , وآيات تنزيليّة .
الآيات التّكوينيّة : هي آيات اللهِ في الكون , آيات الله في الكون , آيات الله في الأنفس والآفاق , آيات اللهِ التي بثَّها في كلّ مكانٍ لترشد النّاس إليه , وتدلّهم عليه , كما قال القائل :
فيا عجبا كيف يُعصَى الإله أوْ يجْحَدُهُ الْجاحــــــــــدُ ؟
وللهِ في كُـــــــــــــــــــــلِّ تحــــــــــــــــــــــــريكةٍ وفي كلِّ تسكينةٍ شاهدُ
وفي كُــــــــــلِّ شيـــــــئٍ لــــــــــه آيةٌ تدلُّ على أنّه الـــــــــــــــــواحدُ
آيات الله مبثوثة , وعباد الرّحمن وأهل الإيمان يتجاوبون معها , كما قال الله عزّ وجلّ : ﴿ إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاواتِ والْأَرْضِ وَاختلافِ اللّيْلِ والنّهارِ لَآياتِ لِأولى الألباب (190) الّذينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وقُعُوداً وعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران : 3/190 -191] .
آياتُ اللهِ الآفاقِيّة والأنفسِيّة : آيات اللهِ فِي النّفس : ﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ , أفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذّاريات : 21] , وفي الآفاق .. وفي السّماء والأرضِ (وَفِي الأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ) [الذّاريات : 20] , ﴿ أوَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السّمَاواتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ ) [الأعراف :7/185] , ﴿ قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السّمَاوَاتِ والأَرْضِ , وَمَا تُغْنِي الآيات ُوَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤمِنُونَ ﴾ [يونس : 101] .
الّذين يظرون إلى هذه الآيات بأعين عُمي , وقُلُوبٍ غُلِف , وآذان صُمّ , لا ينتفعون منها بشيءٍ , خُتِمَ عَلى قُلُوبِهِمْ وعلى سمعهم , وعلى أبصارهم غِشَاوةٌ , فهُمْ صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ لا يرجعون , ولا يعقلون .
هذه آيات اللهِ الكونيّة الآفاقيّة .
وهُناك آيات اللهِ التَّنزيليّة , التي أنزلها اللهُ عَلَى رُسُلِهِ : آيات الْوحي , التي خَتمها الله بالقرآن الكريم , وتجلّى الله لعباده في كلماته , التي أنزلها على رسوله محمّد صلّى الله عليه وسلّم , فهو يتعرّف إلى عباده بهذه الكلمات من النّور , أو بهذا النّور من الكلمات .
أنزل الله على عبده ورسوله محمّد- صلّى الله عليه وسلّم – هذا القرآن , ليدلّ النّاس عليه , ليفتح قلوبهم به :
﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَّثَانِيَ , تَقْشَعِرَّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ , ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ , وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [الزّمر : 23] .
أنزل الله هذا القرآن العظيم , فيه صفاته , وأفعاله , فيه أسماؤه الحُسنى وصفاته العليا , فيه صفات المؤمنين وصفات الكافرين والمنافقين , فيه بيان مصابر هؤلاء وهؤلاء , فيه ذكر الآخرة والجنّة والنّار , فيه الوعد والوعيد , والتّرغيب والتّرهيب , فيه الأمر والنّهي , والحكم والأمثال والقصص والمواعظ , وصدق الله العظيم حين يقول :
﴿ .. ونَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى ورَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ [النّحل : 16/ 89] .
هذا القرآن آيات اللهِ , أعجز بها البشر أن يأتوا بمثلها , أو أن يأتوا بعشر سُوَرٍ من مثل هذا القرآن أو أن يأتوا بسورةٍ مثلِهِ , ولكنّهُم غلبوا , وانقَطَعُوا وحقّت عليهم كلمة اللهِ : ﴿قُلْ لَئن اجتَمَعَتِ الإنسُ والْجِنُّ عَلَى أنْ يَأتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾ [الإسراء :17/88] .
كان القرآنُ هو الآية الْعُظْمَى , والمعجزة الكبرى لمحمد صلّى الله عليه وسلّم , كانت آيات الأنبياء من قبل آيات حسية , كونية , ومن شأن الآيات الكونية والحسّيّة , أن تنفذ وتنتهي بمجرّد وقوعها , فلولا أنّ القرآن أخبرنا بأنّ موسى – عليه السّلام – انقلبت له حيّة , وأنّ عيسى _ عليه السّلام – أبرأ الأكمه والأبرص , ما عرفنا شيئاً عن ذلك , فهي أصبحت معجزة تأريخيّة .
أمّا القرآن هو معجزة باقية إلى أن يرث اللهُ الأرضَ وَمَا عَلَيْهَا , لأنّه مُعجزة علميّة أدبيّة عقليّة , ولهذا لما طلبوا من النّبي صلّى الله عليه وسلّم آية من الآيات الكونيّة , قال لهم : ﴿ أوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أنَّا أنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ , إنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ ﴾ [العنكبوت : 29 /51] , القرآن آية كافية , لكلِّ من كان له عقلٌ وكلّ من كان في صدره قلبٌ : ﴿أو ألْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق :50/ 37 ] .
فهذا القرآن هو معجزة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الدّائمة , وآياته الباقية , ضمّن اللهُ كلماته الإعجاز , فهو يدخل إلى العقول والقلوب بغير اسئذان , كتاب مُيسَّرٌ للذِّكر , يفهمه الخاصّ والعام , كلٌّ على قدر فهمه : ﴿.. فَسَالَتْ أَوْدِيَةً بِقَدَرِهَا ﴾ [الرّعد : 13/ 17] , ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرآنَ للذِّكْرِ , فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر :54/ 17] .
سمِعَهُ الْمُشْرِكُونَ فتأثّرُوا به , وقال قائلُهُمْ واللهِ إنّ لهذا الْكَلامِ لَحَلاوَة , وإنّ عليه لطلاوَة , وإنّ أعلاه لَمُثْمِرٌ , وإنّ أسفله لَمغدق , وإنّه يَعلُو وَلا يُعلَى , وإنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلامِ الْجِنِّ وَلا مِنْ كَلامِ الْبَشَرِ .
سَمِعَهُ الْجِنُّ فأثّرَ فِيهم وقالوا : ﴿.. إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾ [الجنّ : 73\ 1-2] , ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الأحقاف : 46\ 29-30] .
سمعه جماعة من النّصارى فدمعت أعينهم , وخشعت قلوبهم , وآمنوا بالله ورسوله , هم الّذين قال الله فيهم :
﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ﴾ [المائدة :5\ 83-84] .
هذا هو القرآن , يسمعه المؤمنون فتوجل القلوب , وتدمع العيون , وتخشع الأفئدة , كما وصف الله المؤمنين الصّادقين بقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال : 8/2] .
المؤمنون يسمعون القرآن فيزداد إيمانهم , والمنافقون والزّائغون يسمعون القرآن فيزيدهم رجساً على رجسهم والعياذ بالله : ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التّوبة : 9/ 124-125] .
ولذلك كان بعض الصّحابة يقول : ما من أحد يجالس القرآن إلّا وخرج بزيادة أو نقصان , فإنّ اللهَ تعالى يقول : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء :17\ 82] , (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصّلت :41\ 44] , لا يسمعون ولا يعقلون , هذا شأن النّاس مع القرآن .
فقس نفسك مِنْ أيّ النّاس أنتَ ؟ من أيّ الأصناف أنت مع القرآن ؟ هل يزداد إيمانك ؟ هل تزداد خشيتُكَ ؟ هل يتحرّك قلبك ؟ هل تدمع عينك ؟ أم أنّك تقرأ القرآن كما تقرأ كلام النّاس , لا تتأثّر ولا تنفعل ؟ .
على المؤمن أن يفتح قلبه للقرآن , أن يهتك حجب الغفلة والشّهوة والكبر عن قلبه , فهذه الحجب هي التي تمنع الفهم للقرآن , والتّأثر به .
الغفلة : أخطر ما يحجب القلب عن الرّبّ , كما قال تعالى : ﴿.. وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف : 18/28] , ﴿.. أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف : 7/179] , الغافلون عن الله .. عن الآخرة .. عن المصبر .. عن رسالة الإنسان في هذه الحياة .
الشّهوَة : ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم : 19/59] , وذكر الله هذا الصّنف بعد صنف آخر أثنى عليه , بعد أن ذكر مَنْ ذكر من النّبيِّين , قال : (أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴾ [مريم : 19 /58] .
الكبر :كما قال الله تعالى : ﴿..الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا .. ﴾ [الأعراف :7/146] .
على المؤمن إذا أراد أن يقرأ القرآن أن يفتح عينه وأذنه وقلبَهُ , أن يرتِّل القرآن ترتيلاً , أن يحاول التفهّم والتّدبّر في هذا الكلام الإلهي , فإنّ اللهَ أودع فيه أسراره وحكمه .
القرآن نزل لتدبّر : ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص : 38/ 29 ] , ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [محمّد : 47/ 24] . الخطبة الثانيّة :
الحمد لله ربّ العالمين , القائل في كتابه العزيز :﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [البقرة: 2\120], نحمده سبحانه وتعالى , ونصلي ونسلّم على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين .
وأما بعد ,
فعباد الله, نرى أنّه من المستحسن في الوقت الرّاهن تنبيه المسلمين وتحذيرهم ألّا يشاركوا النّصارى في عيدهم (عيد الفصح (Easter الذي ينعقد في هذه الأوقات من الجمعة إلى الإثنين . وأنّ أصله ليس في اعتقاد المسلمين , لأنّنا لا نؤمن بوفاة عيسى ابن مريم-عليه السّلام – وكيف نؤمن بقيامه من وفاته ؟! إذاً إنّ هذا العيد عيد من أعياد الكفّار . ولذلك آثر بعضنا إقامة المخيّمات لتعليم المسلمين أمور دينهم ذُكورا وإناثا , صغاراً وكباراً . وعليكم أيّها الإخوة المسلمون أن تشاركوا في أيّ مخيّم شئتم من هذه المخيّمات لزيادة العلم والمعرفة والثّقافة الإسلاميّة . أعاننا الله على ذلك .
أعياد الكفار وموقف المسلم منها:
إن كثيراً من المسلمين سيشاركون في تلك الاحتفالات على اعـتـبار أنها مناسبة عالمية تهم سكان الأرض كلهم، وما علم هؤلاء أن الاحتفال بها هــو احتفال بشعائر دين النصارى المحرف.
حكم التشبه بالكفار في أعيادهم:
إنّ من الأصــول العظيمة التـي هي من أصول ديننا الولاء للإسلام وأهله، والبراءة من الكفر وأهله، ومن مُـحـتِّـمــات تلـك البراءة من الكفر وأهله تميز المسلم عن أهل الكفر، واعتزازه بدينه وفخره بإسلامـه مهما كانت أحوال الكفار قوة وتقدماً وحضارة، ومهما كانت أحوال المسلمين ضعفاً وتخلفاً وتفرقــاً، ولا يجـوز بحــال من الأحوال أن تتخذ قوة الكفار وضعف المسلمين ذريعة لتقليدهم ومسوغاً للتشبه بهم كمـا يدعو إلى ذلك المنافقون والمنهزمون؛ ذلك أنّ النصوص التي حرمت التشبه بالكفار ونهت عــن تـقـلـيـدهم لم تفرق بين حال الضعف والقوة؛ لأنّ المسلم باستطاعته التميز بدينه والفخر بإسلامه حتى في حال ضعفه وتأخره.
والاعتزاز بالإسلام والفخر به دعا إليه ربّنا تبارك وتعالى واعـتـبـره مـن أحسن القول وأحسن الفخر؛ حيث قال:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].
ولأهـمـيـــة تمـيز المسلم عن الكافر أُمر المسلم أن يدعو الله تعالى في كل يوم على الأقل سبع عشرة مرة أن يجنبه طريق الكافرين ويهديه الصراط المستقيم: ﴿ اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (7) ﴾ [الفاتحة: 6 – 7]، وجاءت النصوص الكثيرة جــداً مـــن الكتاب والسنة تنهى عن التشبه بهم، وتبين أنّهم في ضلال؛ فمن قلدهم فقد قلدهم في ضلالهم. قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18]، وقـال تـعـالى: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ﴾ [الرعد: 37].
قول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -: “المشابهة تورث المودة والمحـبـة والموالاة في الباطن، كما أنّ المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر” (اقتضاء الصراط المستقيم (1/488)).
وقال – أيضاً – تعـليـقـاً على آية المجـادلــة: “فـأخـبر ـ سبحانه ـ ّلا يوجد مؤمن يواد كافراً؛ فمن واد الكفار فـلـيـس بمؤمن؛ والمشابهة الظاهرة مظنة المودة فتكون محرمة” (المصدر السابق (1/490)). وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» (أخرجه أبو داود في اللباس (4021) وأحمد (2/50) وجود إسناده شيخ الإسلام في الاقتضاء (1/240)، وانظر الفتاوى (25/331) وعضده الحافظ في الفتح بمرسل حسن الإسناد (6/98) وحسنه السيوطي وصححه الألباني في صحيح الجامع (6025)).
الدّعاء:
اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً , سَخَّاءَ رَخَّاءَ , وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ ياَ رَبَّ الْعَالَمِينَ .
اللَّهُمَّ أَطْعَمْنَاَ مِنْ جُوعٍ وَآمَنّاَ مِنْ خَوفٍ ؛ اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ , وَاجْعَلْهُمْ ذُخْراً لِلإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ .
اللَّهُمَّ أصْلِحْ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَفَتَيَاتِ الْمُسْلِمِينَ , وَاحْفَظْهُنَّ مِنَ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ , وَاجْعَلْهُنَّ ذُخْراً لِلإسْلامِ والْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وأُمَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَأَغْنِيَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَحُكَّامَ الْمُسْلِمِينَ , وَاجْعَلْهُمْ ذُخْراً لِلإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ يَا سَامِعَ الصَّوْتِ , وَيَا سَابِقَ الْفَوْتِ , وَيَا كَاسِيَ الْعِظَامِ لَحْماً بَعْدَ الْمَوْتِ , صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ . اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلَّا يَسَّرْتَهُ وَلَا مَيِّتاً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ياَ حَيٌّ يَا قَيُومٌ . وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم .

Leave a Reply