TMC Friday Khutbah Banner (Website)

فضل الإكثار من ذكر الله وشكره

بسم الله الرحمن الرحيم

الخُطبَةُ الثّانية لشهر رجب  بِتَأرِيخ 14\7\1445هـ الموافق ب‍ 26\1\2024م

حول: فضل الإكثار من ذكر الله وشكره

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾،”﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾”.

عباد الله المستمعون الكرام !اتّقوا الله واعلموا أنّ للأبدان غذاء كما للأوراح غذاء لا تسعد إلاّ به.فغذاء الأبدان الطّعام والشّراب وغذاء الأرواح الإيمان والعمل الصّالح،ومن العمل الصّالح ذكر الله تعالى؛ فهو غذاء للأرواح وطمأنينة القلوب.قال سبحانه : “الّذينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللِه أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ” (الرّعد:28) وكما أنّ القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد وجلائها ذكر الله. ومثّل النّبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) الّذي يذكر ربّه والّذي لا يذكره بالحيّ والميّت، لأنّ حياة القلوب بذكر الله.قال (صلّى الله عليه وسلم): “مثل الّذي يذكر ربّه والّذي لا يذكر ربّه، مثل الحيّ والميّت” ولهذا يدور موضوع خطبتنا اليوم حول:                                    

فضل الإكثار من ذكر الله وشكره                                                           

أيّهاالإخوة الكرام،اعلموا أنّ الله تعالى أمر بذكره و شكره مع الاعتراف بآلائه :”…فاذكروني أذكركم واشكروا ولا تكفرون” (البقرة:152) فأمر به في جميع المناسبات وفق عادة رسوله صلى الله عليه وسلم السّيّد الأوّل للذّاكرين والشّاكرين الّذي كان يذكر الله في جميع أحواله سواء أكان في العبادة أو خارجها،مثلما أمر عقب الصّلاة لقوله تعالى:”فِإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ،فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الـمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا” (النّساء:103) كما حثّ عليه عقب أداء فريضة الحجّ حيث يقول (سبحانه وتعالى): “فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا…” (البقرة: 200) وفي فريضة الصّيام: “…ولتكملوا العدّة ولتكبّروا الله على ما هداكم ولعلّكم تشكرون” (البقرة)                                                                                        أيّها الإخوة الأعزاء ! كيف نغفل عن ذكر ربّنا وذكر الله عبادة يسيرة يستطيعها كلّ من يستطيع تحريك لسانه؛وإن كان مريضا طريح الفراش.عبادة يستطيعها الغنيّ والفقير؛ لأنّها لا تحتاج إلى تملّك مال مهما قلّ لأجل أدائها.وهي عبادة لا تحتاج إلى تفرّغ وتخصيص وقت خاص لها، وإن كان التّفرّغ لها أفضل وأعظم تأثيرا في القلب وأدعى للتّفكّر في معانيها،ولكن يمكنك أن تذكر الله قائما وقائدا وعلى جنب،وربما أثناء تأدية وظيفتك أو عملك،وأثناء مشيك في الطّريق وفي سيارتك وفي كلّ أحوالك في كلّ زمان ومكان ما عدا الأماكن النجسة؛لأنه لا يجوز ذكر الله فيها.                                                                    

ولأنّنا محتاجون إلى الإكثار من ذكر الله تعالى لم يأمرنا بمجرّد ذكره،بل أمرنا بالإكثار منه لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا” (الأحزاب: 41) مع الوعد للمكثرين من ذكره بالمغفرة والأجر العظيم،فقال تعالى : “…وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهّ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا” (الأحزاب:35) مع كونهم المفرّدون السّابقون.قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) : “سبق المفرّدون…قالوا : وما المفرّدون يارسول الله ؟ قال : الذاكرون الله كثيرا والذّاكرات” (مسلم)                                           

إخوة الإيمان ! إنّ من أعظم ما ورد في الحثّ على ذكر الله قوله (صلّى الله عليه وسلّم) :”ألا أنبّئكم بخير أعمالكم،وأزكاها عند مليككم،وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذّهب والورق،وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم،فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ؟قالوا : بلى،قال :ذكر الله تعالى.” قال معاذ بن جبل : ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله” (رواه الترمذي وصححه الألباني) وكما أنّ من يغفل عنه تتسلّط عليه الشّيطان وتعبث به كيف يشاء :”ومن يعش عن ذكر الرّحمان نقيّض له شيطانا فهو له قرين” (الزخرف:36)                                 

فمن الأجدر بالذّكر هو كون الذّكر عبادة كسائر العبادات كالشّكر والخوف والنّذر والذّبح وغيرها؛ فلا بدّ له من الشّروط، على رأسها الإخلاص والمتابعة حتّى لا يكون عملا جزافا و هباء منثورا.لقوله تعالى :”…فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِكَاءَ رَبِّهِ فَلِيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحْدًا” (الكهف:110) “وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ” (البيّنة:5) وعن المتابعة فيه قوله تعالى : “…فَمَا آتَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ” (الحشر:7) وقوله تعالى :”لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فـِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لـِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا“(الأحزاب:21) فكلّ هذه من النّصوص الشّرعيّة تدلّ على الاتّباع في الذّكر، والاتّباع بنفسه في الذّكر  دليل على ذكر الله.                             .                                                                      إخوة المستمعون الكرام! ليس من الذّكر الشّرعي في شيء ممّا أحدثها النّاس اليوم في حقل الذّكر بدعوى القرب والاتّصال بالله من بعض المسلمين رجالا ونساء إلى حدّ الجذب وفعلات المجانين إلى تحرّكات عجيبة يزعم بها المجذوب أنّه يرى العوالم العلويّة، فيغيب بها ويندهش عند مشاهداتها عن نفسه وعن كلّ من حوله. ومن أشنع من ذلك تجرّد النّسوة بذلك بين حظيرة الرّجال  الأجانب؛ ما ليس لها مثال سابق في سلفنا الذّاكرين السّابقين الأوّلين.                                               

 فالكشف والرؤيا والإلهام من حصالات الدّوام في الذّكر من نعم الله لعباده الّتي لا تتعاطى بها إلى حدّ ارتكاب ومقارفة المعاصي، وما كان الرّسول (صلّى الله عليه وسلّم) بنعمة ربّه بمجنون. وقد روي عنه (صلّى الله عليه وسلم) قال :”أكثروا من ذكر الله حتّى يقولوا : مجنون” (أخرجه ابن حبان، وابن السّني في عمل اليوم والليلة وابن عديّ 3/980، والبيهقي في الشعب-526)                                         

فليس في معنى القول أن يتظاهر الإنسان بذكره تلقاءيا  كالمجنون، بل المدلول في الحديث بيان لما يقوله المنافقون للمسلمين الذّاكرين كثيرا، ويؤيّد ذلك حديث ابن عبّاس: “اذكروا الله ذكرا يقول المنافقون: “إنّكم مراؤون”(الطّبراني)              .

  نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذّاكرين له كثيرا،الّذين أعدّ لهم مغفرة وأجرا عظيما.وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.           

الخطبة الثّانية

الحمد لله حقّ حمده،الحمد لله الّذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده.نحمده تعالى على تفضّله وإنعامه،ولطفه وإحسانه.ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ونشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله،صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين،أمّا بعد؛

أيّها المسلمون المستمعون الكرام! لقد كثرت ولا تزال تزداد حوادث الاختطاف والقتل في ربوع دولتنا العزيزة في الآونة الأخيرة. نعزّي عائلات النفوس الراحلة ونتعزّى بأنفسنا كالمواطنين ونسأل الله تعالى السلامة والعافية وأن يحدّ من الكوارث. ولبيان هذه الجريمة وخطورتها كغيرها الجارية في مجتمعاتنا اليوم، قرنها الله تعالى بجريمة الشّرك الّذي هو أكبر الكبائر؛قال تعالى : “…وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهً آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ…” (الفرقان: 68)

وقال النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) : “اجتنبوا السّبع الموبقات ! قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال :”الشّرك بالله والسّحر وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ وأكل الرّبا وأكل مال اليتيم والتّولّي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات”

أيّها المستمعون الأعزاء! إذا أردنا أن نقضي على هذه الحوادث الخطيرة فعلينا بالرجوع إلى الله والتّعاون معا للرّفع فوق أيدي الظلمة الطغاة في السلطة والمناصب؛ وقد ترتكب الجرائم في بعض الأحيان كرد فعل على شرور القادة : “…إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهَ بِقَوْمٍ سُوئًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ” (الرّعد: 11)

عباد الله، مفروض علينا أن نضع قضية فلسطين والقدس الشريف نُصْبَ أَعْيُنِنَا في هذه اللحظات الحارة المرير القاسية فإلى الله المشتكى وعليه التكلان، ولم تزل قصفات الاحتلال الغاشم تنزل، ولم تنته رشاشاتهم ترشّ نيرانها على رؤوس الأبرياء، بعد مضي مائة وثلاثة عشر يومًا،  وكل يوم أسوأ من سابقه، وقد تجاوز عدد القتلى بين الفلسطينيين خمسة وعشرين ألفًا، رجالا ونساء وأطفالا!

وقد قامت حكومة الاحتلال أيضًا بحجب المساعدات الإنسانية عن الوصول إلى غزة، من الأطعمة والمياه والأدوية والسلع الأساسية الأخرى، وأصبح الموت جراء الجوع والأمراض المعدية واقعًا جديدًا في غزة! والرؤساء المسلمون ساكتون، مصابون بالقُعَاد، وإلى متى القعود؟ حسبنا الله ونعم الوكيل! ونسأل الله تعالى لهم العافية والسلامة والنصر والظفر، فلا تنسوهم من صالح دعائكم ليلَ نهارَ، ويرجى لهم التبرعات والصدقات

عباد الله، رغم هذه كلها، لم تزل البشارات تحدث على ميدان القتال نصرا لجيوش المقاومة وتثبيتًا لهم ولله المنة والفضل، وهذا قبل النصر الموعود في البشارة النبوية حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقومُ الساعةُ حتى يقاتلَ المسلمون اليهودَ ، فيقتلُهم المسلمون ، حتى يختبيءَ اليهوديُّ من وراءِ الحجرِ و الشجرِ ، فيقولُ الحجرُ أو الشجرُ: يا مسلمُ يا عبدَ اللهِ هذا يهوديٌّ خلفي ، فتعالَ فاقْتلْه . إلا الغَرْقَدَ ، فإنه من شجرِ اليهودِ (رواه مسلم)

الدعاء: اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، اللهم أبْطِلْ مكر أعداء الإسلام، وأبطل اللهم مُخطَّطاتِهم التي يُخَطِّطونها، اللهم إنَّا نَدْرَأُ بك فى نُحُورِهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم إنا نسألك أن تؤلف بين قلوب المسلمين على الحق،  اللهم انصر الشعب الفلسطيني،  وفَرِّجْ الحِصارَ عنهم، اللهم ارفع الكَرْبَ، واكْشِف الضُّرَّ، اللهم اشف مرضاهم ومرضى المسلمين، اللهم فُكَّ أسْرى أهل فلسطين وأسرى المسلمين، اللهم آمنا فى أوطاننا، وأصلح اللهم ولاة أمورنا، ووفقهم لما تحب وترضى، اللهم اغفر لأمواتنا وأموات المسلمين، يا أرحم الراحمين ويا رب العامين.                    

Scroll to Top