TMC Friday Khutbah Banner (Website)

قضل الإعتكاف وتحري ليلة 1القدر

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخطبة الثّالثة لشهر رمضان بتأريخ 16\9\1444ه7\4\2023م

حول: فضل الإعتكاف وتحري ليلة القدر .

إن الحمد لله الذي فضّل أمّةَ محمّد صلّى الله عليه وسلم بصيام رمضان على غيرها من الأمم السابقة، نحمده وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ  وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ؛ إنَّهُ مَنْ يهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ؛ أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ؛ وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ؛ اللهم صل وسلم وبارك عليه وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسن الى يوم الدين.

أمّا بعد, فعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهَا مَقصود العبادات فَقَدْ قَالَ تَعَالَى:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾{البقرة:2\21}

إخْوَةَ الإيمان, هَذَا هُوَ اللِّقاءُ الثّالث فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَك, وَقبيل العَشْرِ الأواخر من الشهر ولذلك يَدُورُ مَوْضُوعُ خُطْبَتِنَا الْيَوْمَ حَوْلَ : فضل الإعتكاف وتحري ليلة القدر .      

أيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ, فإن الاعتكاف في رمضان من العبادات العظيمة التي يجمع المسلم فيها نفسه على العبادة صياماً وصلاة وذكراً وقراءة مع التقلل من صوارف الدنيا وملهياتها ومقسيات القلوب .

ومشروعية الاعتكاف، وفضله، وهو ثابت بالكتاب والسنة. ويكفي في الدلالة على فضله ومكانته؛  ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم له حتى إنه عندما تركه في بعض الأعوام مرة قضاه في شوال .

وللاعتكاف أهداف سامية، وغايات عالية، وهو مدرسة تربوية، ومحطة للعبادة والتأمل والتفكير، يخطئ بعض أصحاب المسؤوليات فيظن تلك المهمات والشواغل مسوغات لانصرافه عنه! مع أنه كلما ازدادت مسؤولية المرء، اشتدت الحاجة إليه، وظهر أثره عليه .

وفوائد الاعتكاف تعم الصغير و الكبير، و الغني و الفقير، و الذكر و الأنثى، فكل واحد منهم له منه حظ ونصيب، ومن تركه فقد حرم خيراً كثيراً .

والاعتكاف مشروع طيلة أيام السنة، وليس خاصاً برمضان، ولكن رمضان أفضل أيامه، وأفضلها العشر الأواخر منه، كما كان يفعل رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم التماساً لليلة القدر، ولمقاصد أخرى منها الخلو للعبادة، وجمع القلب على الطاعة، ولهذا شرع في غير رمضان، ولهذا نقول لمن خرج بعد أن ظن أنه أدرك الليلة الشريفة! لو قدر أنك أدركتها حقاً فقد أدركت خيراً كثيراً، لكنك فرطت في خير كثير أيضاً .

وأقل ما ثبت فيه الاعتكاف: ليلة، ولا حدّ لأكثره، ولا يوجد دليل صحيح صريح في اشتراط الصوم له، وأنه يصح إلا به. ومكانه المسجد، لدلالة الكتاب والسنة على ذلك .

والفقهاء منهم من تشدد في شروطه وواجباته مما جعله عسيراً وشاقاً، لا يقوى عليه إلا الخواصّ، وهؤلاء لا مستند لهم في كثير مما ذكروه من الشروط والواجبات، وآخرون تساهلوا فيه؛  حتى قالوا من جلس في المسجد لحظة فقد اعتكف إن نوى ذلك، وهؤلاء لم يراعوا مقاصده وأهدافه وسرّ تشريعه، وما خص به من أحكام.  والحق وسط بين الطرفين، يراعى في ذلك ما ورد فيه من نصوص، والغايات التي شرع من أجلها ، كما يراعى ما كان عليه نبي الأمة النبي صلى الله عليه وسلم وسلفها، دون إفراط أو تفريط. مع النظر إلى يسر الشريعة وسماحتها .

وقد حرص أزواج النبي النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن على إحياء سنة الاعتكاف واستمرارها بعد وفاته النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يؤكد مشروعية الاعتكاف للنساء، ولا يلزم لذلك محرم، والمهم هو أمن الفتنة، وإذن الزوج .

ولما رأى رسول الله النبي صلى الله عليه وسلم أن أزواجه خرجن بالاعتكاف عما شرع له، وأردن أن يجعلنه ميداناً للمنافسة على القرب من الزوج، أنكر ذلك، وقال: ((آلبر يردْنَ))؟  أي أن عملهن هذا ليس عمل من يريد البر ويسعى إليه، ثم اتخذ قراره الحاسم، وقطع الاعتكاف، وقضاه في شوال .

وفي هذا دليل على أن الاعتكاف شرع لغايات وأهداف متى خرج عنها المعتكف حري ألا يصحّ منه اعتكافه، وحال بعض المعتكفين – اليوم – يصدق عليهم ما قاله صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين، فيقال لهم: آلبر تريدون؟  ولو صدقوا الله لكان خيراً لهم .

فحري بنا أن نأتسي بنبينا النبي صلى الله عليه وسلم وأن لا نفرط في تلك الليالي والأيام المباركة، وأن نجعل مقاصد الاعتكاف نصب أعيننا، متى رأينا ما ينقصها أو ينقضها انصرفنا عنه .

الخطبة الثَّانيّة:

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركا فيه ، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد ؛ فمن أهم مقاصد الاعتكاف تحري ليلة القدر، وقد بلغ من شرفها وعلوّ مكانتها عند الله أن أنزل فيها القرآن، قال الله تعالي: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) [القدر 1-3]،  وقال أيضًا: “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ” [الدخان: 3]، وهذا يدل على شرف المُنْزَل، ومكانة الليلة المنْزَل فيها .

إن فضل هذه الليلة وعموم خيرها ورفعة منزلتها لا تدرك بالعقول، وإلا كيف تكون ليلة واحدة؛ لا تتعدى -أحياناً- بضع ساعات أفضل من ثلاث وثمانين سنة، بل تزيد، ولا نعلم مقدار هذه الزيادة، ولا مجال للعقل في مثل هذه الحقائق التي جاءت بها النصوص القطعية، سوى خضوعه لها، وإيمانه بها، دون شك أو ريبة، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل .

ومع هذا الفضل العظيم الذي لا يُدرك كنهه، ولا يسبر غوره، فهناك من يفرط فيه جهلاً أوتسويفاً (ومن يهن الله فما له من مكرم) (الحج: 18)

ليس العجب من فضل الله وكرمه وسعة عطائه (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) [هود: 73]، وإنما العجب من جهل ابن آدم وتفريطه وضعف عقله وإدراكه، وتضييعه لتلك الفرص التي سيندم عليها حين لا ينفع الندم، فهل يستيقظ النائمون؟  وينتبه الغافلون؟  ويتدارك المفرطون؟  مادام في الأجل فسحة، وفي العمر بقية، فما ذهب فات، واغتنم ما بقيَ قبل أن يقال: هيهات هيهات .

إنَّ الواجب علينا -عباد الله- أن نقبل على الله -عز وجل- إقبالا صادقا، بالصلاة والتلاوة، والذكر تائبين إليه من ذنوبنا، سائليه -سبحانه- العافية، راجين رحمته، طامعين في فضله وعظيم ثوابه. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (رواه البخاري ومسلم )

ومما ينبغي أن نهتم به في هذه الليلة ليلة القدر الإكثار من الدعاء، ففي الترمذي أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: يا رسول الله، أرأيت إنْ علمتُ ليلة القدر أي ليلة هي، فماذا أقول؟ قال:” قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني“.

عباد الله، قد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجتهد في هذه العشر في الطاعة والعبادة والتقرب إلى الله بأنواع القربات ما لا يجتهده في غيرها؛ ففي صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجتهد في هذه العشر ما لا يجتهد في غيرها. وثبت في الصحيحين عنها، رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخلت العشر شَدَّ مِئْزَرَهُ، وأحيا ليلَهُ، وأيقظ أهله.فهي -عباد الله- أوقات جد واجتهاد، وبذل وعطاء، وإقبال على عبادة الله، تلاوة لكتابه، وذكرا له -جل وعلا-، وقياما له بالصلاة، وتقرّبا إليه بأنواع القربات، وصنوف الطّاعات.

و أي الليالي هي ليلة القدر؟: وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «تَحَرَّوْا ‌لَيْلَةَ ‌القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»

ويستحب طلبها في الوتر من العشر الاواخر من رمضان فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في طلبها في العشر الاواخر من رمضان. وللعلماء آراء في تعيين هذه الليلة، فمنهم من يرى أنها ليلة الجادي والعشرين، ومنهم من يرى أنها ليلة الثالث والعشرين ومنهم من يرى أنها ليلة الخامس والعشرين، ومنهم من ذهب إلى أنها ليلة التاسع والعشرين، ومنهم من قال: إنها تنتقل في ليالي الوتر من العشر الاواخر. وأكثرهم على أنها ليلة السابع والعشرين

عباد الله لا تنسوا إخوانكم الفلسطيميين في صالح دعائكم في هذه الأوقات الفاضلة، سلوا الله لهم أن يفكهم من عدوان الصهاينة الذين يفتنونهم ليلا نهارا لاسيما في شهر رمضان المبارك كما يفعلون كل رمضان، حيث اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي فجر يوم الأربعاء المسجد الأقصى واعتدت على المعتكفين داخله و اعتقلت أكثر من 500 فلسطيني، واعتدت الشرطة الإسرائيلية بالضرب على المصلين والمعتكفين وقارئي القرآن وبينهم نساء في باحات المسجد الأقصى، وتكبيل أرجل المعتقلين، كما دمّروا ممتلكات المسجد، وجفوا حرمة المكان والزمان!!! إنا لله وإنا إليه راجعون!!! وندعوا جميع أحرار العالم إلي النهوض بقضية الأقصى والفلسطين، فإنها قضية كل حر، ولا مجال لأي خمود أو كسول أو شكوك. اللهم انصر إخواننا الفلسطينيين المستضعفين وسائر المسلمين في كل مكان.

الدعاء: وفقنا الله وإياكم لعمل الصالحات واغتنام الأوقات، والفوز بأعلى الدرجات، ونسأله أن يختم لنا الشهر خير ختام، والحمد لله رب العالمين . اللهم إنا نسألك العفو والعافية، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، اللهم إنك عفو تحبُّ العفو فاعف عنا، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. اللهم يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، يا واسع المنّ، يا عظيم العطاء، نسألك يا حي يا قيوم أن تبلِّغنا ليلة القدر، وأن تعيننا على تحصيل أعظم الثواب، وأجزل الأجر، وأن لا تجعلنا من عبادك المحرومين يا ذا الجلال والإكرام. ونسألك يا حي يا قيوم أن لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وأن تأخذ بنواصينا إلى الخير، إنك سميع الدعاء، وأنت أهل الرجاء، وأنت حسبنا ونعم الوكيل.

Scroll to Top