9th J/Thanni1442 A.H (22/1/2021)

بسم الرحمن الرحيم

الخطبة الثانية لشهر جمادى الأخيرة: 9/6/1442ه (22/يناير/2021م)

مظاهر التبرج وتحريمه

الحمد لله رب العالمين الدي أوجب لنا العفاف والحياء والطهر القائل في محكم تنزيله آمرا لرسوله : "يَا أَيُّهَا النَّبِيُ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا" (الأحزاب:59) وأصلي وأسلم على خير خلقه أجمعين وعلى آله وأصحابه ومن اتبع سنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين. .

أما بعد :فيا إخوة الإيمان ! إن من نعمة الله التي أنعم بها على عباده هي نعمة الإسلام والهداية لاتباع شريعة خير الأنام،لما تضمنته من الخير والسعادة في الدنيا والفوز والفلاح والنجاة يوم القيامة لمن تمسك بها وسار على نهجها القويم كما وضع الحوائل تمنع من الوقوع في محرماته إلى عقابه في الدنيا والآخرة "يَا بَنِي ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءً للذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ" (الأعراف:27)

عباد الله! إنه قد فشى فينا الرذائل تحطم على كرامة الإنسان وتقضى على شرفه الأصيل منذ بداية خلقه فسلب بها منه الحياء الذي هو شعبة من شعب الإيمان، مع أن كلّ من نزع منه الحياء نزع منه الخير كله، كما قال صلى الله عليه وسلم: "الحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ" "إذا لم تستحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ" حيث صارت النساء يقلدن من لا دين عندهم ولا تقيد بأوامر الله تعالى المؤدية إلى الفساد على جميع العباد : "اتّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ وَقَعَتْ فِيهِ بَنُو إِسْرَائل،فِي النِّسَاءِ" . فمن هذه الفتن فتنة تبرج النساء وسفورها، ولذلك يتركز موضوع خطبتنا اليوم على: "مظاهر التبرج وتحريمه"

عباد الله المستمعون الكرام! إننا نعيش في زمن ظهرت فيه الفتنُ وتكالبت، وطغت الماديات على أهله، وضعف الدين، وقل تعظيمه في قلوب عامة الناس، وكلما ذهبت فتنة تبعتها أخرى، كل فتنة كقطع الليل المظلم، فتن يرقُ بعضها بعضًا، وإن من أعظم الفتن التي استغلها الشياطين من الجن والإنس هي فتنة النساء لقوله صلى الله عليه وسلم عن أسامة بن زيد (رضي الله عنه): "ما تركت فتنة على أمتي هي أضر على الرجال من النساء" (أخرجه البخاري ومسلم )

إنّه قد كثر التبرج في هذه الأزمان، وانتشر السفور، حتى أصبح اليوم غاية منشودة لكثير من النساء اللاّتي قلّ حياؤهن، وضعف دينهن وسبب انتهاكهن في هذا المحرموالرذيلة الفظيعة هو التقليد الأعمى بدون بصيرة وتعاليم الإسلام وإهمال أوامر الله السامية الفاضلة العالية وتساها أولياء أمورهنّ ،حتى أصبحوا لا يغارون على حريمهم وعوراتهن، وفسحوا لهنّ المجال في خروجهنّ في التّجمعات واللّقائات مباشرات بالأجانب ومزاحمات بالأجساد بدون قيد ، ومفاخرات بكل جديد يدعو إليه الأعداء بلا حدود حتى تمكن الفساق والسقط من التمتع بهن واتخادهن آلات الإعلان عن السلع، مع أن المرأة عورة والنظر إليها سم مسموم، من سهام إبليس.

إخوة الإيمان ، إنّ المرأة هي أداة عظيمة لإصلاح المجتمع، وأداة عظيمة لفساده، فإنّ فساد امرأة واحدة هو فساد لجزء كبير من المجتمع، وإن صلاحها صلاحٌ لفئة عظيمة من المجتمع فعلى كل ولي أمر غيور أن يحسن تأديبهن بآداب الإسلام وأخلاقه فتحرص على تعليمها خصوصا تعليم الكتاب وأوامر الله فيه وحريضهن على حبّ الرّسول وأهل بيته القدوة الحسنة وكذلك الحرص على إشغالهن بما يعود عليهن بالمنفعة عما يدنس خلقهن وعرضهن من أجهزة وصاحبات الصارفة بالمراقبة والمحافظة لأنّ أهل الشر كثيرون ولا يألون المؤمنين خبالا ولا يتركون مجالا لإغواء أبناء المسلمين والنّاس أجمعين.

فلا يخفى عليكم أيها المستمعون الكرام ما عمت به البلوى في كثير من مجتمعاتنا من تبرج النساء وسفورهن وعدم تحجبهن من الرجال وإبداء الكثير من زينتهن التي حرم الله عليهن إبدائها ،ولا شك أن ذلك من المنكرات العظيمة والمعاصي الظاهرة ومن أعظم أسباب حلول العقوبات ونزول النقمات لما يترتب على التبرج والسفور من ظهور الفواحش وارتكاب الجرائم وعموم الفساد.

فاتقوا الله وخذوا على أيدي السفهاء وامنعوا النساء مما حرم الله عليهن وألزموهن التحجب والتستر واحذروا غضب الله سبحانه وعظيم عقوبته.ولقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :"إِنَّ النَّاسَ إِذَا رأَوا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمّهُمُ اللهُ بِعِقَابِهِ" (أخرجه الترمذيوأبو داود) وقال الله سبحانه وتعالى : "لُعِنَ الله الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ.كَانُوا لاَ يَتـَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ"(المائدة:78-79) وفي المسند وغيره عن ابن مسعود (رضي الله عنه)أن النبي (صلى الله عليه وسلم)تلى هذه الآية ثم قال "والذي نفسي بيده : "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي (السفيه) الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا" (أخرجه أبو داود) "…أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم" وإن دلت هذه النصوص الناهية عن التبرج والسفور على شيء فإنها تدل على أن جميع ما تصيب دنيا الناس اليوم من الكوارث والبلايا رواسب ما جنوا بها أيديهم : "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ" (الشورى:30)

فالتبرج معصية لله ورسوله، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه ولن يضر الله شيئا وكما في الحديث قال (صلى الله عليه وسلم): "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، فقالوا: يا رسول الله من يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" (رواه البخاري).

ومن ذلك أن التبرج كبيرة من كبائر الذنوب الموبقة: قد روى الإمام أحمد بسند صحيح، أن أميمة بنت رقيقة جاءت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تبايعه على الإسلام، فقال: "أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك ولا تنوحي ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى" فتأملوا كيف قرن النبي (صلى الله عليه وسلم) التبرج الجاهلي بأكبر الكبائر المهلكة كالشرك والزنا وغيره.

ومن مثالب التبرج؛ أنه يجلب اللعن والطرد من رحمة الله فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وسلم) : "يكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات" (حديث صحيح)

ومنها أنه من صفات أهل النار، عن أبي هريرة (رضي الله عنه ) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها" (رواه مسلم)

وهي تهتك وفضيحة؛ وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) : "ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة، وعصى إمامه فمات عاصيا، وأمة أو عبدا أبق من سيده فمات، وامرأة غاب عنها زوجها، وقد كفاها مؤنة الدنيا، فتبرجت بعده فلا تسأل عنهم" (رواه البخاري في الأدب المفرد وهو حديث صحيح) وفي هذا الحديث أن هذه المرأة الخائنة احتاجت إلى غياب زوجها فتبرجت للآخرين ولم تكن تتزين لزوجها، فما عسانا أن نقول في نساء اليوم اللآئي لا يحتجن إلى ذلك، بل يرتكبن أقبح أنواع التبرج وأفحشه على مرآى ومسمع بل وإقرار ورضى من أزواجهن وأولياء أمورهن فإلى الله المشتكى.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله ربّ العالمين إله الأولين والآخرين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أهله وصحبه أجمعين قال الله تعالى:

"وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَواةَ وَ ءَاتِينَ الزَّكَواةَ وَأَطِعْنَ اللهَ ورَسُولَهُ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" (الأحزاب:33) وقوله تعالى : "يَا أَيُّهَا النَّبي قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا" (الأحزاب:59) فبناء على هذه الآيات الكريمة ذكر العلماء شروطا للباس المرأة المسلمة العارفة لدينها الحريصة على حيائها :

أولا : أن يكون ساترا لجميع البدن،

ثانيا: أن يكون كثيفا غير رقيق ولا شفاف، لأن الغرض من الحجاب الستر، فإذا لم يكن ساترا لا يسمى حجابا، لأنه لا يمنع الرؤية ولا يحجب النظر،

ثالثا: ألا يكون زينة في نفسه أو مبهرجا ذا ألوان جذابة يلفت الأنظار لقوله تعالى.

رابعا: أن يكون واسعا غير ضيق ولا يشف عن البدن، ولا يجسم العورة، ولا يظهر أماكن الفتنة،

خامسا: ألا يكون الثوب معطرا فيه إثارة للرجال لقوله كما في مسند أحمد وغيره.

سادسا: أن لا يكون الثوب فيه تشبه بالرجال لحديث أبي هريرة في مسند أحمد وغيره

سابع : أن لا يشبه ملابس الكافرات.

وبهذه يكون الإنسان قد حقق الغاية من مسئوليته كوالد يستريع الله ويسأله عما استرعاه يوم القيامة فيكون أهلا بالثواب لقوله صلى الله عليه وسلم : "مَنِ ابْتُليَ مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنْتُ لَهُ سَتْرًا مِنَ النَّارِ" (البخاري ومسلم)

اللهم منّ علينا وعلى نسائنا بالعفة والحياء، اللهم جنب نساءنا التبرج والسفور، ودعاة الإلحاد، يا قوي يا عزيز. اللهم احفظ نساء المسلمين، اللهم استر عليهن وارزقهن العفة والحياء، وجنبهن التبرج والسفور، اللهمّ من أراد نساءنا وبلادنا بمكيدة وفساد فاجعل تدبيره تدميره، ورد كيده في نحره، واجعل الدائرة عليه، يا سميع الدعاء، اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.وصل وسلم على نبيا محمد وعلى أهله وأصحابه الأخيار تسليما كثيرا.

Virus-free. www.avast.com

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *