مُشْكِلَة الفقرِ وكيفَ عالَجَهَا الإسلامُ

​بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الخامسة لشهر ربيع الأوّل بتأريخ 30\3\1438هــ-30\12\2016م 

حول : مُشْكِلَة الفقرِ وكيفَ عالَجَهَا الإسلامُ : 

(1) مَوَاقِف النّاسِ أمامَ الفقرِ ونظرة الإسلامِ إلَى الفقرِ

الحمد لله ربِّ العالمين, القائل في كتابه العزيز: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [الملك:67\15], نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالَى وَنَشْكُرُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ , ونَسْتَغْفِرُهُ وَنَتُوبُ إلَيْهِ , وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِد اً ؛ أشْهَدُ أنْ لاَإلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , أرسله ليبين لأمته شرائع الإسلام. اللّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أما بعد:

فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, ظَاهِراً وَبَاطِناً عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: 

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ {آل عمران:3\102}.

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ {النِّساء:4\1}. 

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ {الأحزاب:33\70-71}.

إخوةَ الإيمان, هذَا هُوَ اللِّقَاءُ الْخَامِسُ وَالأَخِيرُ فِي شَهْرِ رَبِيعِ الْأَوَّلِ , 1438هـــ وإنَّ مَوضُوعَ خُطْبَتِنَا اليَوْمَ يَدُورُ حَوْلَ : مُشْكِلَة الفقرِ وكيفَ عالَجَهَا الإسلامُ . وقَسَمْنَا هَذَا الْمَوْضُوعَ إلَى قِسْمَيْنِ . والْقِسْمُ الأوَّلُ يتناول مَوَاقِفَ النَّاسِ أَمَامَ مُشْكِلَةِ الْفَقْرِ ونظرة الإسلام إلى الفقر, والْقِسْم الثّانِي يتركَّزُ عَلَى وسائلِ الإسلامِ في مُعالَجَةِ الْفَقْرِ. وإنْ شَاءَ اللهُ المولَى الْقَدِيرُ نُعَالِجُ الْقِسْمَ الأوَّلَ اليَوْمَ وبِقُدْرَتِهِ وَإذْنِهِ سُبْحانَهُ وَتَعَالَى سَنُفَصِّلُ الْحَدِيثَ عَنِ الْقِسْمِ الثَّانِي فِي الْخُطْبَةِ التَّالِية:

أيُّهَا الْمُسْلِمُون الْكِرَامُ, فإنّ موضوعَ خطبتنا اليوم مَأخُوذٌ مِنْ عُنْوَانِ كِتَابٍ للعلّامة الشّيخ أ. الدّكتور يوسف القرضاوي –حفظه الله ورعاه- فجميع ما نتحدّث عنه في هذا الأوان يكون مختصر ما في الكتاب . ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يُجزل للمؤلّف المثُوبة والأجر. وبيّن العلّامة القرضاوي مشكلة الفقر وعلاجها  –بالاختصار- كما يلي: 
مَوَاقِفُ النَّاسِ أمَامَ مُشْكِلَةِ الْفَقْرِ

أ-مَوْقِفُ الْمُقَدِّسِينَ لِلْفَقْرِ:

فَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَزَهِّدِينَ الْمُتَرَهِّبِينَ, وَدُعَاةُ التّقشف, وَالتّصَوُّف زَعَمُوا الْفَقْرَ لَيْسَ شَرّاً يُطلب الخلاص منه , ولا مُشكلة يُطلب لها العلاج, بل هو نعمةٌ من اللهِ يسوقها لمن يحِبُّ من عباده, ليظلَّ قلبُهُ معلِّقاً بالآخِرة رَاغِباً عنِ الدُّنيا , مَوْصُولاً بِاللهِ , رَحِيماً بِالنَّاسِ , بِخِلافِ الغِنَى الّذِي يُطْغِي وَيُلْهِي , وَيُؤَدِّي إِلَى الْبَطَرِ وَالْبَغْيِ.

ب-مَوْقِفُ الْجَبَرِيِّين:

وَهُنَاكَ طَائِفَةٌ ثَانِيّة تُخالِفُ هَؤُلاء في النّظرة إلَى الْفَقْرِ, وترَى فِيه شَرّاً وبَلاءً , ولكِنَّهَا تَرَى أنَّهُ قَضَاءٌ مِنَ السَّمَاءِ لا يُجدي معه الطِّبّ والدَّواء. فَفَقْرُ الْفَقِيرِ, وغِنَى الْغَنِيِّ بِمَشِيئةِ اللهِ تعالَى وقَدَرِهِ , وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ أغنِيَاءً , ومنَحَ كُلّاً منهُم كَنْزَ قَارُون, ولكنّهُ تَعَالَى شَاءَ أَنْ يَرْفَعَ بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ , يَبْسُطُ الرِّزقَ لِمَنْ يَشَاءُ ويقدِرُ لِيَبْلُوَهُمْ فِيمَا آتَاهُمْ , لا ردّاً لِقَضَائِهِ ولا مُعقِّب لِحُكْمِهِ.. إلى غير ذلك من الكلام الحقِّ يُرَادُ بِهِ الْبَاطِلُ.

والْعِلاجُ الّذِي يُقَدِّمُهُ هؤُلاء لِمُشْكِلَةُ الْفَقْرِ يَنْحَصر فِي وصِيَّتهِم للفقراء أن يرضَوْا بِالقضاءِ , ويصْبِرُوا علَى الْبَلاءِ , ويقنعوا بالعطاء , فالقناعة كنزٌ لا يفنَى, وثروةٌ لا تنفدُ … والقناعة عندهم هِيَ الرِّضَا بِالْوَاقع , عَلَى أيِّ حالٍ.

ج-مَوْقِفُ دُعَاةِ الْإِحْسَانِ الْفَردِي:

وهُناكَ طَائفةٌ ثَالِثَة تُشَارِكُ الطّائفَةَ الثَّانِيّة فِي مُجْمَلِ نَظَرتها إلَى الْفَقْرِ , وَتَرَى فِيهِ شرّاً وبلاءً كذلكَ , وتُعَدُّهُ مُشْكِلَةً تتطلَّبُ الْعِلاجَ.

غَيْرُ أنَّ حَلَّهَا لا يَقْتَصِرُ عَلَى وَصِيّة الفُقَرَاءِ بِالرِّضَا وَالْقَنَاعَة كالطّائِفَة الثَّانِيّة , بل تتقدَّم خُطْوَة أخرَى , فَتُوصِي الأغنياء بالذُلِّ والإحسان, والتّصدّق على الفقراء , وَتَعِدُهُمْ بِجَمِيلِ الْمَثُوبَةِ عِندَ اللهِ إذَا اسْتَجَابُوا لِهَذِهِ الدَّعْوَةِ الْخَيْرِ , وَقَدْ تُنْذِرُهُمْ بِسُوءِ المَصِيرِ , وَعَذَابِ السَّعِيرِ , إذا قسوا على الفقير والْمِسْكِينِ.

د-مَوْقِفُ الرّأسْمَاليّة:

وَهُنَاكَ طَائِفَة رَابِعَةٌ تَرَى أنَّ الْفَقْرَ شَرٌّ مِنْ شُرُورِ الْحَيَاةِ , وَمُشْكِلَةٌ من مشكلاتها , ولَكِنَّ الْمَسْؤُول عَنْهُ هو الفقير نفسه , أو الحظُّ , أو الْقَدَر , أو ما شِئتَ : لا الْأُمَّة , وَلا الدَّولة , وَلا الأغنياء , فكُلُّ فَرْدٍ مَسْؤُولٌ عَنْ نَفْسِهِ , حُرٌّ فِي تصرُّفِهِ , حُرٌّ فِي ماله. 

وزَعِيمُ هَذِهِ الطَّائِفَة هُوَ قَارُون الّذِي كان من قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِم , وآتاه الله من الكُنُوز ما إنّ مفاتحة لتنوء بالعصبة أولِي قُوَّة , ولمّا نصحه قَوْمُه بِقَوْلِهِم : ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:28\77] – كان جوابُهُ الصَّريحُ ما حكاهُ الْقُرآنُ : ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:28\78]. 

وكذلك يرى أتباع النّظرية القارونيّة أنّ ما جَمَعُوهُ من المال إنَّما جَمَعُوهُ بذكائِهِم وحدهم , وأنّ مالك المال أحقّ بماله مِنْ سِواهُ , وله حُرِّيَّة التّصرُّفِ فِيهِ بِمَا يَرَى ويشاءُ…

هـ-مَوْقِفُ الإشْتِرَاكِيَّة الماركسيّة: 

الطّائفة الأخرى تقول: إنَّ القضاءَ على الفقرِ وإنصاف الفقراء , لا يُمكن أن يتمّ إلّا بالقضاء على طبقة الأغنياء , ومُصادرة أموالهم , وحِرمانهم من ثرواتهم مِنْ أيِّ وجهٍ جاءت , وفي سبيل ذلك يَجِبُ تأليب الطّبقات الأخرىى في المجتمع عليهم. 

وإثارة الحسد والبغضاء في صدورهم , وتاريث نيران الصِّراع بين هذه الطّبقات بعضها وبعض , حتّى ينتصر في النِّهاية أكثرها عدداً, وهي الطّبقة العاملة الكادحة التي يسمّونها “البروليتاريا”  Proletariat.

ولم يكتف دُعَاةُ هَذَا الْمَذْهَبِ بِتَحْطِيمِ طَبَقَة الأغْنِيَاء ومصادرة ما ملكوا , فَذَهَبُوا إلى مُحاربة مبدَأ “الملكية” الخاصّة نفسه , وتحريم التّملك على النّاسِ أيا كان مصدره , وبخاصّة الأرض والمصانع والآلات ونحوها ممّا يُسمّى “ثروات الإنتاج” .

هؤلاء هم دُعاة الشّيوعيّة والإشراكيّة الثّوريّة .. فهناك قدرٌ مُتَّفقٌ عليه بين النّزعات الإشراكيّة  كلِّها- متطرِّفة ومعتدلة – هو إنكار مبدأ الملكيّة الفرديّة ومحاربته , واعتباره مصدر كلِّ شرٍّ , وإن اختلفت وسائلها في محاربته .. 

نظرة الإسلام إلى الفَقْرِ

أ-الإسلام يُنكِرُ النّظرة التّقْديسيّة للفقر:

ينكر الإسلامُ على الطّائفة الأولى نظرتها إلى الفقر بصفة خاصّة , وإلى الحياة الطّيّبة بصفة عامّة , ويُنكر على المتصوِّفين قبولَهُمْ على الأفكار الّتي وفدت على المسلمين  من المانويّة الفارسيّة , والصّوفية الهنديّة , والرّهبانيّة النّصرانيّة , والصّوفيّة الهنديّة , من النّحل المتطرّفة , وليس في مدح الفقر آية واحدة من كتاب الله , ولا حديث واحد يصِحُّ عن رسول الله ﷺ .

الأحاديث الواردة في مدح الزّهد في الدّنيا لا تعني مدح الفقر , فإنّ الزّهد يقتضي ملك شيء يُزهد فيه. فالزّاهد حقّاً مَنْ ملك الدّنيا فجعلها في يده , ولم يجعلها في قلبه.

والإسلام يجعل الغِنى نعمةً يمتنُّ اللهُ بها , ويطالبُ بشكرها , ويجعل الفقر مشكلة بل مصيبة يُستعاذُ باللهِ منها. ويضعُ مختلف الوسائل لعلاجها.

وحسبنا أن نذكر هنا أنّ الله امتنَّ على رسوله ﷺ بالغنى فقال : ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضّحى: 93\8]. وجعل إيتاء المال من عاجلٍ مثوبته تعالى لعباده المؤمنين: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:71\10-12]. وقال ﷺ ” نِعْمَ الْمالُ الصّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ” – رواه أحمد , والطّبراني في الكبير.

الفقر خطر على العقيدة:

فلا شكّ أنّ الفقرَ من أخطر الآفات على العقيدة الدِّينيّة وبخاصَّة الفقر المدقع , الّذي بجانبه ثراء فاحش , وبالأخصِّ إذا كان الفقير هو السّاعي الكادح , والمترف هو المبطل القاعد. 

الفقر حينئذ مدعاة للشّكّ في حكمة التّنظيم الإلهي للكون , وللارتياب في عدالة التّوزيع الإلهي للرّزق , فلا عجب أن يُروى عن رسول الله ﷺ : ” كاد الفقر أن يكون كفراً” (رواه أبو نعيم في “حلية عن أنس).

ولا عجب أن يستعيذ بالله من شرّ الفقر مقترناً بالكفر في سياقٍ واحدٍ , وذلك حيث يقول : “اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ” (رواه أبو داوود وغيره) . “اللّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْقِلَّةِ وَالذِّلَّةِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ”

الْفَقْرُ خَطَرٌ عَلَى الْأخْلاقِ وَالسُّلُوكِ:

وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ شِدَّةَ وَطْأَةِ الْفَقْرِ عَلَى صَاحِبِهِ , وَأَثَرِهِ فِي سُلُوكِهِ : “خُذُوا الْعَطَاءَ مَا دَامَ عَطَاء , فَإِذَا صَارَ رِشْوَةً فَلا تَأْخُذُوهُ , وَلَسْتُمْ بِتَارِكِيهِ , تَمْنَعُكُمُ الْحَاجّة وَالْفَقْر” .

(رواه أبو نعيم في الحلية والطّبراني من حديث معاذ وسنده ضعيف)

الفقرُ خَطَرٌ عَلَى الْفِكْرِ الإنسانِي:

وليس بلاء الْفَقْرِ وخطره مَقْصُوراً عَلَى الْجانِبِ الرُّوحِي والْخُلُقِي لِلْإِنسان , وَإنّما يَشْمُلُ أيْضاً الْجانِبَ الْفكري منه , فالفقير الَّذِي لا يَجِدُ ضرورات الْحَيَاة وحاجاتها لنفسه وأهلِهِ وولدِهِ , كيفَ يَسْتطيع أن يُفكِّر تفكِيراً دَقِيقاً ولا سِيما إذَا كان هُناكَ بِجِوَارِهِ من تغص داره بالخيرات , وتَمُوجُ خَزَائِنُهُ بِالذّهْبِ وقَدْ رَوَوْا عَنِ الْإِمَامِ مُحَمَّد بْنِ الْحَسَنِ الشّيبانِي صاحب أبي حنيفة أنَّ الجارية أخبرتْهُ يَوْماً فِي مَجْلِسِهِ , أنّ الدّقِيقَ نَفَدَ , فقال لها : “قاتَلَكِ اللهُ , لَقَدْ أضَعْتِ مِنْ رأسِي أربَعِين مَسْألَةً مِنْ مسَائِل” .

الْفَقْرُ خَطَرٌ عَلَى الأُسْرَةِ:

وَالْفَقْرُ خَطَرٌ عَلَى الأُسْرَةِ مِنْ نَوَاحٍ عَدِيدَةٍ : عَلَى تَكْوِينِهَا , وَعَلَى اسْتِمْرَارِهَا , وَعَلَى تَمَاسُكِهَا , فَفِي تَكْوِينِ الْأُسْرَةِ نَجِدُ الْفَقْرَ مَانِعاً مِنْ أَكْبَرِ الْمَوَانِعِ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ الشَّبَابِ وَبَيْنَ الزَّوَاجِ , وَمَا وَرَاءَهُ مِنْ أَعْبَاءِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَة , والاستقلال الإقتصادِي , ولِهَذَا أوصَى الْقُرآنُ أمثَالَ هؤُلاءِ أن يَعْتَصِمُوا بِالعفَّافِ والصَّبْرِ , حتّى تواتيهم القُدرَة الاقتصاديّة. ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور:24\33], ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النّور:24\32], ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:6\151], ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:17\31].

الفقرُ خَطَرٌ عَلَى الْمُجْتَمَع واسْتِقْرَارِهِ:

وفق ذلك كُلِّهِ فالفقر خطرٌ على أمنِ المُجتمع وسلامته واستقرار أوضاعه وقد رُوِيَ عن أبِي ذرٍ أنَّهُ قال : “عَجَبْتُ لِمَنْ لا يَجِدُ الْقُوتَ فِي بَيْتِهِ : كَيْفَ لا يَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ شَاهِراً سَيْفَهُ” ؟!

وقد يصبر الْمرء إذَا كان الْفقرُ نَاشِئاً عَنْ قِلَّةِ الْمَوَارد وكثرة النّاس. أما إذا نشأ عن سُوءِ تَوْزِيع الثَّروة , وبغي بعض النَّاسِ عَلَى بَعضٍ وترَفِ أقلِيَّةِ فِي الْمُجْتَمَعِ عَلَى حِسَابِ الأكثرِيّة , فَهذَا هُو الْفقرُ الّذِي يُثِيرُ النّفُوسَ, ويُحدِثُ الْفِتَنَ والإضطرابَ, ويقوض أركان المحبّة والإخاء  بين النّاس.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَة:

الْحمد للهِ الّذِي خَلَقَ الجنسَيْنِ الذَّكَرَ والأنْثَى ,وَجَعَلَ لِكُلِّ جِنْسٍ وَظَائِفَهُ الْمُنَاسِبَةَ لَهُ؛ القائِل في فرقانه العزِيز : ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [اللّيل:92\1-3], وَالْقائلِ : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُون﴾ [يس:36\36], ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذّاريات:51\49]. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَمْداً كَثِيراً وَنَشْكُرُهُ شُكْراً جَزِيلاً, وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللهِ سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ, وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الْجَزَاء.

أَمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, ننتّهز هذه الفرصةَ الذَّهبِيّة لإخْبَاركُمْ عَنْ مَا يَحْدُثُ فِي مَجْلِس الشُّيوخ النَّيْجيري حيث قدَّمت امرأة من أعضاء مجلس الشّيوخ (Senate) –اسمها-Senator Biodun Christine Olujimi مَشْرُوعَ قانُون الجِنس وَفُرَص مُتَماثِلَة: GENDER AND EQUAL OPPORTUNITIES

 BILL. جاءت هذه المرأة إلى مَجلس الشّيوخ مِنْ ولايةِ أيْكِيتِي:﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشّمس:91\11-15].

أيّهَا المسلمون الكرام , مَا هُوَ مَضْمُونُ هَذَا المشرُوعِ الأساسِيُّ ؟

أ-عَدَمُ تميِيز بين الذَّكَرِ والأُنْثَى فِي الأَمْرِ كُلِّهِ .

ب-تَحرِيمُ تعليم الدِّراساتِ الدذِينيّة فِي المَدَارسِ الحكوميّة وغَيْرِهَا –الإسلاميّة كانت أو المسيحيّة.

ج-تحريم قراءة القرآن والإنجيل في المناسبات العامّة – إلا في غُرفِ مؤمني بهما.

د-إغلاق مدارس العربيّة الإسلاميّة والمعاهد اللّاهوتية المسيحيّة.

هــ-إغلاق جميع المحاكم الشَّرعيّة.

و-عدم التّمييز الجنسي في المناصب الإداريّة والدِّينيّة والسِّياسية المحليّة . وقد قيل : “ما يستطيع الرَّجلُ فِعلَهُ , بِإِمْكانِ المرأةِ أن تفعلَهُ أيضاً بشكلٍ أفضل” (مثال إنكليزي). أي بإمكان المرأة أن تكون إمامة المسجد , أو رئيسة نيجيريا أو سلطانة سوكوتو أو أميرة إلورن  أو ملكة لاجوس…و و و..

ز-مشروعيّة اللِّواط والسِّحاق أو شاذ جنسيّاً – لكلِّ جنس حقّ الزّواج بأيِّ جنسٍ شاءَ . أي من الممكن أن يتزوّج الذّكر بالذّكر (اللِّواط) , أو أن تتزوّج الأنثَى بالأُنثَى (السِّحاق)- أو الزِّواج بين الإنس والحيونات تحت حرِّية الإنسان الأساسيّة .

ح-لِلأُنثَى –في الميراث-مثل حظِّ الذَّكَر-سواء بسواء . بدلاً من قوله تعالى : ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النِّساء:4\11].

ط-مشرُوعيّة الإجهاض-إسقاط الجنين الكروه-والقيام به مجاناً فِي مستشفيات الحُكُومَة . 

ي-إغلاق المدارس الخاصّة للأولاد , والخاصّة للبنات ومشروعيّة التّخليط المطلق بين الطُّلّاب والطّالبات. حتّى في سكن الطّلّاب أو المهاجع. 

وقد نظر مجلس الشّيوخ النّيجيري (Senate) في هذا مشروع قانون مرَّتَيْنِ وبقيت عليه نظرة واحدة فقط حتّى يصير المشروع قانوناً منفَّذاً عليْنا –طَوْعاً وكَرهاً- … ويطلب آراء المواطنين عنه سرّاً وكيداً. 

وسُؤال الآن , مطروح إليكم-إِخوَةَ الإيمان-هَلْ رضيتُمْ بَهَذَا مَشْرُوع قانون ؟ ! وقد قال تعالى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[الرّعد:13\11].

إنّ هَدَفَ هَذَا مَشروع قانون الأسَاسِي هو تَنْفِيذُ قَرَارَات الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَة لِإِزَالَةِ أيِّ تَمْيِيزٍ ضِدَّ النِّسَاءِ Elimination of all forms of Discrimination against Women. 

وغايَةُ الأُمم المتَّحِدَة الأسْمَى هِيَ مَحْوُ الشّرِيعة الإسلاميّة جمِيعاً حَيْثُ لا تُنفَّذُ فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الأَرضِ شَرْقاً وَغَرْباً . والْعِيَاذُ بِاللهِ , فقد قال تَعالَى : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾[التَّوبة: 9\32]. وقال عزَّ وجلَّ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[الأنفال:8\53].

الدّعَاءُ:

اللهم أمِنَّا في أوطاننا وولِّ علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان. اللهم أمنّا فى الأوطان والدور وادفع عنا الفتن والشرور  وأصلح لنا ولاة الأمور, واستجب دعاءنا إنك أنت سَميع الدعاء.    

اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأُلكَ إيماناً صَادِقاً، وَلِسَاناً ذَاكِرًا، وقَلْباً خَاشِعاً,اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى الإسلامِ، وَارْزُقْنَا حَلاَوَةَ الإيمانِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ يَا كَرِيمُ يَا مَنَّانُ.

اللهم اغْفِرْ لِلْمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، الدعوات اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائر بلاد المُسلمين يا ربَّ العالَمِين. وصلّى اللهُ على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً. 

Leave a Reply