27th Dul-Hijjah,1442 A.H
(6th August,2021 C.E)
بسم الله الرحمان الرحيم الخطبة الرابعة لشهر ذِي الْحجة بتأريخ 27\12\1442هـ-6\8\2021م
وقفة المحاسبة بين عامين

الحمد لله الحليم الغفار، العليم القهار، يدبر الأمر في السموات والأرض: يحي ويميت، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويقلب الليل والنهار، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار، وأشهد أن لا إله الله المتفرد بالقيومية والبقاء، والعظمة والكبرياء، يفعل ما يشاء ويختار. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، صلى الله عليه وعلى آله الأخيار، وصحابته الأبرار، وسلم تسليما..
أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله-؛ فبتقوى الله الخلاص من الفتن، والنجاة من المحن، وحصول اليسر والرزق الحسن. قال -تعالى: "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً" الطلاق:۲-۳) " "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً" (الطلاق:٤)
أيها الناس: إنها حركة لا تتوقف، وجري لا يعرف التريث والانتظار، وسباق لا ملل فيه ولا كسل، وكَرٌّ لا يعرف الفر، ومضيّ لا يؤمن بالعودة، تلك طبيعة الزمان، ارتحال لا إقامة فيه، ليل ونهار يذهبان بالأيام والليالي، وليالٍ وأيام تذهبان بالشهور، وتلك الشهور تذهب بالأعوام، وأعوام وراء أعوام، وينتهي العمر وتزول الحياة; فبناء على هذه ،تتركز خطبتنا اليوم على" وقفة المحاسبةبين عامين "
عباد الله المستمعون الكرام ! إن أيام الدنيا ثلاثة: فأمس عظةٌ، وشاهدُ عَدْلٍ لك أو عليك، ذهب عنك وأبقى عليك حكمته؛ واليوم غنيمة، وصديق أتاك ولم تأته، طالت عليك إقامته، وستسرع عنك رحلته؛ والغد لا تدري من أهله، وسيأتيك إن وجدك
وما هذه الأيام إلا مراحلٌ # يحث بها داعٍ إلى الموت قاصدُ
وأعجب شيء لو تأملت أنها # منازل تطوى والمسافر قاعد
قال داود الطائي -رحمه الله: "إنما الليل والنهار مراحل، ينزلها الناس مرحلة مرحلة، حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زاداً لما بين يديها فافعل؛ فإن انقطاع السفر عن قريب، فاقض من أمرك، فكأنك بالأمر قد بغتك"
عباد الله, إن الزمان يأكل من أعمارنا يوماً بعد يوم، وليلة بعد ليلة، وشهراً بعد شهر، وعاماً بعد عام، ما مضى منه مضى منا، قال الحسن البصري رحمه الله :"يا بن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك"
أيها الإنسان: ينقضي العام فتظن أنك عشته، وأنت في الحقيقة قدْ مِتّه! ما من يوم إلا قرّبنا وبعّدنا، قربنا من الآخرة، وبعّدنا من الدنيا. قال ابن رجب -رحمه الله-: "يا من يفرح بكثرة مرور السنين عليه، إنما تفرح بنقص عمرك"
إنا لنفرح بالأيام نقطعها # وكل يوم مضى يدني من الأجلِ
أيها الأحبة: ها هو عامنا هذا يحتضر على وشك الموت والوداع بعد أن قضى بيننا اثني عشر شهراً بأفراحها وأتراحها، بأرباحها وخسرانها، بزيادة الحياة بأحياء، ونقصانها بأموات.
إن رحيل العام عظة وذكرى برحيل العمر وانقضائه، كما خلقنا للأرض بعد سلف يوشك أن نكون سلفاً يعقبنا خلف، نتركها كما تركوها، وتلفظنا كما لفظتهم؛ ونكاد أن نعيد للأرض ما أخذنا منها، نعيد لها أجسادنا ليأكلها البلى بعد أن خلقنا من ترابها، وتضمّنا بين أحضانها بعد أن كنا نمشي على ظهرها، ونهريق فيها دماءنا بعد أن شربنا من مائها، ونقرب لها أبداننا بعد أن نمت من ثمارها وأشجارها.
عباد الله,، يذهب العام ويصير من أخبار الماضي، لكن المؤمن العاقل لم يذهب عنه دون استغلال وحصاد من الخيرات; يغنم شهوره ويربح أيامه ولياليه. يمضى الزمان فيمضى معه ولكن بالاستفادة من لحظاته بما يعمره من جلائل الأعمال، وجميل الأحوال، التي تنفعه يوم حاجته؛ لأنه عرف شرف زمانه فجعله شاهداً له لا شاهداً عليه، واتعظ بمرور الأيام فجعلها أيام مرور ولم يجعلها ظرفاً للخلود، رأى تقلبات الزمان وتغير أحوال الناس فعلم أنه لن يحصل هنا على ما يريد، فتهيأ بعُدّةٍ لحياة أخرى يحصل فيها على ما يريد.
أيها المسلمون: لقد فاز قوم أعدوا للسفر زاده فربحوا حتى وصلوا في عافية إلى وطنهم الموعود، تطلع الشمس عليهم صباحاً ثم تغيب مساء فيعتبرون أن للشروق غياباً وللذهاب إياباً فلا بقاء، يهل هلال الشهر صغيراً ثم يكبر حتى يكتمل، فإذا وصل إلى كماله بدأ بالنقصان والاضمحلال فيعلمون أن للعمر نهايةً وللدنيا أفولا.
أما المغرور أو الغافل فركن إلى حاله، ولم يتهيأ لانتقاله، فيظن أنه في عافيته لن يسقم، وفي شبابه لن يهرم، وفي غناه لن يفتقر، وفي قوته لن يضعف، وفي فرحته لن يحزن، وفي حياته لن يموت. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه -وأشار الراوي بالسبابة- في اليم؛ فلينظر بم يرجع؟"
{رواه مسلم}
عباد الله: ها نحن على وشك توديع عام من أعمارنا يذهب عنا ولن يعود إلينا إلّا يوم القيامة بما أودعنا فيه من الأعمال. تفكر -يا عبد الله- وأنت تودع مرحلة من فرصة حياتك أنه مسجل فيها أعمالك صغيرها وكبيرها، صالحها وطالحها، وأنك ستلاقيها في كتابك وستحاسب عليها بين يدي ربك. قال تعالى: "مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ" {ق: ۱۸ }وقال أيضا جلت قدرته :"وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً "{الكهف:٤۹
أيها المسلمون: إن المؤمن العاقل دائم المحاسبة لنفسه: ماذا فعلت؟ وكيف فعلت؟ ولمن فعلت؟ ولمَ فعلت؟ ويحاسب نفسه كل حين، وقد تمر به محطات زمنية لها خصوصيتها، كهذه المحطة في نهاية العام، فيقف على رأس الحول فينظر ما صدر منه وهو في زمن الاستطاعة والقدرة، فإن كان العمل محموداً أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذموماً استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في المستقبل، واستغفر واستعفى؛ فصلاح المستقبل بدوام المحاسبة، وإتقان الأعمال بكثرة المراقبة .
اللهم اجعلنا من الذين يسمعون فيتبعون أحسنه.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى أهله أجمعين.
عباد الله الكرام, اعلموا أن اليوم لعمل وكذا حساب، وغداً حساب ولا عمل، فمن حاسب نفسه اليوم خف عليه الحساب غداً، وسهل عليه العمل، ومن قصر في محاسبة نفسه اليوم ثقل عليه الحساب غدا، وعسر عليه فعل الطاعات في حياته. قال الحسن البصري -رحمه الله:-: "أيسر الناس حساباً يوم القيامة الذين حاسبوا أنفسهم لله -عز وجل- في الدنيا، فوقفوا عند همومهم وأعمالهم، فإن كان الذي هموا به لله مضوا فيه، وإن كان عليهم أمسكوا، وإنما يثقل الحساب يوم القيامة على الذين جازفوا الأمور فأخذوها من غير محاسبة فوجدوا الله قد أحصى عليهم مثاقيل الذر فقالوا: " :"يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا" (الكهف:٤۹)
من حاسب نفسه عرف حق الله عليه وعظيم فضله، فقارن ذلك بتقصيره في جنب الله فأتقن العمل وتجنب الخطل. من حاسب نفسه قل زلـله، وكثر صوابه، فأثمر ذلك صلاح عمله قبل حلول أجله. من حاسب نفسه لم يغتر بسلامته وشبابه، وغناه وحسن أحواله، بل استعجل العمل الصالح ولم يستأجل، ورمى بالتسويف جانباً .
ها أنت -يا عبد الله- تدعى إلى المحاسبة اليوم؛ فماذا أنت صانع؟ ألا تعتبر بما مضى من عمرك لتصلح ما بقي من دهرك؟ "ياأيها الذين أمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون" {الحشر}
فرحم الله عبداً أصلح ما مضى، وجَدّ فيما بقي، وتزود من دار الغرور، بما ينجيه يوم البعث والنشور، وجمع من الدنيا ما خف عليه حمله، وسهل حسابه.
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
الدعاء
اللهم أمنا في أوطاننا وول علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا، االلهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان، اللهم أمنّا فى الأوطان والدور وادفع عنا الفتن والشرور وأصلح لنا ولاة الأمور, واستجب دعاءنا إنك أنت سَميع الدعاء.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *