دَوْرُ العقيدة الإسلاميّة وأثرُهَا في بناء الفرد والمجتمع

CLICK HERE TO DOWNLOAD

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الْخطبة الثّانيّة لشهر مُحَرّم بتأريخ 13\1\1438هـ- 14\10\2016م

حَوْلَ: الْهِجْرة النّبويّة وبناء المُجْتمع:

(1) دَوْرُ العقيدة الإسلاميّة وأثرُهَا في بناء الفرد والمجتمع

الحمد لله الذي بعث محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً , القائل في كتابه العزيز: ﴿…فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وتعالى وَنَشْكُرُهُ , ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْديه , وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئاتِ أعْمَالِنَا ؛ إنَّهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ؛. وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيدا . …

 أما بعد,

فَعِبَادَ اللهِ , أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَإِنَّهَا وَصِيَّة إِلَهِيَّة لِكُلِّ مَنْ رَغِبَ فِيمَا عِنْدَ اللهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾{آل عمران:3\102}.

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾{النِّساء:4\1}.

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ {الأحزاب:33\70-71}.

إِخْوَةَ الْإيمان, هَذَا هُوَ اللِّقاءُ الثَّانِي لشَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ , وَفِي خُطْبَتِنَا الأُولَى لِهَذَا هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ تَحَدَّثْنَا عَنِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّة: دُرُوسٌ وَعِبَرٌ حَيثُ عَالَجْنَا دُرُوساً مُسْتَفَادَة مِنْ هِجْرَةِ الْمُصْطَفَى- ﷺ-وأصحابِه الكرام رضي الله عنهم أجمعين. ومن الْيَوْمِ-إن شاء اللهُ الْمَوْلَى القديرُ- نَخُوضُ فِي مَوْضُوعاتٍ ذَاتِ سَلاسلَ  تَحْتَ مَوْضُوعٍ عامٍ رَئِيسِيّ: الْهِجْرَة النّبويّة وبناء المجتمع. وسنَنْظُرُ فِي هَذَا المَوْضُوعِ العامّ الرّئيسيّ نَظَراً في الْجوانب العقائديّة والتّعبّديّة والسِّياسِيّة والاقتصاديّة والاجْتِمَاعيّة والتّعلِيميَّة التّربويّة والأخلاقيّة السّثلُوكِيّة. ونَبْدَأُ الآنَ مِنْ أَصْلِ الأُصول لِربّانِيَّة الإِسلام. ألا وهُوَ الْعقِيدَة الإسلامِيَّة. فالموضوع:  دَوْرُ العقيدة الإسلاميّة وأثرُهَا في بناء الفرد والمجتمع

أهمية العقيدة في حياة المسلم :

هذا وإن موضوع هذه الخطبة موضوع مهم؛ لأنه متصل بالعقيدة ، وبيان عقيدة الإسلام أهم وأوجب ما يتعلمه العبد؛ لأن بها صحة إيمانه وصحة إسلامه ، والعبد بلا عقيدة كالجسد بلا روح؛ لأن العقيدة هي أساس قيام الأعمال .

فكل عمل ليس على أساس عقدي صحيح ، فهو غير مقبول؛ لأن الله -جل وعلا- قال لنا : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ آوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ سورة النحل : الآية 97 ] قال جل وعلا : ﴿ مَنْ عَمِلَ ﴾ ، ثم قال﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ فلا بد في العمل من أن يكون العبد مؤمناً . ومعنى كونه مؤمناً أن يكون ذا عقيدة صحيحة عقيدة إسلامية واضحة التي هي عقيدة الإيمان

الإيمان بالله أعظم أركان العقيدة الستة :

الإيمان بالله هو أعظم هذه الأركان . ولا يمكن أن نفهم الإيمان بالله دون الحديث عن معنى الإيمان . فما هو الإيمان؟ المقصود بالإيمان – في هذا الموضع المتعلق بالعقيدة – ما يعقد عليه القلب . أي أن يصدق المرء تصديقا جازما لا ريب فيه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر . ولا يصح هذا التصديق إلا بالنطق باللسان والعمل بالأركان ، وهو ثمرات العقيدة ثمرات العقيدة بعامة .

أنواع الإيمان بالله :

ولإفهامك معنى الإيمان بالله بما دلت عليه النصوص نقول : جاء الإيمان بالله في النصوص على ثلاثة أنواع :

1– إيمان بالله في ربوبيته .2- إيمان بالله في ألوهيته .3- إيمان بالله في أسمائه وصفاته .

والإيمان بربوبية الله -جل وعلا- معناه : أن تؤمن بأن الله -جل وعلا- وحده هو الرب ، الذي خلق هذا الملكوت ، وخلق السموات والأرض ، وخلق الناس جميعا ، وخلق جميع المخلوقات التي نراها ، والتي لا نراها كما قال سبحانه :﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء ﴾ [ سورة الرعد : الآية 16 ] سبحانه وتعالى ، وقال أيضا -جل وعلا- في سورة يونس : ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ﴾.

[ سورة يونس : الآية 31 ].

ثمار الإيمان بربوبية الله في قلب المؤمن :

نقول إن من يعلم ذلك حق العلم ويؤمن به حق الإيمان فسيعظم في قلبه أولا محبة الرب -جل وعلا- لأنه يرى ربه -سبحانه وتعالى- هو المتصرف في هذه السماوات وفي هذه الأرضين ،كما يعظم تعلقه بالله لأنه تَعلُّق بالقوى المتين . كما قال صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنه «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله عليك ، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء فلن ينفعوك بشيء إلا بشيء قد كتبه الله لك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف» ( [3] ).

كما يثمر الإيمان بربوبية الله -جل وعلا- وأنه هو المتصرف في هذا الملكوت في قلب العبد المؤمن التوكل عليه ، وتفويض الأمر إليه -سبحانه وتعالى- كما قال العبد الصالح : ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [ سورة غافر : الآية 44 ] ، وكما قال شعيب عليه السلام :﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [ سورة هود : الآية 88 ] .

النوع الثاني : الإيمان بتوحيد الرب -جل وعلا- في ألوهيته .

وهذا النوع من الإيمان هو الذي من أجله بُعثت الرسل ، ومن أجله أُنزلت الكتب؛ لأن الإيمان الأول بالربوبية يعني أن الله وحده هو الرب المتصرف الخالق الرازق المعطي المانع .

وإنما الابتلاء في هذا النوع الثاني من الإيمان . لهذا قال ربنا جل وعلا : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [ سورة النحل : الآية 36 ] ، وقال جل وعلا :﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [ سورة الزمر : الآية 65 ] .

 معنى الإيمان بألوهية الله :

إذا فما معنى الإيمان بألوهية الله -جل جلاله- وحده؟ معناه أن تؤمن معتقدا جازما في اعتقادك بلا تردد ولا ريب أن المستحق الوحيد للعبادة هو الله -جل وعلا- ، وأنه المستحق للخضوع والذل والرغب والرهب فيما عنده هو الله جل وعلا . وذلك لأن مقاليد الأمور بيده سبحانه؛ إذا من يعبده ويتذلل له -سبحانه وتعالى- فهو مريد لمصلحة نفسه في الدنيا والآخرة . ويتوجه المؤمن في العبادة لإله واحد هو الذي يملك هذا الشي ء وهو الرب الواحد الأحد الله – سبحانه وتعالى .

فمعنى توحيد الألوهية أي الإيمان بالله إلها واحدا دون ما سواه ، أن توحده بأفعالك ، بصلاتك لا تصلي إلا له ، بصيامك لا تصوم إلا له -جل وعلا- بدعائك لا تدعو إلاه ، ولا تستغث إلا به إذا دهتك كربة فاطرق باب الواحد الأحد ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ﴾ [ سورة الأنفال : الآية 9 ] ، أما المخلوق فهو ضعيف مثلك ﴿ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴾ [ سورة الفرقان : الآية 3 ].

 القسم الثالث من أركان الإيمان بالله : الإيمان بأسماء الله وصفاته :

الإيمان بأسماء الله -جل وعلا- وبصفاته يعني الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات ، فما معنى توحيد الأسماء والصفات؟

يعني أن نؤمن بأن الله -جل وعلا- ليس له مثيل في أسمائه ولا في صفاته . فله –سبحانه- الأسماء الحسنى ، وله سبحانه الصفات العلا الجليلة ، وليس كمثله شيء . فهو سبحانه وتعالى متوحد – جل وعلا- في الجلال بكمال الجمال .

ثمرة الإيمان بالأسماء والصفات :

فإذا آمن المسلم بالأسماء والصفات فما ثمرة ذلك على نفسه؟ ما ظنكم بمن آمن بأن الله -جل وعلا- هو القوي العزيز ، ماذا سيكون في قلبه؟ إذا آمن المؤمن بأن الله -سبحانه وتعالى- نعني أنه حقق الإيمان في قلبه- بأن من أسماء الله -جل وعلا- الجميل ، وأن من صفاته الجمال . يقول لك ابن القيم -رحمه الله- في نونيته بعد أن ذكر معاني الأسماء والصفات ، وذكر صفة الجمال :

وهو الجميل على الحقيقة كيف لا . . . وجمال سائر هذه الأكوان

 مـن بعض آثار الجميل فربهـا . . . أولى وأجدر عند ذي العرفان

الإيمان بالملائكة :

معناه أن تؤمن وتعتقد أن لله -جل وعلا- خلقا خلقهم لعبادته ، وأنهم بأمره يأتمرون وأنهم عن نهيه ينتهون ، وأنهم مشغولون بعبادته لا يفطرون؟ كما قال سبحانه في وصف الملائكة في آيات سورة الأنبياء : ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ [ سورة الأنبياء : الآية 27 ] ، مرسلون يرسلهم الله -جل وعلا- إلى ما شاء . فمنهم من هو موكل بالرياح ، ومنهم من هو موكل بالمطر فترى المطر يأتي إلى بلد ويذهب عن بلد ، الله -جل وعلا- يرسل الملائكة بالرياح ويرسلها بالقطر ، تعطي بلدا وتمنع بلدا على حسب ما أراد الرب -جل وعلا- كما قال : ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ﴾ [ سورة الفرقان : الآية 50 ] كما قال تعالى : ﴿ وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا ﴾ [ سورة المرسلات : الآية 1 ] .

ومن الملائكة من هو موكل بالموت ، ومعه جنود يعملون معه في قبض أرواح العالمين كما قال سبحانه ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾ [ سورة السجدة : الآية 11 ] .

ثمرة الإيمان بالملائكة :

وثمرة الإيمان بالملائكة أن نعلم أن الملائكة يوحدون الله ، يسبحونه يأتمرون بأمره . وهو ما يورث المحبة لهم؛ لهذا يجب علينا أن نحب ملائكة الرحمن جل وعلا ، فبيننا وبينهم محبة وصلة ، والملائكة عند ربنا -جل وعلا- يستغفرون لنا ويحبوننا ، يحبون أهل الإيمان ، ونحن كذلك نحب ملائكة الرحمن كما قال سبحانه في أول سورة غافر : ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ [ سورة غافر : الآية 7 ] ، وقال تعالى في آية الشورى : ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ [ سورة الشورى : الآية 5 ] .

ومن ثمرات الإيمان بالملائكة أيضا المراقبة والخوف لأن من الملائكة من هو موكل بكتابة ما يلفظ به الإنسان ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ سورة ق : الآية 18 ] فيورث العلم بالملائكة الاستحياء والخوف وأشباه ذلك . وإذا غلط العبد فإنه يسرع بالإنابة والاستغفار حتى يمحى ما كتبه الملك عليه . وحتى يثبت ما كتبه الملك له .

الإيمان بالرسل :

أن نؤمن بكل من سمَّى الله -جل وعلا- من المرسلين . فكل رسول سماه الله -جل وعلا- في كتابه أو جاء في السنة المشرفة نؤمن بأن الله أرسله ، وأن الله أرسل رسلا منهم من علمناه من الكتاب والسنة ، ومنهم من لا نعلمه لأن الله لم يقص علينا خبرهم ﴿ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ [ سورة النساء : الآية 164 ] .

والإيمان بأن الرسل أتوا جميعا بدين واحد وهو دين الإسلام : ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [ سورة آل عمران : الآية 19 ] ، وقال جل وعلا : ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [ سورة النحل : الآية 36 ]

فإذًا كل رسول جاء بدين الإسلام العام الذي هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله . هذا دين الإسلام العام الذي جاء به كل رسول عقيدة واحدة لكن اختلفوا من حيث الشريعة . وقد جاء هذا في القرآن في قول الحق جل وعلا : ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [ سورة المائدة : الآية 48 ] .

فنؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين ، ونؤمن بنوح عليه السلام ، وأنه أول المرسلين ونؤمن بأولي العزم من الرسل الذين أخبر الله -جل وعلا- بهم في قوله : ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [ سورة الأحقاف : الآية 35 ] . ونؤمن بموسى وعيسى وبإبراهيم الخليل عليه السلام وبداود ونؤمن بهم ونحبهم ونتولاهم ﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ [ سورة البقرة : الآية 285 ]

الإيمان بكتب الله المنزلة :

كذلك نؤمن بكتب الله -جل وعلا- وأن الله -سبحانه وتعالى- أنزل كتبا جعلها حجة على خلقه . ونؤمن إيمانا خاصا بالقرآن العظيم وأنه كلام الله جل وعلا ، وأن الله جعله مهيمنا على الكتب جميعا كما أخبر بذلك -سبحانه وتعالى- في سورة المائدة : ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [ سورة المائدة : الآية 48 ] .

ثمرات الإيمان بالرسل والكتب :

للإيمان بالرسل وبالكتب وخاصة القرآن وبسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أعظم الأثر في حياة الأفراد والمجتمعات ، فيجب على من آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام رسولا ، وبالقرآن كتابا ألا يأخذ الأمور العلمية ولا الأمور العملية إلا من القرآن ومن سنة محمد صلى الله عليه وسلم ، ويؤمن أن الحكم لله -جل وعلا- كما قال سبحانه ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ [ سورة المائدة : الآية 49 ] أحكم بينهم ليس في القضاء فحسب ، بل حتى في الأمور التي يختلف الناس فيها .

الإيمان باليوم الآخر :

ما معنى الإيمان باليوم الآخر؟ هو أن تؤمن بأن الله -جل جلاله- جعل يوما يُحاسب فيه العباد فيجزي المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته . وهذا القدر واجب على كل مسلم أن يؤمن به فهو ركن من أركان الإيمان ، ومن لم يؤمن به فهو كافر . ثم كلُّ من وصله علم يتعلق باليوم الآخر في الكتاب والسنة وجب عليه أن يَعلمه ويؤمن به .

آخر أركان الإيمان : الإيمان بقدر الله خيره وشره :

ويطول الكلام في هذا الركن ، ويحتاج إلى بيان واسع لكن خلاصته أن معنى الإيمان بالقدر أن تؤمن بأن الله -جل وعلا- عَلِم الأشياء جميعا قبل وقوعها وقبل كونها ، وأنه -سبحانه وتعالى- كتب مقاديرها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه سبحانه هو الخالق لكل شيء ، حتى الطاعات والمعاصي ، فكل شيء هو خالقه سبحانه؛ لأنه لا يجوز أن يقال : إن ثمة شيئا في أرض الله وفي ملكوته ليس من خلقه جل وعلا .

خاتمة :

وبعد فهذا عرض موجز لأركان الإيمان أركان العقيدة الصحيحة ، وهو يحتاج منك أيها المستمع العزيز أن تُقبل على تعلمه ، وأن تقبل على فهمه . ولهذا الاعتقاد كما رأيت ثمرات في صحة عملك ، ثمرات في صحة إخباتك لربك ، ثمرات في عبوديتك لربك .

وأيضا له ثمرات ليس في حياة الفرد بل في حياة المجتمع بعامة ، بل وفي الأمم في الدول . فأمة الإسلام لما آمنت بهذا حقيقة وحكمة صارت العقيدة مؤثرة في حياتها فكان من حالها الأول ما كان عليه أهلها .

ويجب علينا اليوم أفرادا ومجتمعات أن نحقق العقيدة الإسلامية في أنفسنا ، بأن نتعلَّمها أولا علما بيِّنا بأدلتها ، وألا نتردد ولا نرتاب في تحقيقها في أنفسنا ، لتظهر ثمرات العقيدة الصحيحة في أنفسنا وفي بيوتنا وفي مجتمعاتنا ، فإن في ذلك الطمأنينة والعلم والنور الذي تراه ﴿ أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأحْيَيْنَاهُ ﴾ [ سورة الأنعام : الآية 122 ]يعني بالعقيدة أحييناه وبالإيمان الصحيح ، ثم قال تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴾ لا شك لا يستوي هذا وهذا ﴿ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [ سورة السجدة : الآية 18 ] هذا هو الجواب . لا يستوى المؤمن مع غيره .

وفي الختام أحض السادة المستمعين على الاعتناء بالعقيدة ، وعلى أن يكون للعقيدة ثمرة في حياتهم وألا تكون العقيدة مجرد أمور عقلية ، بل لا بد أن يكون لها أثرها في النفس .

وأسأل الله -جلا وعلا- أن يثبت قلوبكم ، وأن يَمن علينا بحسن الاتباع والعمل بما علمنا . اللهم نسألك أن تغفر لنا جميعا .

الخطبة الثّانية:

الحمد للهِ الَّذي خَلَقَ فَسَوَّى وَقَدَّرَ فَهَدَى , وخلق الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنثَى ,مِنْ نُطْفَةٍ إذَا تُمْنَى , القائل في كتابه العزيز: يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 49\13] . وأشْهد أنْ لاإله إلا اللهُ وحْدَهُ لا شَرِيك لهُ.وأشْهدُ أنَّ مُحَمَّداً عبْدُهُ ورَسُولُهُ , القائل في حديثه الشّريف: “إنما النساء شقائق الرجال” (رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم) صلّى الله عليه وعلى آله وصَحْبِهِ وأولي الْمَناقِب والنُّهَى وسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً .

أمَّا بعد,

فعباد الله, احتفلت الأمم المتّحدة باليوم العالمي للبنت

(INTERNATIONAL DAY OF THE GIRL CHILD) في 11, أكتوبر, كعادتها السّنويّة, وموضوع هذه السّنة: تقدُّمُ البنات: تقدُّمُ الأَهداف

 “GIRLS’ PROGRESS= GOALS’ PROGRESS .

فإن موضوع المرأة و دورها في المجتمع من الموضوعات التي كثرت حولها الكتابات والمناقشات في هذا العصر الموصوف بالانفتاح و التقارب ، و تتابين هذه الكتابات إلى نقطة التضاد أحيانا ، و هي تتمحور حول ثلاث مجموعات :

* المجموعة الأولى : هي التي تريد أن تفرض على المرأة المسلمة التقاليد الغربية ؛ بما فيها فساد و تحلل من القيم الدينية، و انحراف عن سواء الفطرة، و بعد عن الصراط المستقيم ، و هم بذلك يريدون من المرأة المسلمة أن تتتبـع سنن المرأة الغربية ” شبرا بشبـر و ذراعا بذراع ” كما صور الحديث النبـوي، حتى لو دخلت جحر ضب لدخلته وراءها ، على ما في جحر الضب من الالتواء و الضيق و سوء الرائحة ، و مع ذلك لو دخلته المرأة الغربية لدخلته المرأة المسلمة بعدها.

* المجموعة الثانيـة : هي التي ولدتها ظروف التخلف و الإدبار الحضاري للعالم الإسلامي فبالغ أصحاب هذه المجموعة في المحافظة على المرأة فأحاطوها بأنواع من الأعراف والتقاليد حتى حجبت عن الحياة العامة، وأرادوا لها عدم الحركة وعدم الاهتمام بما يدور حولها.

* المجموعة الثالثة : هي التي تسلك وسطية الإسلام في قضية المرأة ودورها، فآمنت بوحدة النوع الإنساني و أعطت كل نوع ما يجيـده ، و راعت ضرورة مشاركة جميع أبناء المجتمع الإسلامي إما بشكل مشاركة مباشرة أو غير مباشرة . فلم يأخذ هذا التيار الوسطي الإسلامي من التيار المادي الفردي الرافض للقيم و الأخلاق و المتاجـر بجسد المرأة أكثر من الانتفـاع من فكرها و علمها ، كما لا يأخذ من التيـار التقليدي الذي لا يرى من المرأة سوى زهرة جميلة ينبغي أن تصان في أماكن دافئة بعيـدة عن الحركة والانفتاح و التفكير و الاهتمام بهموم المجتمع .

الدّعاء:

 اللهم اغفر لنا ولوالدينا ، ولأحبابنا جميعا ، اللهم طهرنا من الذنوب والآثام ، وأرفع درجتنا ، فإن صفتك يا ربي المغفرة والرحمة وصفتنا التقصير والمعصية ، اللهم فاغفر لنا جما ، وارحمنا رحمة واسعة واجعلنا من الذين رضيت عنهم فأرضيتهم يا كريم . نعوذ بك أن نَضل بعد الهدى ، أو أن نزيغ بعد ما جاءنا من البينات والهدى . اللهم نسألك أن تصلحنا وتصلح مجتمعاتنا . اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحب وترضى . اللهم أجعل ما يستقبلونه من الأيام في الأمن والإيمان والهدى ونصرة الدين والشريعة خيرا مما خلفوه واجعلنا وإياهم من الذين يرتفعون كل يوم في درجات الإيمان يا كريم . اللهم وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل الطاعة ، ويعافى فيه أهل الغفلة والمعصية ويؤمر فيه بالمعروف ، وينهى فيه عن المنكر . اللهم وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

Leave a Reply