CLICK HERE TO DOWNLOAD

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخُطْبة الرّابِعَة لِشَهْرِ ذِي الْقَعْدَة بتأريخ 23\11\1437هــ-26\8\2016م

حَوْلَ: عَشْرِ ذِي الْحِجَّة: فَضْلُهَا والْعَمَلُ فِيهَا

الحمد لله الذي خلق الزمان وفضّل بعضه على بعض فخصّ بعض الشّهور والأيّام والليالي بمزايا وفضائل يُعظم فيها الأجر، ويَكثر الفضل رحمة منه بالعباد ليكون ذلك عْوناً لهم على الزيادة في العمل الصالح والرغبة في الطاعة، وتجديد النشاط ليحظى المسلم بنصيب وافر من الثواب، فيتأهب للموت قبل قدومه ويتزود ليوم المعاد. الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: “والْفَجْرِ(1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ والْوَتْرِ (3) وَالَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4)…” نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , إِنَّهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يَضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ, أَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, بَلَّغَ الرِّسَالَة وأدَّى الأمَانَة وَنَصَحَ لِلْأُمَّة وَكَشَفَ اللهُ بِهِ الْغُمَّة وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ رَبِّهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ, الْقَائِلِ فِي حَجِيثِهِ الشَّرِيفِ: «ما من أيّام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيّام العشر. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله !! قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلاّ رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء» [أخرجه البخاري 2/457].

أمّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ هِيَ نَصِيحَةٌ إلهيّة لِكُلِّ مُؤمِنٍ يَرجُو لِقَاءَ ربِّهِ البرِّ الرّحِيم يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون, إلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ, حَيْثُ يَقُولُ سُبْحانَهُ وَتَعَالَى:

“يَا أيُّهَا الّذِين ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ” [آل عمران:3\102]  ,

“يَا أيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً ونِساءَ وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تساءَلُونَ بِهِ والْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً” [النِّساء: 4\1].

“يَا أيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُم وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوزاً عظِياً”

إِخْوَةَ الإِيمَانِ, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الرَّابِعُ فِي شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ , ثَانِي أشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ لِلْحَجِّ, بَلْ نَحْنُ فِي أوَاخِرِ هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ, ونَتَقَارَبُ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّة , ثَالِثِ أَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ, الّذِي فِيهِ , يَوْمَ عَرَفَة, يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ, وَقَدْ أثْنَى اللهَ وَرَسُولَهُ عَشْرَ ذِي الْحَجَّة, فبالنّسبة للهِ تعالى, فِي صَدْرِ سُورَة الفجر, وَفِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُور سَابقاً, ذَكَرَ الرّسول- صَلّى اللهُ عليه وسلّم- فَضْلَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي هَذِهِ الأيَّام. فَمَوْضُوعُ خُطْبَتِنَا اليَوْم يَدُورُ حَوْلَ:                     

عشر ذي الحجة.. فضلها والعمل فيها:

ومن فوائد مواسم الطاعة سدّ الخلل واستدراك النقص وتعويض ما فات، وما من موسم من هذه المواسم الفاضلة إلاّ ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف الطاعة يتقرب بها العباد إليه، ولله تعالى فيها لطيفة من لطائف نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيّام والساعات وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من طاعات فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النّار وما فيها من اللفحات. (ابن رجب في اللطائف ص 40))

فعلى المسلم أن يعرف قدر عمره وقيمة حياته، فيكثر من عبادة ربّه، ويواظب على فعل الخيرات إلى الممات.

قال الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]

قال المفسرون: “اليقين: الموت”

ومن مواسم الطّاعة العظيمة العشر الأول من ذي الحجة التي فضّلها الله تعالى على سائر أيّام العام فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أيّام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله منه في هذه الأيّام العشر. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله !! قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلاّ رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء» [أخرجه البخاري 2/457]

وعنه أيضاً رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عمل أزكى عند الله عز وجل، ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى. قيل: ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل إلاّ رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» [رواه الدارمي 1/357 وإسناده حسن كما في الإرواء 3/398]

فهذه النصوص وغيرها تدلّ على أنّ هذه العشر أفضل من سائر أيّام السنة من غير استثناء شيء منها، حتى العشر الأواخر من رمضان. ولكنّ ليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل لاشتمالها على ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، وبهذا يجتمع شمل الأدلة. (أنظر تفسير ابن كثير 5/412)

واعلم – يا أخي المسلم – أنّ فضيلة هذه العشر جاءت من أمور كثيرة منها:

– أنّ الله تعالى أقسم بها: والإقسام بالشيء دليل على أهميته وعظم نفعه، قال تعالى: {وَالْفَجْرِ(1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ(2)} [الفجر:1-2]. قال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف: “إنّها عشر ذي الحجة”. قال ابن كثير: “وهو الصحيح”. (تفسير ابن كثير8/413).

– أنّ النبي صلى الله عليه وسلم شهد بأنّها أفضل أيّام الدنيا كما تقدّم في الحديث الصحيح

– أنّه حث فيها على العمل الصالح، لشرف الزمان بالنسبة لأهل الأمصار، وشرف المكان – أيضاً – وهذا خاص بحجاج بيت الله الحرام.

– أنّه أمر فيها بكثرة التسبيح والتحميد والتكبير كما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مامن أيّام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد». [أخرجه احمد 7/224 وصحّح إسناده أحمد شاكر.]

– أنّ فيها يوم عرفة وهو اليوم المشهود الذي أكمل الله فيه الدّين وصيامه يكفّر آثام سنتين، وفي العشر أيضا يوم النحر الذي هو أعظم أيّام السنّة على الإطلاق وهو يوم الحجّ الأكبر الذي يجتمع فيه من الطّاعات والعبادات ما لا يجتمع في غيره.

أنّ فيها الأضحية والحج

في وظائف عشر ذي الحجة:

إنّ إدراك هذا العشر نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على العبد، يقدّرها حق قدرها الصالحون المشمّرون. وواجب المسلم استشعار هذه النعمة، واغتنام هذه الفرصة، وذلك بأن يخص هذا العشر بمزيد من العناية، وأن يجاهد نفسه بالطاعة. وإنّ من فضل الله تعالى على عباده كثرة طرق الخيرات، وتنوع سبل الطاعات ليدوم نشاط المسلم ويبقى ملازماً لعبادة مولاه.

فمن الأعمال الفاضلة التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها في عشر ذي الحجة:

الصيام:

فيسن للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة. لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم حث على العمل الصالح في أيّام العشر، والصيام من أفضل الأعمال. وقد اصطفاه الله تعالى لنفسه كما في الحديث القدسي: «قال الله عزّ وجل: كل عمل بني آدم له إلاّ الصيام فإنّه لي وأنا أجزي به» [أخرجه البخاري 1805 ]]

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة. فعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيّام من كل شهر، أول اثنين من الشهر وخميسين» [أخرجه النسائي 4/205 ] وأبو داود وصححه الألباني في صحيح أبي داود 2/  462]]

التكبير:

فيسن التكبير والتحميد والتهليل والتسبيح أيّام العشر. والجهر بذلك في المساجد والمنازل والطرقات وكل موضع يجوز فيه ذكر الله إظهاراً للعبادة، وإعلاناً بتعظيم الله تعالى

ويجهر به الرجال وتخفيه المرأة

قال الله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج : 28]

والجمهور على أنّ الأيّام المعلومات هي أيّام العشر لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما: “الأيّام المعلومات: أيّام العشر”، وصفة التكبير: ((الله أكبر، الله أكبر لا إله إلاّ الله، والله أكبر ولله الحمد))، وهناك صفات أخرى:

والتكبير في هذا الزمان صار من السنن المهجورة ولا سيما في أول العشر فلا تكاد تسمعه إلاّ من القليل، فينبغي الجهر به إحياء للسنة وتذكيراً للغافلين، وقد ثبت أنّ ابن عمر وأبا هريرة رضي الله عنهما كانا يخرجان إلى السوق أيّام العشر يكبران ويكبر النّاس بتكبيرهما، والمراد أنّ النّاس يتذكرون التكبير فيكبر كل واحد بمفرده وليس المراد التكبير الجماعي بصوت واحد فإنّ هذا غير مشروع.

إنّ إحياء ما اندثر من السنن أو كاد فيه ثواب عظيم دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإنّ له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً» [أخرجه الترمذي 7/443] وهو حديث حسن لشواهده

أداء الحج والعمرة:

إنّ من أفضل ما يعمل في هذه العشر حج بيت الله الحرم، فمن وفقه الله تعالى لحج بيته وقام بأداء نسكه على الوجه المطلوب فله نصيب – إن شاء الله – من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة”

الإكثار من الأعمال الصالحة عموما:

لأنّ العمل الصالح محبوب إلى الله تعالى وهذا يستلزم عِظَم ثوابه عند الله تعالى. فمن لم يمكنه الحجّ فعليه أن يعمر هذه الأوقات الفاضلة بطاعة الله تعالى من الصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، والصدقة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من طرق الخير وسبل الطاعة.

الأضحية:

ومن الأعمال الصالحة في هذا العشر التقرب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي واستسمانها واستحسانها وبذل المال في سبيل الله تعالى.

التوبة النصوح:

ومّمّا يتأكد في هذا العشر التوبة إلى الله تعالى والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب. والتوبة هي الرجوع إلى الله تعالى وترك ما يكرهه الله ظاهراً وباطناً ندماً على ما مضى، وتركا في الحال، وعزماً على ألاّ يعود والاستقامة على الحقّ بفعل ما يحبّه الله تعالى.

والواجب على المسلم إذا تلبس بمعصية أن يبادر إلى التوبة حالاً بدون تمهل لأنّه:

أولاً: لا يدري في أي لحظة يموت

ثانياً: لأنّ السيئات تجر أخواتها

وللتوبة في الأزمنة الفاضلة شأن عظيم، لأنّ الغالب إقبال النفوس على الطاعات ورغبتها في الخير فيحصل الاعتراف بالذنب والندم على ما مضى. وإلاّ فالتوبة واجبة في جميع الأزمان، فإذا اجتمع للمسلم توبة نصوح مع أعمال فاضلة في أزمنة فاضلة فهذا عنوان الفلاح إن شاء الله. قال تعالى: {فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} [القصص: 67]

فليحرص المسلم على مواسم الخير فإنّها سريعة الانقضاء، وليقدم لنفسه عملا صالحاً يجد ثوابه أحوج ما يكون إليه: إنّ الثواب قليل، والرحيل قريب، والطريق مُخْوِف، والاغترار غالب، والخطر عظيم، والله تعالى بالمرصاد وإليه المرجع والمآب {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)} [الزلزلة:7-  8]

الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيّام العظيمة، فما منها عِوَضٌ ولا تُقدَّر بقيمة، المبادرةَ المبادرةَ بالعمل، والعجل العجل قبل هجوم الأجل، وقبل أن يندم المفرّط على ما فعل، وقبل أن يسأل الرّجعة فلا يُجاب إلى ما سأل، قبل أن يحول الموت بين المؤمِّل وبلوغ الأمل، قبل أن يصير المرء محبوسا في حفرته بما قدَّم من عمل.

يا من ظلمة قلبه كالليل إذا يسري ، أما آن لقلبك أن يستنير أو يستلين، تعرّض لنفحات مولاك في هذا العشر فإنّ لله فيه نفحات يصيب بها من يشاء، فمن أصابته سَعِد بها يوم الدّين.

الْخطبة الثّانِيّة:

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ,  الْقَائِلِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ:”  إنَّ الْمسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرات وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَات وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَات والصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَات وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً” [الْأحزاب:33\35], نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى, وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ ونَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ؛ وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمْ عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللهِ قَاطِبَةً,  سَيِّدِ الْعَرَسِ والْعَجَمِ, أوَّلِهِم وآخِرِهم إنسِهِم وجِنِّهِم ذُكُورِهِم وإنَاثِهِم؛ الْقَائِلِ فِي حَدِيثِهِ الشَّرِيفِ:“إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ”  (رواه أحمد وأبو داود والتِّرمذِي والدّارمي). سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.

أَمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, إنَّ الْأُمَمَ الْمُتَّحِدَة تَحْتَفِلُ اليَوم بيوم النِّسَاء العالَمي-كعادتها السّنويّة- فِي كُلِّ 26-أوغسطس, فَإِنَّنَا نَرَى أَنَّهُ مِنَ الْمُسْتَحْسَن, أنْ نتحدَّثَ فِي هَذَا الْوَقْتِ عَنِ الإسْلام والْمَرأةِ, هَلْ لِلْمرأةِ أيّ مكانة فِي الإسلام أم لا؟, هَلْ كَرّمَ الإسْلامُ الْمَرْأة أم لا؟. وهل هناك إهانة أو تحقير لِلْمَرْأة فِي الإسلام أم لا؟.                                                                                                                    

مِنْ صُوَرِ تَكْرِيمِ الإسلامِ لِلْمَرْأَة:

أ-لقد رفع الإسلام مكانة المرأة، وأكرمها بما لم يكرمها به دين سواه؛ فالنساء في الإسلام شقائق الرجال، وخير الناس خيرهم لأهله؛ فالمسلمة في طفولتها لها حق الرضاع، والرعاية، وإحسان التربية، وهي في ذلك الوقت قرة العين، وثمرة الفؤاد لوالديها وإخوانها.قال رسول اللهِ صَلّى الله عليه وسلّم: “خَيْرُكُم خَيْرُكُم لِأهْلِهِ وأنَا خَيْرُكُم لِأَهْلِي”

(رواه ابن ماجه , والْحاكم).

ب-وإذا كبرت فهي المعززة المكرمة، التي يغار عليها وليها، ويحوطها برعايته، فلا يرضى أن تمتد إليها أيد بسوء، ولا ألسنة بأذى، ولا أعين بخيانة.

ج-وإذا تزوجت كان ذلك بكلمة الله، وميثاقه الغليظ؛ فتكون في بيت الزوج بأعز جوار، وأمنع ذمار، وواجب على زوجها إكرامها، والإحسان إليها، وكف الأذى عنها.فقد قال تعالى:“وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوف” [النِّسَاء:4\19]

د-وإذا كانت أُمّاً  كان برُّها مقروناً بحق الله-تعالى-وعقوقها والإساءة إليها مقروناً بالشرك بالله، والفساد في الأرض.

هـ-وإذا كانت أختاً فهي التي أُمر المسلم بصلتها، وإكرامها، والغيرة عليها.

و-وإذا كانت خالة كانت بمنزلة الأم في البر والصلة.

ز-وإذا كانت جدة، أو كبيرة في السن زادت قيمتها لدى أولادها، وأحفادها، وجميع أقاربها؛ فلا يكاد يرد لها طلب، ولا يُسَفَّه لها رأي.

ح-وإذا كانت بعيدة عن الإنسان لا يدنيها قرابة أو جوار كان له حق الإسلام العام من كف الأذى، وغض البصر ونحو ذلك. وقَال تعالى: “وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ, يَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ, أُولَئكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” [التّوبَة:9\71].

وما زالت مجتمعات المسلمين ترعى هذه الحقوق حق الرعاية، مما جعل للمرأة قيمة واعتباراً لا يوجد لها عند المجتمعات غير المسلمة.

ط-ثم إن للمرأة في الإسلام حق التملك، والإجارة، والبيع، والشراء، وسائر العقود، ولها حق التعلم، والتعليم، بما لا يخالف دينها، بل إن من العلم ما هو فرض عين يأثم تاركه ذكراً أم أنثى. وقال تعالى: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكتَسَبْنَ” [النِّسَاءِ:4\32].

بل إن لها ما للرجال إلا بما تختص به من دون الرجال، أو بما يختصون به دونها من الحقوق والأحكام التي تلائم كُلاً منهما على نحو ما هو مفصل في مواضعه. وقال تعالى:“وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى(3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى” [اللَّيْل:92\3-4]. وقال تعالى: “…وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى…” [آل عمران:3\36].

ي-ومن إكرام الإسلام للمرأة أن أمرها بما يصونها، ويحفظ كرامتها، ويحميها من الألسنة البذيئة، والأعين الغادرة، والأيدي الباطشة؛ فأمرها بالحجاب والستر، والبعد عن التبرج، وعن الاختلاط بالرجال الأجانب، وعن كل ما يؤدي إلى فتنتها. فقال تعالى:“وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا…[النّور:24\31].

ومن إكرام الإسلام لها: أن أمر الزوج بالإنفاق عليها، وإحسان معاشرتها، والحذر من ظلمها، والإساءة إليها. وقال تعالى:“… وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالهِمْ…” [النّساء:4\34]. وَقَالَ تَعَالَى: “…وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ…” [البقرة:2\232].

بل ومن المحاسن-أيضاً-أن أباح للزوجين أن يفترقا إذا لم يكن بينهما وفاق، ولم يستطيعا أن يعيشا عيشة سعيدة؛ فأباح للزوج طلاقها بعد أن تخفق جميع محاولات الإصلاح، وحين تصبح حياتهما جحيماً لا يطاق.

وأباح للزوجة أن تفارق الزوج إذا كان ظالماً لها، سيئاً في معاشرتها، فلها أن تفارقه على عوض تتفق مع الزوج فيه، فتدفع له شيئاً من المال، أو تصطلح معه على شيء معين ثم تفارقه…

الدُّعَاءُ:

اللهمَّ أكْرِمْنَا وَلاَ تُهِنَّا, وَأَعْطِنَا وَلاَ تَحْرُمْنَا , وَزِدْنَا وَلاَ تَنْقُصْنَا, وَآثِرْنَا وَلاَ تُؤثِرْ عَلَيْنَا, وَارْضَ عَنَّا وَأَرْضِنَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْ كَلْمَةَ الْإِسْلامِ هِيَ الْعُلْيَا, وَاجْعَلْ كَلْمَةَ أَعْدَاءِ الإِسْلامِ هِيَ السُّفْلَى.

اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَعْدَائِكَ أَعْدَاءِ الْإِسْلامِ , اللَّهُمَّ إنَّا نَدْرَأُ بِكَ فِي نُحُورِهِم, وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ , اللّهُمَّ رُدَّ عَنَّا كَيْدَهُمْ , وَأَذْهِبْ عَنْ أَرْضِكَ سُلْطَانَهُمْ , وَلاَ تَدَعْ لَهُمْ سَبِيلاً عَلَى أحَدٍ مِنْ عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ.

اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا , وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ , وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ , وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ . اللَّهُمّ تَقَبَّلْنَا فِي جُنْدِكَ الصَّادِقِينَ , وَحِزْبِكَ الْغَالِبِينَ , وَأَدْخِلْنَا بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.

اللّهُمَّ أَعْلِ بِنَا كَلْمَةَ الْإِسْلامِ , وَارْفَعْ بِنَا رَايَةَ الْإِسْلامِ. اللّهُمَّ أيِّدْ إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِينَ فلسطين, وَأيِّدْ إخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِين فِي أفغانِستان, وَأيِّد إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِين فِي مِصْرَ, وَأيِّدْ إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِين فِي تُركيا, وأيِّدْ إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِينَ فِي نَيْجِيريا. وَأَيِّدْ إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِينَ فِي بِلادِ الإِسْلامِ حَيْثُمَا كَانُوا.

“…رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ” [آل عمران:3\137], “..رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانَنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوف رَّحِيمٌ” [الحشر: 59\10].

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ , وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *