الأخلاق ودورها في صلاح الفرد والمجتمع

CLICK HERE TO DOWNLOAD

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الرّابعة لشَهْرِ مُحرّم بتأريخ 27\1\1438هـ-28\10\2016م

حول: الْهجْرة النّبويّة وبناء المجتمع:(3) الأخلاق ودورها في صلاح الفرد والمجتمع

الْحمد للهِ رَبِّ الْعالمِين , الغفور الرّحيم , المعِزِّ الْمُغنِي , البَرِّ اللَّطِيفِ الْخَبير, الّذِي مَدَحَ حبيبَهُ الْمُصْطَفَى  ﷺ بِخُلُقٍ عَظِيمٍ, الْقَائِلِ فِي تَنْزِيلِهِ الْكَرِيمِ: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4], نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وتعالى وَنَشْكُرُهُ , ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَهْديه , وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ , وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئاتِ أعْمَالِنَا ؛ إنَّهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ؛. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، القائِل فِي حديثِهِ الشَّريف: “إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلاقِ” اللَّهمّ صَلِّ  عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.

أَمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, ظَاهِراً وَبَاطِناً عَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ {آل عمران:3\102}.

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ {النِّساء:4\1}.

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ {الأحزاب:33\70-71}.

إخْوَتِي في اللهِ, هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الرَّابِعُ وَالأَخِيرُ فِي شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ, وَنَحْنُ عَلَى الْمَوْضُوعِ الرَّئِيسِي وتَحْتَهُ سَلاسِلٌ قيّمة نَفِيسة أي : الْهِجْرَة النّبويَّة وَبِنَاءُ الْمُجْتَمَعِ. وَقَدْ تَحَدَّثْنَا تَحْتَ الْمَوْضُوعِ عَنْ : دَوْر الْعَقِيدَةِ الإِسْلامِيّة وَأَثَرِهَا فِي بِنَاءِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ وَ الْعِبَادَة وأثَرهَا فِي إِصْلاحِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ. وَالْيَوْمَ –إنْ شَاءَ اللهُ الْمَوْلَى الْقَدِيرُ- نَسُوقُ الْحَدِيثَ إِلَى الْخُطْوَةِ الثَّالِثَةِ الّتِي هِيَ ثَمَرَةُ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلامِيَّة وَالْعِبَادَةِ الصَّحِيحَةِ الْمَقْبُولَة, أَلا وَهِي : الأخلاق ودورها في صلاح الفرد والمجتمع.

أيها المسلمون:

أكد الإسلام على أهمية الأخلاق ودورها في صلاح الفرد والمجتمع، وما لها من المكانة الرفيعة في الإسلام، ويتحدث القرآن في كثير من سُوَرِهِ وآياته عن الأخلاق وأنواعها وصفاتها، ودورها في تهذيب السلوك وتقويم النفس، وما يترب عليها من الأجر والثواب في الدار الآخرة، تأمل معي قوله تعالى ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 133، 134]، العفو والصفح عن المسيء، وكظم الغيظ عند الغضب، والإحسان إلى المخلوقين هي من أخلاق القرآن التي يجب أن يتحلى بها المسلم.

لقد مدح الله المؤمنين الصادقين بكونهم يتحلون بمكارم الأخلاق، ويتخلقون بآداب الإسلام فقال ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 63 – 67] ثم بيّن جزائهم ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان: 75، 76].

أيها المسلمون:

إن قدوتنا في الأخلاق الحسنة، والسيرة الطيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف لا وقد مدحه الله في القرآن فقال ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم:68\ 4]، وقد وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها بأن خلقة القرآن، بمعنى أن امتثال القرآن أمرًا ونهياً، وانقياداً وعملاً، وظاهرا وباطناً كان له سجية وطبعًا، وقد سئلت الصديقة بنت الصديق السيدة عائشة رضي الله عنها: كَيْفَ كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَلَا صَخَّابًا فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ)، ولما رجع من غار حراء يرتجف فؤاده وقفت السيدة خديجة في محنته، وطمئنت فؤاده، ودللت على نبوته وصدق دعوته وما يحمله من رسالة للعالمين بكونه كان صاحب خلق عظيم، وأدب رفيع، ومزايا حسنة، وسيرة كريمة فقالت رضي الله عنه له: (كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق).

معاشر الأحبة:

لقد اهتم الإسلام بقضية الأخلاق، وما لها من فضائل وفوائد، وما لها من دور في نشر الفضيلة في المجتمع. فمن فضائلها:

1-إنها أثقل شيء في الميزان، جاء في حديث أبي الدراداء -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق). وفي رواية: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء).

2-ومن فضائل الأخلاق الزكية أن صاحبها اقرب الناس إلى حبيب البرية محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في حديث جابر بن عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، الْمُوَطَّؤونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ، الْمُتَشَدِّقُونَ، الْمُتَفَيْهِقُونَ “. رواه الطبراني في مكارم الأخلاق والترمذي).

3-ومن فضائل الأخلاق الكريمة، والآداب المرعية أن صاحبها ومن يتحلى بها يدخل الجنة بسلام، ونعم الحلية لكل من أراد أن يتحلى ويتزين بالأخلاق التي توصل إلى أعالي الجنان، فعن عبدالله بن سلام رضي الله عنه قال: (لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس قبله وقيل قد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد قدم رسول الله، قد قدم رسول الله ثلاثا، فجئت في الناس لأنظر فلما تبينت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: (يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام).

أيها المسلمون الْكِرام:

لقد ربط الإسلام الأخلاق الكريمة بمعاني العقيدة السليمة كي يكتب لها الدوام والاستمرارية، وتثبت في قلب المؤمن، وحتى تؤتي أكلها وثمارها اليانعة، تأمل معي قوله تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)  تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [إبراهيم:14\ 24-25]، والشجرة كما جاء تفسيرها هي كلمة التوحيد، ممتدة في جذور الأرض، وللشجرة الفروع والسيقان والأوراق هي ما يتفرع عنها من الأخلاق الحميدة، والصفات الحسنة، وكلما كان المسلم أكثر تمسكاً وعملاً بمعاني العقيدة كان أعظم خلقًا، ولذا جاء في حديث أبي هريرة (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة. فأفضلها قول لا إله إلا الله. وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. والحياء شعبة من الإيمان).

أيها المسلمون:

لقد بين الإسلام أن الغاية من بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو تقويم الأخلاق، وتهذيبها وتصفيتها مما علق بها من شوائب وأدران فقال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فقد كان في الجاهلية الأولى بعض الأخلاق الحميدة مثل الكرم، وإقراء الضيف، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، إلا أن الإسلام قوّم تلك الأخلاق وهذبها، وربطها بمعاني اليوم الآخر، ورتب على فاعلها الأجر والثوب، ومن تلك الأخلاق التواضع، والصبر، وإعانة الجار، ونصرة المظلوم، والعفو عن المسيء.

أيها المسلون:

لقد انتشر الإسلام في ربوع المعمورة بفضل ما كان يحمله تجار المسلمين من الاخلاق الكريمة، والتعامل الحسن، وقد اسلم كثير من المشركين بمجرد أنهم شاهدوا خلق الرسول الكريم، وسمعوا سيرته الطيبة مع أنهم لم يسمعوا منه حديثا، فقد كان صلى الله عليه وسلم نموذجا يُحتذى به في الخلق مع نفسه، ومع زوجاته، ومع جيرانه، ومع ضعفاء المسلمين، ومع جهلتهم، بل وحتى مع الكافر، فقد قابله أعرابي فسأله عن نفسه فعرّفها له.. فقال الأعرابي: أنت الذي يقول عنه قومه إنه كذاب؟ قال: نعم.. قال: “لا والله ما هذا الوجه بوجه كذاب.”.

فعلينا معاشر المسلمين أن نعكس صورة الإسلام الناصعة من خلال تعاملنا، وأخلاقنا وسيرتنا بين الناس، وأن تدعوا بأخلاقنا وسلوكنا قبل كلامنا وقولنا وحديثنا، لأن الناس مجبولة على التأثر بالفعل والعمل أكثر من القول والحديث وأن لم يتغير سلوكنا وحالنا فلن يتأثر بنا أحد ولو زخرفنا القول، وأبدعنا في الكلام.

أيها الناس: إن من الأخلاق الكريمة التي يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتحلى بها هو أن يمسك لسانه ويده عن إيذاء المخلوقين، فقد جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((المسلم من سلِم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجَر ما نهى الله عنه))؛ متفق عليه.وفي حديث أبي ذر – رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: (( الإيمان بالله والجهاد في سبيله قال: قلت: أيُّ الرقاب أفضل؟ قال أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعاً أو تصنع لأخرق قال: قلت: يا رسول الله: أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكفُّ شرَّك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك)) أخرجه مسلم.

أيها الناس:

ما فائدة أن تجد المسلم محافظًا على بعض شعائر الإسلام من صلاة وصوم وزكاة، ولكنك تجده في جانب الأخلاق من صدق، ومعاملة وسلوك يخالف تعاليم الدين، ويكاد يخلو رصيده من ذلك، فيطلق لسانه في الغيبة والنميمة، وإيقاع الفتنة بين المتحابين، تجده كذاباً، لعاناً، يخاصم لساعات في الدرهم والدرهمين من أقرب الناس إليه، لا يكاد يسلم من لسانه ويده وبصره أحد من الناس، ولذا جاء عن (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ” قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: “إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ”. أخرجه أحمد)، وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم: إن فلانة تصلي الليل و تصوم النهار وفي لسانها شيء يؤذي جيرانها سليطة قال: لا خير فيها هي في النار و قيل له: إن فلانة تصلي المكتوبة و تصوم رمضان و تتصدق بالأثوار و ليس لها شيء غيره و لا تؤذي أحدا قال: هي في الجنة).

إن المسلم الصادق من أطاع الله ورسوله، والتزم بالأخلاق الكريمة، والآداب الإسلامية (فعَنْ عَائِشَةَ رضِي اللهُ عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّمَ يَقُولُ:”إنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ”.

نعم أيها المسلمون,  نحن أمة لا تعرف في قاموسها الحقد والكراهية والأنانية، منها انبثق نور العلم والهداية، ومن سمائها شع الخير والمحبة الى العالمين: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران:3\ 110].

هذا وصلوا على الحبيب المختار كما أمركم الله في القرآن حيث قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:33\ 56].

الهجرة النَّبوية هي المثل الأعلى للأخلاق المحمودة:

والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم في هجرته إلى المدينة المنوَّرة أظهر أخلاقاً إسلامية : أمثال: الصّبر على إيذاء حين صبر لمدّة 13 سنة مع اصطهدات شديدة, والأمانة حيث أمر سيّدنا على رضي الله عنه أن ينام على سريره وأن يبقى في مكّة ليردّ الأمانات على أهلها, والعفو عند المقدرة حيث عفا عن سراكة الّذي أراد قبض عليه وابتلعت الأرض  فرسه بأمر الله تعالى فدعا له الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ثلاث مرات, والتّخطيط لأمورنا الدّنيوية والدِّينية حيث خطّط الرّسول صلّى الله عليه وسلّم لهجرته قبل القيام بها تخطيطاً, ولم يأخذ الراحلة من أبي بكر مجاناً تأديباً لأمَّته ولم يأخذ أرض مسجده من أصحابها مجاناً بل اشتراها منهم تأديباً لنا, وآخا بين المهاجرين والأنصار لتعليم أمّته أهميّة الأُخُوَّة في الله وعامل أصحابه معاملة حسنة حتّى أسلموا وجوههم لطاعة الله وطاعة رسوله صلّى الله عليه وسلّم …  وما إلى ذلك من تدريب على الأخلاق الحميدة.

أقول قولي هذا أستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبو إليه إنّه هو الغفور الرّحيم.

الْخُطْبة الثَّانيّة:

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالمين, الْقَائِل في كِتَابِهِ الْعَزِيز: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:5\33], نحمده ونشكره ونؤمن به ونتوكَّلُ عليه ونصَلِّي ونسلِّمُ عَلَى منْ لا نبيَّ بَعْدَهُ سيِّدنا ومَوْلانَ مُحمَّدٍ وَعَلَى آله وصَحْبِهِ ومَنْ نَهْجَ مَنْهَجَه إلى يَوْمِ الْجَزَاء.

أمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, فإنّ خَطْفَ الْأشْخَاصِ لَجَرِيمَةٌ عَظِيمَةٌ فَجَزَاءُ فَاعِليه فِي الإسلامِ كما اتَّضَحَ لَنَا جَلِيّاً في الأية الكريمة السّابِقَة: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ … لِأنّ هؤلاء الْخاطفين يطلبون الأموال الطّائلة فداءً لأرواح الأشخاص المخطوفين وبدون هذه الأموال سيُقتَلون. إذاً, إذَا قُبِضَ عَلَى هؤلاء الخاطفين فالعذاب المناسب لجريمتهم القتل.

إخْوَةَ الإيمان, إنَّ الأمَمَ الْمُتَّحدَة حرّمت عُقُوبة الموت مهما كانت الجريمة- ظُلْماً – لِأنَّ بَعْضَ الأوطان الموصوفة  بالمتطوِّرة تستخدم عقوبة الموت حلّا لبعض الجرائم الاجتماعيّة كجريمة قتل. ومن أجْلِ هَذَا الظُلم الواضح وضُوحَ الشَّمس  أخرج رئيس غامبيا وطنه من معاملة المحكمة العالمية قائلاً: إنّ كَثيراً من قوانينها ظهر فيها ظلمٌ بل ظلماتٌ ضدَّ بلدان إفريقيا.

أيّهَا المسلمون الْكِرَام, إنّ عمليّة خطف الأشخاص إهانة للمواطنين الأعزاء, فانظُروا إلى ما فُعِلَ بِرئيس مجلس الزّكاة والوقف بولاية سوكوتو الحاج محمّد الأوّل ميدوكي- هو وزوجته وابنه- قبل إطلاق سراحه قبل أيام قليلة بعد ما فُعِل به وبأسرته خلال خطفهم.

وإضافة إلى ذلك, قد امتلئت سجون نيجيريا من المجرمين الّذين عقوبتهم الموت ولكنّ هذه العقوبات  غير منفّذة. لأنّ أمثال جرائمهم هذه ستستمرّ إذا لم تنفَّذْ عُقوباتِهَا. ولذلك نحُثُّ حكومة نيجيريا الفيدرالية والولايات أن تهتمَّ بِهَذِه القضِيّة الخطيرة.

الدّعاء:

اللّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِضِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً, وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ مَخْرَجَ, وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ رَاحَةً, وَلِكُلِّ حَزِينٍ سَعَادَةً, وَلِكُلِّ دَاعٍ بِخَيْرٍ إِجَابَةً, وَلِكُلِّ مَرِيضٍ شِفَاءَ, يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلاَصَ فِي الدَّعْوَاتِ وَالْقَبُولَ فِي الطَّاعَاتِ, وَالشُّكْرَ عِنْدَ الْخَيْرَاتِ, وَالْخُشُوعَ فِي الصَّلَوَاتِ, وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْعَثَرَاتِ, وَالصَّفْحَ عِنْدَ الزَّلَاتِ, وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ, وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ, وَالْغَلَبَةَ عَلَى الصِّعَابِ, وَالْحَمْدَ عِنْدَ الْبَرَكَاتِ, وَالتَّدَبُّرَ عِنْدَ الْآيَاتِ, وَقَضَاءَ الْحَاجَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً.

Leave a Reply