Khutba Safar:التحذير من المكاسب الخبيثة

Download Khutba here

بسم الله الرحمان الرحيم                                            

خطبة  الأسبوع  الأوّل لشهر صفر، 5 صفر 1441هـ (4 أوكتوبر 2019م)              

موضوع الخطبة : التحذير من المكاسب الخبيثة          

إن الحمد لله  الرزّاق ذي القوّة المتين  الذي يبسط الأرزاق لمن يشاء ويقدر ، وكتب الآجال سبحان ذي العزة والجلال، مصرّف الشئون والأحوال نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا ،من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي الله ،وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما إلى يوم المحشر .

أمّا بعد : فليست العبادة فقط أيها المسلم أن تدخل المسجد وتصلّي وتخشى وتبكي وتصوم وتزكي .فالعبادة أعمّ وأشمل, ومن أهمّها أن تطيب مطعمك ومشريك  وملبسك  وأثاثك ومركبك وتتحرّى الكسب الطيّب وتتحرّز من الحرام وخبيث الأموال ولذلك تتركّز خطبتنا اليوم حول التحذير من المكاسب الخبيثة.

عباد الله الكرام اتّقوا الله حقّ تقاته واعلموا أنّ بتقوى الله يجعل الله للإنسان مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكّل على الله فهو حسبه إنّ الله بالغ أمره قد جعل الله لكلّ شيء قدرًا . فمن عموم البلوى في حياة  كثير من النّاس في هذا الزّمان أنّهم لا  يبالون في مكاسبهم جاءت من أيّ طريق فيجمعون الحرام مع الحلال  مع أنّ الشرع الحنيف قد أمر بالبحث عن الحلال وتحرّيه وحذَّر من الحرام وأكله لأنّ المكاسب المحرّمة نقمة شديدة الوطأة على العبد في دنياه وأخراه ، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : “إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّبًا وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال : ياأيّها الرّسل كلوا من الطيّبات واعملوا صالحًا إنّى بما تعملون عليم ” (المؤمنون: 51) وقال : “ياأيّها الذين آمنوا كلوا من طيّبات ما رزقناكم …” ( البقرة : 172) ثمّ ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السماء يا ربّ يا ربّ ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنّى يستجاب له لذلك ؟ ” ( صحيح مسلم 1015 عن أبي هريرة رضي الله عنه). وأمر الله تعالى جموع البشر من بني آدم بقصد الحلال في المطعم وبيّن أنّ أكل  الحرام فيه طاعة للشيطان فقال تعالى : ” ياأيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيّبا ولا تتّبعوا خطواط الشيطان إنّه لكم عدوٌّ مبين ” ( البقرة : 168) .

وآكل الحرام مُحرَّم من نعيم الجنّة مهما ادّعى، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ” كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج ، وكان أبو بكر يأكل من خراجه،فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر،فقال له الغلام : تدري ما هذا ؟ فقال أبو بكر : وما هو ؟ قال : كنت نكهنت لإنسان في الجاهليّة وما أحسن الكهانة ! إلاّ أنّي خدعته ن فلقيني فأعطاني بذلك ،فهذا الذي أكلتَ منه،فأدخل أبو بكر يده فقاء كلّ شيء في بطنه” (صحيح البخاري ) وعن الصّديق ابي بكر (رضي الله عنه وارضاه) أنّ النبيّ الكريم (صلى الله عليه وسلّم ) قال : ” لا يدخل الجنّة جسد غذي بحرام” ( الألباني في صحيح الترغيب 1730).

والمال الحرام يحبط أجور المزكّين ،بل سيكون عليهم وبالا ونكالا يوم القيامة . عن أبي هريرة( رضي الله عنه)قال النبيّ صلى الله عليه وسلّم : ” إذا أدّيت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك فيه ومن جمع مالا حراما ثمّ تصدّق به لم يكن له فيه أجرٌ وكان إصره عليه ” (صحيح ابن حبان 3216). فإنّ الإنسان إذا خلّف مالاً حرامًا فإنّه سيكون زاده إلى النّار،عن ابن مسعود رضي الله عنه قال، قال النبي الكريم (صلى الله عليه وسلّم) : ” إنّ الله قسّم بينكم اخلاقكم كما قسّم بينكم أرزاقكم وإنّ الله يعطي الدّنيا من يحبّ ومن لا يحبّ ولا يعطي الدّين إلاّ من يحبّ ،فمن أعطاه الله الدّين فقد أحبه …”   (المنذر في الترغيب والترهيب 3/19) .

وهناك صور من المكاسب الخبيثة منها : – أوّلاً- أكل أموال النّاس بالباطل : هذا أن طريق الغصب أو الغلبة والقوّة أو عن طريق القضاء في المحاكم بشهادة مزوّرة أو خلافة . قال تعالى : “ يا أيّها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ ان تكون تجارة عن تراض منكم ” ( النساء : 29). وقال تعالى : ” ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكّام لتأكلوا فريقا من أموال النّاس بالإثم وأنتم تعلمون ” (البقرة : 188)  عن ابن عبّاس (رضي الله عنهما ) قال : ” هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة فيجحد المال ويخاصمهم إلى الحكّام ، وهو يعرف أنّ الحقّ عليه، وقد علم أنّه آثم ، آكل حرامٍ” ( الدّر المنثور).

ثانيًا-  سرقة المال العام : فالمال العام أعظم خطرا من المال الخاص الذي  يمتلكه أفراد أو هيئات محدّدة. فالسّارق له سارق للأمّة لا لفرد بعينه،فإذا كان سارق فرد محدّد مجرمًا تقطع يده إن كان المسروق من حرز وبلغ ربع دينار فصاعدًا، فكيف بمن يسرق  أموال الأمّة ويبدّد ثرواتها او ينهبها ؟ كيف تكون صورته في الدّنيا وعقوبته في الآخرة  ؟ !

ثالثًا- الغش والتّدليس : من صور أكل المال الحرام هو غش النّاس والتّدليس عليهم في المعاملات كمن يجعل طيب الطّعام في الأعلى والرديء في الأسفل او الجديد في الأعلى والقديم في الأسفل  أو الكبير في الأعلى والصّغير في الأسفل . وهذا لا يجوز شرعًا ولا عرفًا ،وهو الغش المتداول بين النّاس اليوم . فعن أبي هريرة (رضي الله عنه ) أنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم) مرّ على صبرة طعامٍ فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا ،فقال : ما هذا يا صاحب الطّعام ؟ قال : ” أصابته الطّعام يا رسول الله ” قال : ” أفلا جعلته فوق الطّعام كي يراه النّاس ..من غشّنا فليس منّا ” ( مسلم) فاتّقوا الله أيّها التّجار وبيّنوا عيوب السّلع للنّاس قبل بيعها، والله هو الرّزاق ذو القوّة المتين.

رابعًا –  أخذ الرشوة : لقد لُعن أهلها والمتعاملين بها فعن عبد الله بن عمرو (رضي الله عنهما) قال : “ لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الرّاشي والمرتشي ” ( التّرمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد ) وكم من موظّفين اليوم من لا يخاف الله ولا يخشاه ، فتراه آكلا للمال الحرام،متعاطي الرّشوة مع كونه سبب لزعزعة الأمن ومجلبة للضعف والخور وهلاك ودمار وتدمير الحقوق وفساد المجتمع.فعن عمرو بن العاص (رضي الله عنه ) قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) يقول : “ ما من قوم يظهرفيهم الرّبا إلاّ أخذوا بالسنة-القحط والجدب-وكما من قوم يظهر فيهم الرشا –الرشوة-إلاّ اخذوا بالرّعب” (أحمد) وها هي مجتمعاتنا اليوم تعاني تبعات أكل المال الحرام من ويلات مهلكة وقحط وجدب ، فقد منعت الأرض خيراتها مع كثرة نزول المطر فاتّقوا الله واحذروا أسباب سخط الله وغضبه.

فمن الأجدر بالذكر –عباد الله الكرام- الآثار المترتّبة من أكل الحرام على الفرد والمجتمع منها : –

1- منع استجابة الدّعاء :فذلك لحديث مروي عن أبي هريرة ذكر فيه رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السّماء : يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام ، وغذي بالحرام،فأنّى يستجاب له ؟.

2- ظلمة القلب وكسل الجوارح عن الطّاعة : .قال ابن عبّاس رضي الله عنهما :”إنّ للحسنة نورًا في القلب ، وضياء في الوجه ،وقوّة في البدن وزيادة في الرزق، ومحبّة في قلوب الخلق، وأنّ للسيّئة سواد في الوجه ،وظلمة في القلب ووهنًا في البدن ، ونقصًا في الرّزق وبغضًا في قلوب الخلق” ( الدّاء والدّواء لابن القيّم ) .

3- العقوبة  بالنار في القيامة :فعن أبي بكر الصّديق (رضي الله عنه) عن النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) قال : “من نبت لحمه من السّحت فالنّار أولى به” (الطّبراني والبيهقي والحاكم واللفظ له) والسّحت : الحرام الذي لا يحلّ كسبه لأنّه يسحت البركة: أي يذهبها،والسّحت من الإهلاك والاستئصال” وفي الخبر أنّه مكتوب في التوراة : “من لم يبالي من أين مطعمه لم يبالي الله من أيّ أبواب النّيران أدخله“(إحياء علوم الدّين ) وفي مقابل من ذلك أنّ من أكل حلالاً وجبت له الجنّة  فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : ” من أكل طيّبًا وعمل في السّنّة وأمن النّاس بوائقه دخل الجنّة “(الطّبراني والتّرمذي والحاكم).

نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا حلالا طيّبًا من فيض كرامته وبركته فاستغفروه إنّه كان غفّارًا.

الخطبة الثّانية

الحمد لله ربّ العالمين  القائل في محكم تنزيله  :”ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنّة يأتيها رزها رغدًا من كلّ مكان فكفرت بأنعم الله فاذاقها الله لباس الخوف بما كانوا يصنعون ” ( النحل :112) عباد الله المستمعون الكرام لم يزل الشعور بنا مع وطننا نيجيريا الحبيب لمناسبة ذكرى العام التاسع والخمسين من الاستقلال .

 فالواقع أنّنا –معما بلغت الدّولة من العمر – نشتكي من غلاء الأسعار وفقدان الأمن والخوف من الاختطاف على رغم  ما نملك  من  كلّ ما تسع من الممتلكات. والدّولة تمتاز بالثروات الشعبيّة والموارد الطّبيعية  للتقدّم والازدهار،ومع ذلك نشتكى من الجوع بين أظهر الطعام والعورة مع توفير الأكسية والمرض مع الغمر في الأدوية  .فما العلّة في عدم الانتفاع واستثمار ممّا نملك سوى فقدان التقوى وعدم عزو الأمور إلى من له الأهلية لقضائها ” ألآ يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير …” (الملك 14) وقال تعالى :”ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتّقوا لفتحنا عليهم بركات من السّماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون  “(الأعراف 96)  “ففرّوا إلى الله إنّي لكم منه نذير مبين” (الذاريات 50)

اللهمّ أعزّ الإسلام والمسلمين وأذلّ الشرك والمشركين ، وأنصر عبادك المؤمنين واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين . اللّهمّ أمنّا في أوطاننا  وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا،اللهمّ وفّق ولاة أمور المسلمين لهداك واجعل عملهم في رضاك ،واجعلهم رحمة على عبادك المؤمنين . اللهمّ وفّق ولاة أمورنا لما تحبّ وترضى وخذ بهم للبرّ والتّقوى ، اللهمّ هيّئ لهم البطانة الصّالحة واصرف عنهم بطانة السوء .أللهمّ أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمورنا وأصلح لنا دنيانا الذي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كلّ خير واجعل الموت راحة لنا من كلّ شرّ ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار .

Leave a Reply

Open chat
Chat