صِفات عِبَاد الرّحمن : (4) الْخَوْفُ مِنَ النَّارِ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخُطبة الرَّابِعة لشهر جُمادَى الأُولى بتأريخ 23\5\1439هــ-9\2\2018م

حول : صِفات عِبَاد الرّحمن : (4) الْخَوْفُ مِنَ النَّارِ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ , الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان:25\63-66] , نَحمده ونستعينه ونستغفره , ونعُوذُ باللهِ تعالَى مِنْ شُرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا , مَنْ يهده اللهُ فلا مُضلَّ له , ومن يضلل فلا هادي له , ومن لم يجعَل لهُ نُوراً فما لهُ مِنْ نُورٍ . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , خصَّنا بخير كِتابٍ أنزل , وأكرمنا بخير نبيٍّ أرسل , وجَعَلَنَا بالإسلام خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِجتْ للنَّاسِ , نأمُرُ بِالمَعرُوف ونَنهَى عن المُنكَرِ , ونُؤمِنُ باللهِ , وأتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَة بأَعْظَمِ دِينٍ شَرَّفَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ : دِين الإِسْلام : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائِدة:5\3] , وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:2\85]. 

وأشهد أنَّ مُحمّداً عَبْدُهُ ورسُولُه , أدَّى الأمانة , وبلَّغ الرِّسالةَ , ونَصَحَ لِلْأُمَّة , وجاهَدَ فِي اللهِ حقَّ جِهَادِهِ , وَتَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءَ , عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحَة الْغَرَّاء , لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا , لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلّا هَالِكٌ , فَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً , وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً . اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ , وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ , وأحْيِنَا اللهُمَّ عَلَى سُنَّتِهِ , وأَمِتْنَا عَلَى مِلَّتِهِ , وَاحشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ , مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء والصَّالِحِين , وَحَسُنَ أولَئِكَ رَفِيقاً.

أمَّا بَعْدُ , 

فَعِبَادَ اللهِ , أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجلَّ طِبْقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب :33\70-71] .

إِخْوَةَ الإِيمَان , هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الرّابع لشهر جُمادى ولا نزال على صفات عبادِ الرّحمن وقد عالجنا ثَلاثَ صِفاتٍ وهي : التّواضع والْحِلم وقِيام اللّيْلِ والْيَوْمَ –إنْ شَاء اللهُ الْمَوْلَى الْقَدِيرُ- نُعَالِجُ الصِّفَةَ الرَّابِعَة كَمَا رَتَّبَهَا اللهُ سُبْحانَهُ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ . ألاَ وهِيَ : الْخَوْفُ مِنَ النَّارِ .

أيّها الْإخوَةُ الْمُسلِمُونَ , لا زِلْنَا نَعِيشُ مَعَ عِبَادِ الرَّحمن , مَعَ أَخْلاقِ هَؤُلاءِ , الرَّبانِيِّينَ رضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ , يَقُولُ اللهُ تَعَالَى : ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ [الفرقان:25\63-66] .

وصف اللهُ هؤلاءِ الْعِبَاد :

وصفَ حَالَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بِأنَّهُم : ﴿ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾.

ووصف حالهم مع غيرهم بأنّهم ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾

ووصف حالهم معه سبحانه وتعالى﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾

حيث يغفل الغافلون , وينام النّائمون ,ويغطون في سبات عميق , هؤلاء:﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ .

﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[الذّاريات:51\17-18]. 

ما الّذِي دَفَعَهُمْ إلَى هَذَا ؟ .

إِنَّهُ الْخَوْفُ وَالطَّمَعُ , إِنَّهُ الرّغْبُ والرَّهْبُ , إِنَّهُ الْخَوْفُ والرَّجَاءُ , خَوْفُهُمْ مِنَ اللهِ , تَذَكُّرُهُمْ للْآخِرَة , أنَّهَا كَانت دَائِماً تجاههم , وأنَّ جَهَنَّمَ كَانت نصب أعنهم . 

لَمْ يَينسوا قَضِيَّتَهُمْ الْمَصِيريَّة الأُولَى : أنَّهُم إِلَى اللهِ صَائِرُون , أنَّهُمْ مَهْمَا عَاشَوْا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا فَإنَّهُم مَيِّتُونَ , وأنَّهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ مَبْعُوثُون , وَأَنَّهُمْ بَعْدَ الْبَعْثِ مُحَاسَبُونَ , فَإِمَّا إِلَى جَنَّةٍ , وإِمَّا إلَى نَارٍ , وَلِهَاذَا كَانتْ جَهَنَّمَ دَاءِماً أمَامَهُمْ .

لِهَذَا وَصَفَهُمْ اللهُ بِقَولِهِ : ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾ [الفرقان:25\65]  . والْغَرَامُ هُوَ : الملازم الدّائم المُقِيمُ , كُلُّ شَيْء يَزُولُ عَنْكَ فَلَيْسَ بِغَرَامٍ , إِنَّمَا الْغَرَام : مَا لَزَمَكَ وَأَقَامَ مَعَكَ . (قَال فِي (مختار الصِّحاح) : (الغرام) : الشَّرُّ الدّائِمُ والْعذَاب وقوله تعالى : 

﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾ قال أبو عُبَيْدَة : هلاكاً ولزاماً لَهُمْ ) .

﴿ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ : وأيّ مُقاماً أسوأ , وأيّ مُستقرّ أقبحَ مِنْ جَهَنَّمَ .. الدّار التي أعدَّهَا اللهُ لِلْعُصَاةِ وَالْمُكَذِّبِين مِنْ عِبَادِهِ ؟.

يَا أيّهَا النَّاسُ :

اتَّقُوا هذه النّارُ , اتّقُوا جَهَنَّم : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التّحريم:66\6].

لو كان الموْتُ نِهَايَةَ الْمَطَافِ لكان الأمرُ هيِّناً , ولكنّ الموتُ (أشدّ ما قبله وأهون ما بعده) .

هناك بعد الموت بعث , وهناك بعدَ الْبَعثِ حشْرٌ , وهناك بَعدَ الْحشْرِ مَوْقِفٌ , وَهناك بعد الموقف حِسابٌ ومِيزانٌ وصحف تتطاير , ولا تدرِي أتأخذها باليمين أم بالشِّمال ؟ ولا تدرِي إلى أين يمِيلُ لسان الميزان : إلى جانب الحسنات أو إلى جانب السّيِّئات ؟ أيثقلُ مِيزانك فتكون ممن عَيْشتُهُ رَاضِية ؟ أم يخفّ ميزانك فتكون أمّكَ هاوية ؟ ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ [القارعة:101\10-11].

هناك الموت وسكرته , هناك القبر وضمّته , هناك الموقف وزحمته , هناك الميزان ودقّته , هناك الحساب وسرعته , هناك الرّبّ وغضبته , وهناك الجنّة ونعيمها وهناك النّار ولهيبها . 

عباد الرّحمن وضعوا نصب أعينهم (جهنّم) , وكأنّها تريد أن تلفحهم , كأنّها تفتح فاها لتلتهمهم , ولذلك دعاؤهم : ﴿ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ , لأنَّ كُلَّ النَّاس وَاردٌ عليها , مارٌ بِهَا , الصِّراط فوقها , منصوب عليها , يا تُرَى أتنجو أم تسقط ؟ أتسلم أم تهلك ؟ أتمرّ عليها مرّاً سريعاً أم تختطفك الكلاليب حتّى تهوي إلى جهنّم ؟ .

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم:19\71-72] . 

كام أحد الشّباب الصّالح –ابن أبي ميسرة- يبكي إذا أوى إلى فراشه ويقول : ليت أمي لم تلدني , فقالت له أمّه : يا بنيّ إنَّ اللهَ أحسَنَ إِلَيْكَ حِينَ هداك إلى الإسلامِ , قال : ولكن يا أمّاه إنّ اللهَ أخبرنا أنّنا وَارِدُون على النّار , ولم يُخبرنا أنَّنا صادرون عنها .

كلّنا واردون على النّار , تُرَى مَنْ يَنجُو ومن لا ينجُو ؟ .

إنَّ الْمُشكِلَة أيُّها الإخوة .. مشكلة النّاس كُلّ النّاسِ : أنّ الآخرةَ بعيدة عن تفكيرهم . ﴿ ﴾

النّاس لا يفكِّرون إلا في حاضرهم .. في يومهم .. في مصالحم القريبة .. في لذّاتهم العاجلة , أمّا الغد , وما بعد الغد , فكلّ يبعده عن نفسه .. عن فكره .. عن ذهنه .. عن تصوره .. عن خياله , مع أنّ الأمر قرِيبٌ قريبٌ , وكلّ آت قريبٌ :

     كلّ امرىء مصبّح في أهله        والموت أدنى من شراك نعلِهِ !

﴿..وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ.. ﴾ [النحل:16\77]

إنّ مُشكلات الحياة تتعقّد حينما نرى النّاس كالذِّئاب , حينما نرى النّاس كالسِّباع في الغابة يأكل القويّ الضّعيف , حينما نرى النّاس كالأسماك في البحر يلتهم الكبير الصّغير , ما العلّة ؟ 

العلّة أنّ الآخرة بعيدة عنهم , أنّ النّاس لا يفكّرون إلا في دنياهم .. هذا هو الإله المعبود .

الدّنيا وما فيها أصبحت الشّغل , أصبحت أكبر همّهم ,ومبلغ علمهم , ومحور تفكيرهم ,ومدار اهتمامهم .

ولكن عباد الرحمن صنف آخر : 

إنّهم يذكرون الآخرة ويذكرون جهنّم :﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾ [الفرقان:25\65] .

روى البُخاري (في كتاب الدّعوات من صحيحه , باب : قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول : ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة ..” ) عن أنس رضي الله عنه –قال : كان أكثر الدّعاء النّبيّ صلى الله عليه وسلّم: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:2\201] , رسول اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يسأل الله تعالى أن يقيه عذاب النّار , وهو الّذي غُفر له ما تقدّم مِنْ ذنبه وما تأخّر !

وكان يعلِّم أصحابه –كما روى ابن عبّاس – هذا الدّعاء كما يعلِّمهم السُّورة من القرآن : “قُولُوا : اللهمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ , وأعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ , وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجّالِ , وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا والمَمَاتِ” (رواه مالك , ومسلم , وأبو داود , والتّرمذي , والنّسائي (المنتقى من كتاب التّرغيب والتّرهيب : 2\955 برقم 2297) ..

وهكذا كان يقولها دبرَ كُلِّ صلاةٍ في آخر التّشهُّدِ وهذا يُسَنُّ لنا أن نفعلَهُ , حتى رأى ابنُ حزمٍ وُجُوبَ هَذَا الدُّعَاءِ فِي آخِرِ كُلِّ صَلاةٍ .

لا بُدَّ أن يظَلَّ الْمُسلِمُ ذَاكِراً للنَّارِ , وما أدراكم ما النّارُ ؟ إنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يقُولُ : “نار بَنِي آدم التِي تُوقَدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ , قالُوا : يا رسُولَ اللهِ , إن كانَتْ لَكَافِية (نار الدُّنيا لَيْسَتْ هيِّنَةً فَمَنْ يَصْبِرْ عَلَى حَرِّهَا ؟) قال : فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَة وستِّين جزءاً) . (متفق على صحته من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (شرح السّنّة للبغوي بتحقيق الشاويش والأرناؤوط : 15\239 برقم 4398) .

اللّهمّ إنّا نسألك الجنَّة ونستعيذك من النَّار .

اللهمّ إنّا نسألُك الْجنَّةَ , وما قرَّب إليها من قَوْلٍ وِعَمَلٍ , ونعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إليْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ . 

نسأل الله عزّ وجلّ أن يوفِّقنا في ديننا , وأن يجعلنا من عباد الرّحمن : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزّمر:39\18].

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم , فاستغفروه وتوبوا إليه إنّه هو الغفور الرّحيم , وادعوه يستجب لكم .

الْخُطبَة الثّانِية :

 الحمد لله رَبِّ الْعَالَمِينَ, حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، الْقَائِلِ في تَنْزِيلِهِ الْعَزِيزِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:2\165], نحمده ونستعينه ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، اللهم صلّ وسلم وبارك على الحبيب المصطفى سيدنا محمد، القائل في حديثه الشّريف: ” ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِواهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))” {متّفق عليه} وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه، ومن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أمّا بَعْدُ,

فعباد الله , نُرِيدُ أَنْ نُعَالِجَ مَوْضُوعاً خَاصّاً لِقَضِيَّةِ السَّاعَةِ. وَمِنْ أجْلِ تَعْدِيلِ مَفْهُومِ أَمْرٍ مُهِمٍّ قَدْ أَسَاءَ النَّاسُ مَفَاهِيمَهُ, أَلَا, وَهُوَ الْحُبُّ, بِمُنَاسَبَةِ مَا يُسَمَّى بِعِيدِ الْحُبِّ (VALENTINE) الَّذِي يَنْعَقِدُ سَنَوِيّاً كلَّ 14,فبرايروَيَشْتَرِكُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ إِخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ جَهْلاً. 

فالحب فطرة في النفوس ، وهدي الإسلام فيه معروف ، أما ما يسمى بعيد الحب فليس من هذا الباب ، بل هو من دين النصارى ، ومقاصده فاسدة ، كما سنبين . واحتفال بعض المسلمين بعيد الحب، أو ما يسمى بيوم “فالنتاين” سببه الجهل بدينهم، واتباع سنن الأمم الكافرة حذو القذة بالقذة. 

ويحسن بنا أن نبين أصل هذا العيد المزعوم ليقف عليه كل رشيد بصير فيتبين له حكم الشرع فيه دون شك أو مداراة. فنقول :

يرجع أصل هذا العيد إلى الرومان القدماء ، فقد كانوا يحتفلون بعيد يسمى (لوبركيليا) في يوم 15 فبراير كل عام يقدمون فيه القرابين لإلههم المزعوم (لركس) ليحمي مواشيهم ونحوها من الذئاب، كي لا تعدو عليها فتفترسها. 

وكان هذا العيد يوافق عطلة الربيع بحسابهم المعمول به آنذاك، وقد تغير هذا العيد ليوافق يوم 14 فبراير، وكان ذلك في القرن الثالث الميلادي، وفي تلك الفترة كان حكم الامبراطورية الرومانية لكلايديس الثاني الذي قام بتحريم الزواج على جنوده، بحجة أن الزواج يربطهم بعائلاتهم فيشغلهم ذلك عن خوض الحروب وعن مهامهم القتالية. 

فقام فالنتاين بالتصدي لهذا الأمر، وكان يقوم بإبرام عقود الزوج سراً، ولكن افتضح أمره وقبض عليه، وحكم عليه بالإعدام وفي سجنه وقع في حب ابنة السجان، وقد نفذ فيه حكم الإعدام في 14 فبراير عام 270 ميلادي، ومن هذا اليوم أطلق عليه لقب قديس وكان قسيساً قبل ذلك، لأنهم يزعمون أنه فدى النصرانية بروحه وقام برعاية المحبين. ويقوم الشبان والشابات في هذا اليوم بتبادل الورود، ورسائل الحب، وبطاقات المعايدة، وغير ذلك مما يعد مظهراً من مظاهر الاحتفال بهذا اليوم. بل إن الغربيين من الأمريكيين والأوربيين يجعلون من هذا العيد مناسبة نادرة لممارسة الجنس على أوسع نطاق ، وتتهيأ المدارس الثانوية والجامعات لهذا اليوم بتأمين الأكياس الواقية، التي تستعمل عادة للوقاية من العدوى بين الجنسين عند ممارسة الجنس ، وتجعل هذه الأكياس في دورات المياه وغيرها . فهو مناسبة جنسية مقدسة عند أهل الكفر . فكيف سمح المسلمون لأنفسهم أن يتسرب إلى عوائدهم أو أن يلقى رواجا بينهم عيد هو من أقذر أعياد النصارى ؟ ! .

ولهذا نقول: إنه يحرم الاحتفال بهذا العيد وبغيره من أعياد المشركين، فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر دخل عليها والنبي صلى الله عليه وسلم عندها يوم فطر أو أضحى وعندها قينتان تغنيان بما تقاذفت الأنصار يوم بعاث فقال أبو بكر : مزمار الشيطان ـ مرتين ـ فقال النبي الله صلى الله عليه وسلم: ” دعهما يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً ، وأن عيدنا هذا اليوم”. فالأعياد والاحتفال بها من الدين والشرع، والأصل فيما كان من هذا الباب الاتباع والتوقيف . قال ابن تيمية رحمه الله: (إن الأعياد من جملة الشرع والمنهاج والمناسك التي قال الله تعالى: ( لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه) كالقبلة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم العيد وبين مشاركتهم سائر المنهاج. فإن الموافقة في العيد موافقة في الكفر لأن الأعياد هي أخص ما تتميز به الشرائع). 

ولم يقر النبي صلى الله عليه وسلم أعياد الكفار وأعياد الجاهلية، فعن أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: “ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر” رواه أبو داود والنسائي. 

ومن صفات عباد الرحمن أنهم لا يشهدون الزور ، ولايقعدون حيث يكون اللغو واللهو المحرم . قال تعالى: (والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً) [الفرقان: 72].

وبهذا نعلم أن هذا العيد ليس من أعياد المسلمين ، بل هو عيد وثني نصراني ، وأنه لايجوز ـ تبعا لذلك ـ أن يحتفل به ، أو تكون له مظاهر تدل عليه ، ولايجوز بيع مايكون وسيلة إلى إظهاره ، فإن فعل ذلك من التعاون على الأثم والعدوان ، ومن الرضا بالباطل وإقراره ، ومن مشابهة الكفار في هديهم الظاهر ، وهذا من الذنوب العظيمة التي قد تورث محبة الكافرين ، فإن من أحب شيئا قلده ، ومن أحب شيئا أكثر من ذكره . والواجب على المسلمين أن يمتازوا بدينهم ، وأن يعتزوا بشعائره ، فإن فيه غنية وكفاية لمن وفقه الله وعرف حدود ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم . والله نسأل أن يبصر المسلمين ، وأن يرشدهم إلى الحق. والله أعلم.ِ

الدّعاء:

اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ياَ حَيٌّ يَا قَيُومٌ .

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِوالِدَيْناَ ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ , الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ .

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ .  

اللَّهُمَّ إنَا نَسْأَلُكَ بِأنّاَ نَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ , الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدُ .رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ .وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِ ناَ ومَولاناَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً كَثِيراً.

Leave a Reply