صِفات عِبَاد الرّحمن : (10) ترك شهادة الزّور والإعراض عن اللّغو

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخُطبة الأولى لشهر رجب بتأريخ 6\7\1439هــ-23\3\2018م

حول : صِفات عِبَاد الرّحمن : (10) ترك شهادة الزّور والإعراض عن اللّغو

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ , الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ [الفرقان:25\63-67] , نَحمده ونستعينه ونستغفره , ونعُوذُ باللهِ تعالَى مِنْ شُرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا , مَنْ يهده اللهُ فلا مُضلَّ له , ومن يضلل فلا هادي له , ومن لم يجعَل لهُ نُوراً فما لهُ مِنْ نُورٍ . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , خصَّنا بخير كِتابٍ أنزل , وأكرمنا بخير نبيٍّ أرسل , وجَعَلَنَا بالإسلام خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِجتْ للنَّاسِ , نأمُرُ بِالمَعرُوف ونَنهَى عن المُنكَرِ , ونُؤمِنُ باللهِ , وأتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَة بأَعْظَمِ دِينٍ شَرَّفَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ : دِين الإِسْلام : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائِدة:5\3] , وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:2\85].

وأشهد أنَّ مُحمّداً عَبْدُهُ ورسُولُه , أدَّى الأمانة , وبلَّغ الرِّسالةَ , ونَصَحَ لِلْأُمَّة , وجاهَدَ فِي اللهِ حقَّ جِهَادِهِ , وَتَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءَ , عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحَة الْغَرَّاء , لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا , لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلّا هَالِكٌ , فَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً , وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً . اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ , وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ , وأحْيِنَا اللهُمَّ عَلَى سُنَّتِهِ , وأَمِتْنَا عَلَى مِلَّتِهِ , وَاحشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ , مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء والصَّالِحِين , وَحَسُنَ أولَئِكَ رَفِيقاً.

أمَّا بَعْدُ ,

فَعِبَادَ اللهِ , أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجلَّ طِبْقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب :33\70-71] .

إِخْوَةَ الإِيمَان , هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الأوّل لشهر رجب , وَما زِلنا على مَوْضُوعِنَا العام : صِفَات عباد الرّحمن وقد تحدَّثْنَا عن تسع صِفاتٍ تَفْصِيلاً , عَلَى التَّرتيبِ التّالي كما رتّبها المولى القدير سبحانه وتعالى في مُحكم تنزيله في أواخر سورة الفرقان : التَّواضُع , والحِلْمُ , وقيامُ اللّيْل , والْخَوْفُ مِنَ النَّارِ , والاعتدال فِي الإنفاق و التَّوْحِيد واجتناب القتل واحترام الحياة واجْتِنَاب الزِّنَا والتَّوْبَةُ النَّصُوحَة. واليومَ –إنْ شاءَ اللهُ تَعَالَى – نُعَالِجُ الصِّفَةَ الثّامنةَ الّتِي هِيَ : ترك شهادة الزّور والإعراض عن اللّغوِ .

أيّها الإخوة المُسلمون ,

لا زلنا نعيش معاً في رحاب القرآن , وفي صحبة عباد الرّحمن , الذين كرّمهم اللهُ تعالى بذكرهم في كتابه , وشرّفهم بالنّسبة إليه , والإضافة إلى ذاته المقدّسة : ( عباد الرّحمن ) .

ذكر الله تعالى أوصافهم في ليلهم ونهارهم , ذكر حالهم في أنفسهم , وحالهم مع ربهم , وحالهم مع ربهم , وحالهم مع النّاس , حالهم في أموالهم , وحالهم في أخلاقهم .

ذكر أحوالهم كلّها إيجاباً وسلباً , فهم يفعلون الصّالحات , ويجتنبون الموبقات : ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ .. ﴾ [الفرقان:25\68] , يحافظون على الكلّيات الخمس : الأديان , والأنفس , والعقول , والأعراض , (أو الأنساب ) , والأموال .

وصفهم الله بالمحافظة على هذا كلِّه .

فإذا زلّت أقدامهم يوماً , فارتكبوا مُنكراً من المُنكرات , أواقترفوا موبقة من الموبقات , سُرعان ما يرجعون إلى الله , سُرعان ما يقرعون باب التّوبة , سُرعان ما يقولون ما قال أبوهم آدم وأمّهم حوّاء : ﴿… رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الأعراف :7/23] .

ليس عجباً أن يخطىء ابن آدم إذا كان آدم نفسه قد أخطأ وأذنب , ولكن آدم محا خطيئته بالتّوبة .. غسل معصيته بالرّجعة إلى الله : ﴿…وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾ [طه :20/121-122] , ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة :2/37]  .

ولذلك كان (عباد الرّحمن ) توّاببين أوّابين : ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴾ [الفرقان :25/70-71 ] .

لا يحتاجون إلى كاهنٍ يقفون بين يديه يعترفون له بذنوبهم , أو يقرّون له بما ارتكبوه في علانيتهم وسرِّهم , ما كلّفهم الله هذا , حسبهم أن يتوبوا بينهم وبين ربّهم , وقد فتح لهم باب التّوبة على مصراعيه , ليس عليه حاجبٌ , ولا بوّاب : “إنَّ اللّهَ عَزَّ وَجلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ , وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ , حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا “ (رواه مسلم والنّسائي عن أبي موسى (المنتقى من كتاب التّرغيب والتّرهيب : 2/ 819 برقم 1921 ) , ويدعو عبادهُ آناء اللّيل وآناء النّهار , وإن ظلموا وعصوا وأسرفوا على أنفسهم :

﴿. . يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر : 53] .

هكذا وصف الله عباد الرّحمن .

ثمَّ وصفهم بوصفٍ جديد , هو موضوع خطبتِنا هذا الْيَوم , وصفهم اللهُ تعالى بقوله : ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان :25/72] .

ما معنى : ﴿لا يشهدون الزّور﴾ ؟.

أي : لا يشهدون شهادة الزّور , فهي هنا مأخوذة من الشّهادة , لا يورّطون أنفسهم في هذه الكبيرة , التي هي من أكبر الكبائر , كما روى الشّيخان عن أبي بكرة رضي الله عنه , أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال : ” ألا أنبِّئُكم بأكبر الكبائر ؟ ” –ثلاثا- قلنا : بلى يا رسول الله , قال : الإشراك بالله , وعُقُوقُ الْوالدين ” وكان متكئاً فجلس {دلالة  على أهمية ما يقول } فقال : ” ألا وقول الزّور , وشهادة الزُّور ” فما زال يكرّرها حتّى قلنا : ليته سكت (رواه البخاري , ومسلم , والتّرمذي (المنتقى من كتاب التّرغيب والتّرهيب : الحديثان 1358, 1491) ) , إشفاقاً عليه صلّى الله عليه وسلّم , فإنّه كان يكرّر بعض الكلمات ثلاثاًلعِظَمِ خطرِها , لينبِّهَ العقول والقلوب إليها , حتّى تتفتّح الأذهان والعقول , فإذا كان هناك من هو مشغول بأمر من أموره ولم يسمع الكلمة الأولى , كرّرها حتّى تُسمَعَ وتُعقَلَ وتُنقَلَ , وحتّى تُغْرَسَ فِي الْقُلُوبِ غَرْساً .

المسلم لا يقول زُوراً , ولا يشهدُ زُوراً , وكان صلّى الله عليه وسلّم يقول : ” اللهمّ إني أعوذ بِكَ أن أقولَ زُوراً , أو أغشى فُجُورا , أو أكُونَ بِكَ مَغْرُوراً ” .

وكان يقول (في حديث خُرَيْم بن فاتك رضي الله عنه , الذي رواه أبو داود واللفظ له , والتّرمذي , وابن ماجه , وأحمد , ورواه الطّبراني في الكبير موقوفاً على ابن مسعود بإسناد حسنٍ , كما قال المنذري (المنتقى من كتاب التّرغيب والتّرهيب : 2/ 634- 635 برقم 1359) . ” عُدلت شهادة الزّور بالإشراك باللهِ ” –ثلاثا مرات – ثمّ قرأ : ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور ( 30ِ ) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ﴾ [الحجّ :22/ 30-31] .

وإنّما عُدلت شهادة الزّور بالإشراك باللهِ عزّ وجلَّ , لما وراءها من تضييع الحقوق , ومن تأريث نار الخصومات بين النّاس , وراءها ما وراءها , من أن يأكل القوي الضّعيف , من أن يشتري بعض النّاس الضّمائر بأموالهم حتّى يأتوا ليشهدوا بالباطل , ويضيِّعوا الحقّ , لهذا كانت من أكبر الكبائر .

عباد الرّحمن لا يفعلونها , عباد الرّحمن إذا شهدوا شهدوا بالحقِّ , ولو كان ذلك على أنفسهم , أو والديهم , أو أقرب النّاس إليهم , لا يمنعهم – كذلك – بُعد البعيد ولا عداوة العدو أن يشهدوا بالحقِّ له , الله تعالى يقول : ﴿.. وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى .. ﴾ [المائدة :5/8] وتتمها ﴿واتّقوا اللهَ , إنّ اللهَ خَبيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة :5/8]  , ﴿..  وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى .. ﴾ [الأنعام :6/ 152] ..

إذا طُلِبَ عَبدٌ من عباد الرّحمن للحقِّ شهِدَ به , وقال ما يعلمُ , لم يخُنْ , ولم يُخالف , ولم يزوِّر , ولم يزد في الكلام , ولم ينقص منه .

إذا طُلِبَت منه الشّهادة لا يأبى , كما قال تعالى : ﴿. . وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا  .. ﴾ [البقرة :2/282] , بعض النّاس لا يكذب في الشّهادة , ولكنّه يكتمها, وربما كان كتمانه إضاعة للحقوق , ربّما كان في كتمانه انتصار للباطل , ربّما كان في كتمانه ضياع الدِّين وضياع الدّنيا معاً , ومن هنا قال الله تعالى : ﴿.. وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة : 2/283] , وهذا يدلّ على أنّ كتمان الشّهادة من الكبائر , وصدق الله العظيم إذ يقول في آية أخرى : ﴿ . . وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة :2/140] .

كم حقوق ضُيِّعت ؟ وكم من حُرمات انتهكت ؟ وكم من أعراض أهينت ؟ وكم من دماء أريقت ؟ وكم من أرواح  أزهقت ؟ وكم من شعوبٍ اضطهدت ؟ وكم وكم .. من أجل أناس كتموا شهادة يجب أن يقولوها .

كم من أناس قيّدوا ألسنتهم , فلم يقولوا الحقَّ , والحقّ مطلوب منهم , لم يقولوا كلمة بألسنتهم , ولم يقولوا كلمة بأقلامهم , حينما طُلِبَ إليهم أن يشهدوا وأن يقولوا .

والتّفسير الثّانِي : ﴿والّذينَ لا يشهَدُون الزُّورَ﴾ أي لا يَحضُرُونَه .

“يشهدون” هنا من الشّهُود , وليس من الشّهادة , هم لا يحضرون الزّور , ولا يجلسون مجالس الزّور , ولا يذهبون إلى أماكن الزّور , وفسِّر الزّور هنا بما شئت .

وقد تنوّعت عبارات المفسِّرين في تفسير الزّور هنا , وهي – كما قال الإمام ابن تيمية – من اختلاف التّنوّع وليس من اختلاف التّضاد .

هناك من قال : الزّور هو الشّرك , وهناك من قال : الزّور هو الكذب , وهناك من قال : الزّور أعياد المشركين , وهناك من قال : الزّور هو اللّهو والغناء , , وهناك من قال : الزّور النّياحة , وهناك من قال : الزّور هو شرب الخمر , وهناك من قال ومن قال . . وكلّها يجمعها أنّ الزّور هو الباطل والمعصية . . هو الميل عن الحقّ . . هو البعد عن الخير وعن الطّاعة .

ومعنى هذا أنّ عباد الرّحمن لا يحضرون هذه الأماكن , ينزّهون أنفسهم أن يكونوا من جلسائها , فإنّ مجالس الخير تُؤثِّر في أصحابها , ومجالس السّوء –كذلك – تُؤثِّر في أصحابها , وكلّنا يعرف الحديث الشّريف عن حامل المِسك ونافخ الكير , وجليس الخير وجليس السّوء (ونصّ الحديث الّذي رواه البخاري  , ومسلم , عن أبي موسى رضي الله عنه : ” إنّما مَثَلُ الجَليسِ الصّالح , والْجَلِيس السّوء , كَحامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ , فَحَامِلِ الْمِسْكِ إمّا أن يُحْذِيكَ , وإمّا أن تَبْتاع مِنْهُ , وإمّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً طَيِّبة , ونَافِخ الْكِيرِ , إمّا أن يُحرِّق ثِيَابَكَ , وَإِمّا أن تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً خَبِيثَة ” (المنتقى من كتاب التّرغيب والتّرهيب : 2/ 199 برقم 1872 ) ) .

من هنا كان من أوصاف عباد الرّحمن : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ [الفرقان :25/72] : إذا اتّفق مرورهم على مجالس اللّغو , نزّهوا أنفسهم عنه : “كِرَاماً” بمعنى أنّهم يُكْرِمُون أنفسهُم أن يُشارِكُوا فِي هَذَا الْبَاطِلِ , إنّ أنفسهم أعَزَّ عليهِمْ مِنْ أنْ يُشَارِكُوا فِي بَاطِلٍ ,  وأعمارهم أغْلَى عِندَهُم مِنْ أنْ يُضَيِّعُواهَا فِي بَاطِلٍ وَفِي لَغْوٍ .

الله تعالى وصف المؤمنين الْمُفلِحِينَ , الّذِينَ كتب لَهُمُ الْفِردَوْسَ , هُم فيها خالدون , فكان من أخص أوصافهم : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون :23/3] , رأس مالهم أوقاتهم , فكيف يُنفِقُونها في اللّغو ؟ لا يقبلون أن يُضيِّعوا أوقاتهم في مثل هذا , إنّ الْوقت الّذي يضيِّعونه فِي لغوٍ , يُمكن أن يُسبِّحوا اللهَ فِيهِ , أو يُكبِّروهُ , أو يُهلِّلُوهُ , أو يَذكُرُوهُ ذِكراً كثِيراً .

فيا أيّها الإخوة الْمسلمون :

حاولوا أن تتخلّقُوا بأخلاق عباد الرّحمن , أن تكونوا إيجابيّين , أن تُنزِّهُوا أنفسَكُمْ عمّا يفعلُهُ اللّاهُون العابثُون من النّاس .

قُولُوا الْحقَّ , واشْهَدُوا بِالْحقِّ , ولا تحضرُوا مجالِسَ الزُّورِ أيّاً كان اسمها وعُنوانُها , وإذَا مررتُمْ بِاللَّغْوِ – أيّاً كان مَضْمُونُه أو عُنْوانه – فمرُّوا عليه مرَّ الْكِرامِ .

أقول قولِي هَذَا , وأستغفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي ولَكُمْ , فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إلَيْهِ إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ , وَادْعُوهُ يَسْتَجِب لَكُمْ .

الْخُطْبَةُ الثّانِيّة :

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الْقَائِلِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:9\ 36] نَحْمَدُهُ سُبْحانه وتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِناَ , إِنَّهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ؛ وَاَشْهَدُ أَنْ لاَإِلَهَ إِلاَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ محُمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, الْقَائِلَ فِي خُطْبَتِهِ الشّرِيفَةِ في حجَّةِ الْوَدَاع: (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِى بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) اللهمّ صَلِّ وَسَلِّمْ عليه وآله الأطهار وأصحابه الأبرار وعلى كُلِّ مَنِ اقْتَفَى آثارَهُمْ وَاسْتَنَّ بِسُنَّتِهِمْ وَاهْتَدَى بِهدْيِهِمْ إلَى يَوْمِ الدِّينِ, آمين.

أَمَّا بَعْدُ,

فعباد الله , قد ظهر جليّاً أنّنا في شهرٍ جديدٍ , أحد أشهر حرم , شهر رجب . ونرى أن نذجر بعض ما يتعلّق برجب من الأحكام تلخيصاً وخلاصة القول .

ذِكْرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِرَجَب مِنْ أَحْكَامٍ:

ويتعلق بشهر رجب أحكام كثيرة فمنها ما كان في الجاهلية. واختلف العلماء في استمراره في الإسلام كالقتال ، وكالذبائح فإنهم كانوا في الجاهلية يذبحون ذبيحة يسمونها العتيرة.

واختلف العلماء في حكمها في الإسلام فالأكثرون على أن الإسلام أبطلها، وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا فرع ولا عتيرة)

ومن أحكام رجب ما وُرِدَ فِيهِ مِنَ الصَّلاَةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ وَالاعْتِمارِ:

فأما الصلاة، فلم يصح في شهر رجب صلاة مَخْصُوصَة تَخْتَصُّ بِهِ. والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء.

وأما الصيام، فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أصحابه، ولكن روي عن أبي قلابة قال: في الجنة قصر لصوام رجب، قال البيهقي: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقول مثله إلا عن بلاغ، وإنما ورد في صيام الأشهر الحرم كلها حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: (صُمْ مِنَ الْحُرُم وَاتْرُكْ) قالها ثلاثاً .

وأما الزكاة، فقد اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزكاة في شهر رجب ولا أصل لذلك في السنة ولا عرف عن أحد من السلف، ولكن روي عن عثمان أنه خطب الناس على المنبر فقال: إن هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه وليزك ما بقي. خرجه مالك في الموطأ. وقد قيل: إن ذلك الشهر الذي كانوا يخرجون فيه زكاتهم نسي ولم يعرف. وقيل: بل كان شهر المحرم لأنه رأس الحول. وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن الإمام يبعث سعاته لأخذ الزكاة في المحرم، وقيل بل كان شهر رمضان لفضله وفضل الصدقة فيه وبكل حال فإنما تجب الزكاة إذا تم الحول على النصاب، فكل أحد له حول يخصه بحسب وقت ملكه للنصاب فإذا تم حوله وجب عليه إخراج زكاته في أي شهر كان، فإن عجل زكاته قبل الحول أجزأه عند جمهور العلماء، وسواء كان تعجيله لاغتنام زمان فاضل أو لاغتنام الصدقة على من لا يجد مثله في الحاجة أو كان لمشقة إخراج الزكاة عليه عند تمام الحول جملة، فيكون التفريق في طول الحول أرفق به. وقد صرح مجاهد بجواز التعجيل على هذا الوجه وهو مقتضى إطلاق الأكثرين.

وخالف في هذه الصورة إسحاق نقله عنه ابن منصور وأما إذا حال الحول فليس له التأخير بعد ذلك عند الأكثرين.

وأما الاعتمار في رجب:

فقد روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتمر في رجب فأنكرت ذلك عائشة عليه وهو يسمع فسكت، واستحب الاعتمار في رجب عمر بن الخطاب وغيره .

فإن أفضل الأنساك أن يؤتى بالحج في سفرة والعمرة في سفرة أخرى في غير أشهر الحج وذلك جملة إتمام الحج والعمرة المأمور به كذلك قاله جمهور الصحابة: كعمر وعثمان وعلي وغيرهم.

وروى زائدة بن أبي الرقاد عن زياد التميمي عن أنس قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل رجب قال: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَب وَشَعْبَان وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ. وروي عن أبي إسماعيل الأنصاري أنه قال: لم يصح في فضل رجب غير هذا الحديث، وفي قوله نظر فإن هذا الإسناد فيه ضعف، وفي هذا الحديث دليل على استحباب الدعاء بالبقاء إلى الأزمان الفاضلة لإدراك الأعمال الصالحة فيها فإن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيراً، وخير الناس من طال عمره وحسن عمله. وكان السلف يستحبون أن يموتوا عَقِبَ عَمَلٍ صالِحٍ مِنْ صوم رمضان أو رجوع من حج. وكان يقال: مَنْ مَاتَ كَذَلِكَ غُفِرَ لَهُ.

شهرَ رجب مِفْتاحُ أَشْهُرِ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَة:

قال أبو بكر الوراق البلخي: شهر رجب شهر للزرع. وشعبان شهر السقي للزرع، ورمضان شهر حصاد الزرع. وعنه قال: مثل شهر رجب مثل الريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل القطر. وقال بعضهم: السَّنَةُ مِثْلُ الشَّجَرَةِ وَشَهْرُ رَجَب أَيامُ تَوريقِها، وشَعْباَن أيامُ تفْريعِهَا، ورمضانُ أيامُ قَطْفِها، والمؤمنون قطافها. جدير بمن سَوَّدَ صحيفَتَهُ بالذُّنُوبِ أَنْ يُبَيِّضَهَا بِالتَّوْبَة فِي هَذَا الشَّهْرِ، وَبِمَنْ ضَيَّعَ عُمْرَهُ فِي الْبَطالَة أَنْ يَغْتَنِمَ فِيهِ مَا بَقِيَ مِنَ الْعُمْرِ.

وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

الدّعاء:

اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً , سَخَّاءَ رَخَّاءَ , وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ ياَ رَبَّ الْعَالَمِينَ .

اللَّهُمَّ أَطْعَمْنَاَ مِنْ جُوعٍ وَآمَنّاَ مِنْ خَوفٍ ؛ اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ , وَاجْعَلْهُمْ ذُخْراً لِلإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ .

اللَّهُمَّ أصْلِحْ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَفَتَيَاتِ الْمُسْلِمِينَ , وَاحْفَظْهُنَّ مِنَ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ , وَاجْعَلْهُنَّ ذُخْراً لِلإسْلامِ والْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وأُمَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَأَغْنِيَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَحُكَّامَ الْمُسْلِمِينَ , وَاجْعَلْهُمْ ذُخْراً لِلإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ يَا سَامِعَ الصَّوْتِ , وَيَا سَابِقَ الْفَوْتِ , وَيَا كَاسِيَ الْعِظَامِ لَحْماً بَعْدَ الْمَوْتِ , صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ . اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلَّا يَسَّرْتَهُ وَلَا مَيِّتاً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ياَ حَيٌّ يَا قَيُومٌ .اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِوالِدَيْناَ ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ , الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ .رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ .  اللَّهُمَّ إنَا نَسْأَلُكَ بِأنّاَ نَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ , الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدُ .وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِ ناَ ومَولاناَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً كَثِيراً.

Leave a Reply