KHUTBAH 16TH MUHARRAM, 1439 (6TH OCTOBER, 2017) الوحدة الوطنيّة من دروس الهجرة النّبويّة

DOWNLOAD KHUTBAH (ARABIC) 16 Muharram, 1439 (6/10/2017)

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخُطبة الثّالثة لشهر محرّم بتأريخ 16\1\1439هــ-6\10\2017م

حول : الوحدة الوطنيّة من دروس الهجرة النّبويّة

الْحمد لله ربّ العالمين , القائِل فِي كتابه الْعَزِيز : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران :3\103] , نَحْمَدُهُ سُبْحانَهُ وتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤمِنُ بِهِ ونتوكَّلُ عَلَيْهِ , إنّه مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ وأشهدُ أن لا إله إلَّا اللهُ وحدهُ لا شَرِيكَ لَهُ الَّذِي لا تُحِيطُ بِهِ الْعُقُولُ والأَوهَامُ , وأشهَدُ أنَّ مُحمّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أفْضَلُ الأنَامِ. والصَّلاة والسّلامُ عليه رَسُولِ الوحدَانية , وجامِعِ الإنسانيّة وعلى آله وصحبه أجمعِينَ .

أمّا بعد,

فَعِبَادَ اللهِ , أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجلَّ , سِرّاً وعَلانِيَةً , إِذْ هِيَ الْغَايَةُ الْمَقْصُودَة مِنْ جَمِيعِ أنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ طِبْقاً لِقَولِهِ تَعَالَى : يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 2\21-22] .

إخْوَةَ الإِيمان , هَذا هُوَ اللِّقاءُ الثَّالِثُ لِشَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّم مِنَ العامِ الْهِجْرِي الإسلامِي الْجَدِيدِ , وَلا نَزَال عَلَى مَوْضُوعات مناسِبَةٍ بِالعام الجديد , فِي الأُسْبُوعَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ تَحَدَّثْنَا عَنْ وَقَفات بَيْنَ عَامَيْن , وَفِي الأسبُوعِ الْمَاضِي , فَصَّلْنَا حَدِيثَنَا عَنِ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّة : دُرُوسٌ وَعِبَرٌ . وَالْيَوْمَ إنْ شَاءَ اللهُ الْمَوْلَى الْقَدِيرُ نُوَاصِلُ وَنُرَكِّزُ خِطَابَنَا عَلَى الْوَحْدَة الْوَطَنِيَّةِ مِنْ دُرُوس الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّة إِذْ وَطَنُنَا الْحَبِيبُ نَيْجِيرِيا فِي مَسِيسِ الْحَاجَة إِلَى مِثْلِ هَذَا الْمَوْضُوعِ فِي الْوَقْتِ الرَّاهِنِ . لِأَنَّ بَعْضَ الْمُوَاطِنِينَ يَدْعُونَ إِلَى تَقْسِيمِ نَيْجِيرِيا إِلَى دُوَيْلاتٍ ضَعِيفَة . وَنَحْنُ نَرَى فِي ذَلكَ ضَعْفاً وَوَهْناً وَنَدَامَة فَالْعِيَاذُ بِاللهِ .

فتعريف الوحدة الوطنية هي وجود كيان وطن واحد موحد بكامل حدوده الجغرافية من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب يستوطنه شعب مرتبط بتاريخ مشترك، وهدف ومصير مشترك، ومصالح اقتصادية وسياسية واجتماعية مشتركة.

أما من حيث التحليل البنائي والتركيب اللغوي لمصطلح (الوحدة الوطنية) فإننا نجده يتكون من كلمتين أو عنصرين هما مفردة (الوحدة) والتي تعني تجميع المتفرق ولملمة الشتات وتوحيده، ومفردة (الوطنية) وهي التي تمثل انتماء الإنسان إلى وطن معين، يستوطنه ويحمل جنسيته ويدين له بالولاء، على اعتبار أن هذا الوطن ما هو إلا حضن اجتماعي مكون من الأهل والأحبة والأصدقاء والعائلات والقبائل والعشائر وأقوام من الناس استقرت في هذا الاقليم الجغرافي المحدد وتخضع لإدارة وسلطة حكومة دولة منظمة.

لقد برزت مسألة الوحدة الوطنية منذ صدر الاسلام حين صاغ رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام (صحيفة المدينة) أو (دستور المدينة) ليكون خير مثال على الوطنية والمواطنة وحب الوطن والالتزامات والحقوق المترتبة والمكفولة بين الوطن والمواطن. فبعد الهجرة من مكة إلى يثرب حدثت الكثير من التغيرات البنيوية والديموغرافية الاجتماعية في المدينة التي صارت تحتضن فئات مختلفة من السكان المقيمين والوافدين: كفاراً مشركين، ومسلمين مهاجرين وأنصار، ويهوداً من بني عوف وبني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، مما استوجب عقداً اجتماعياً ووثيقة تحدد الحقوق والواجبات لكل طرف وفق تعاليم الدين الاسلامي الجديد التي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فما كان من الرسول الكريم إلا إعداد (صحيفة المدينة) أو كما تسمّى أحياناً (دستور المدينة) والتي تضمنت اثنين وخمسين بنداً أبرزها: احترام الديانة لكل طرف، وحفظ الدم والذمم وحماية الممتلكات، وحق المواطنة لكل طرف في الدفاع عن المدينة من أي عدوان خارجي من القبائل الأخرى.

أما الإمام عبدالحميد بن باديس (1889-1940م) فقد اعتبر أن المخططات الاستعمارية الغربية هدفها تقويض الوحدة الوطنية للدول لأجل تمرير أهدافها وتحقيق مآربها الخاصة، لذلك يؤكد بأن مواجهتها تحتم (.. علينا أن نعتقد بقلوبنا أن الاتحاد واجب أكيد، محتم علينا، وأن فيه قوتَنا وحياتَنا، وفي تركه ضعفُنا وموتُنا، وأنْ نعلنَ ذلك بألسنتنا في كلِ مناسبةٍ من أحاديثنا، وأنْ نعملَ على تحقيق ذلك بالفعل باتحادنا وتعاوننا مع إخواننا). ويذهب ابن باديس إلى أبعد من ذلك ليجعل مفهوم الاتحاد والوحدة من أجل الوطن في إطار الايمان الشامل بالدين الاسلامي حين يقول (.. الواجب على كل فرد من أفراد المؤمنين أن يكون لكل فرد من أفراد المؤمنين كالبنيان في التضامن والالتحام، حتى يكون منهم جسدٌ واحد، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى“..). وبذلك فإن ابن باديس يعتبر أن الوحدة الوطنية هي العامل الأساس في إقامة الكيان الحضاري للدولة أو الأمة أو المجتمع وبنائه وتمكينه من الوقوف في وجه محاولات التشتيث والتفريق والانقسام. وهو يرتكز في حديثه عن الوحدة باعتبارها فريضة دينية، مطلوبٌ من المؤمنين إقامتُها في حياتهم وفي علاقاتهم المعيشية، دون أن يكون لهم في ذلك خيار.

وبعد استعراض بعض المفاهيم للوحدة الوطنية من خلال ما تناوله المفكرون عبر أزمنة مختلفة ومناطق متعددة يمكن الإشارة إلى أن أبرز المقومات التي تبنى وتتعزز بها الوحدة الوطنية هي:

أولاً: النظام السياسي

يلعب النظام السياسي دوراً رئيسياً في تحقيق الوحدة الوطنية وتعزيزها من حيث تفعيل تطبيق مواد الدستور الوطني بهدف التعايش السلمي بين فئات الشعب وتوفير الحقوق والضمانات المختلفة. فالنظام السياسي الذي يمثل قيم ومصالح وهوية الجميع، ويلبي حاجاتهم ويشبع رغباتهم ويحقق أعلى درجات العدالة والمساواة فيما بينهم، سيكون من خلال برامجه لتعميق مشاعر الولاء والانتماء للوطن قد خطى خطوات متقدمة نحو ترسيخ الوحدة الوطنية في وجدان الأفراد وحياتهم العملية.

ثانياً: الشعب بمكوناته الثقافية المتعددة

إن برامج النظام السياسي، رغم أهميتها وضرورتها، إلا أنها وحدها لا يمكن أن تلبي كل اشتراطات ومتطلبات تحقيق الوحدة الوطنية، وإنما هناك حاجة ماسة وضرورية إلى جهد كل فرد من أفراد الشعب بجميع شرائحهم، باعتبارهم المكون الأساسي للدولة. فالشعب برموزه الدينية والشعبية، وفعالياته السياسية والنخبوية، يمثل ركناً أساسياً وعمودا فقريا في تعزيز التماسك الداخلي الوطني، وتعميق خيار التوافق الأهلي وفق عدد من الالتزامات من بينها تهيئة مكونات الشعب المختلفة لقبول بعضها البعض نفسياً وفكرياً وسلوكياً. فقبول الآخر يعني بالضرورة الاعتراف به وجوداً وفكراً ومشاركة، واحترام ما يحمله من توجه، وما يتخذه من مواقف في أي مجال كان، ومن ثم تأتي خطوة هامة تتمثل في تفعيل ذاك الاعتراف بتنشيط صيغ التفاعل والتضامن اجتماعياً وسياسياً وثقافياً ووطنياً، إذ لا تعايش بدون انفتاح وتواصل وتفاعل.

ثالثاً: هامش الحرية وتطبيق العدالة

لاشك أن الحرية ترتبط بشكل وثيق بالعدالة، بجميع أصنافها. فالعدالة هي التي تمنح الهامش الواسع للحرية والتسامح والتعايش السلمي بين كل الأطياف الاجتماعية في الوطن الواحد. لكن لا يمكن أن تتوفر الحرية دون وجود نظام حكم ديمقراطي يضمن حرية الفكر للفرد داخل الدولة، والتي هي الأساس لكل الحريات الأخرى مثل حرية التعبير وحرية المعتقد وحرية العمل وغيرها. وأهم ضمانات ومتطلبات حرية الفكر هي توسيع دائرة المعرفة لكل الأفراد من خلال إقرار مجانية التعليم، لأن الفكر مرادف للمعرفة التي لا تتحقق إلا بتوفر التعليم، وعندما يصبح العلم سلعة تباع وتشترى فإنه يصبح احتكاراً للقادرين على تسديد فواتيره من طبقات المجتمع الميسورة الدخل، ويكون بالتالي معبراً عن مصالحها الضيقة. أما مجانية التعليم فإنها تتيح شيوع المعرفة وتنوير العقول وإنتاج الكثير من الأفكار النيرة لجميع أفراد الشعب داخل الوطن الواحد.

بعد ذلك تأتي سيادة القانون وتثبيت مبدأ المشروعية من خلال تفعيله في كل أرجاء الدولة وفق نصوص الدستور الوطني، أبو القوانين كما يعرف، حيث يسود العدل وتعم المساواة بين جميع أفراد الوطن الواحد.

رابعاً: تكريس الاعتزاز بالوطن والمواطنة

لا شيء يصون الوحدة الوطنية ويحمي مكاسبها سوى تكريس مفهوم المواطنة عملياً في حياة الأفراد من خلال منجزات التنمية المكانية التي سرعان ما تتحول إلى ثقافة اعتزاز بتلك المكاسب الخدمية فتسكن وجدانهم بكل حميمية وغيرة ومحبة. ولا شك بأن أساس ذلك هو العمل التنموي المادي وكذلك رفع الهمم وإذكاء الروح المعنوية وخلق مشاعر الاعتزاز بالوطن ومكتسابته. وحين تكون هذه المهمة من أولويات الحكومة ومسئولية رئيس الحكومة نفسه، فبالتأكيد سيكون تأثيرهاً أكثر فاعلية وأهمية.

(الوحدة الوطنية) مفهوم غربي بديل لمفهوم وحدة الأمة الإسلامية

بدأ الصراع بين الإسلام والكفر منذ بعثة الإسلام. وسيستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وعبر أربعة عشر قرناً من هذا الصراع، اعترى المسلمين بعض الضعف في القوة أدى إلى هزيمتهم عسكرياً في بعض المواقع، إلى أن تم أخيراً هدم دولة الإسلام وتمزيق العالم الإسلامي على أيدي الكفار وعملائهم من أبناء المسلمين، وتم تقسيم العالم الإسلامي إلى دويلات صغيرة ذليلة، وأصبح لكل واحدة منها رئيس ووزراء ودستور ونشيد وطني وجيش.

أما خطر مفهوم الوطن وما ينتج عنه فهو ظاهر في الأمور التالية:

1- إيجاد رابطة جديدة تسمى رابطة الوطن أو الرابطة الوطنية أو الوحدة الوطنية بدل رابطة العقيدة الإسلامية والوحدة على أساس الإسلام.

2- نشوء مصطلحات جديدة مخالفة لشرع الله مثل الأخوة مع النصارى والأخوة الإنسانية.

3- إقصاء المصطلحات الإسلامية جانباً مثل الجهاد والعزة ودار الإسلام ودار الحرب والكفار والجزية، ووضع مصطلحات بديلة عنها.

4- إن مفهوم الوطن يركز إمكانية محاربة الآخر بسلاح الوطن وباسم الوطنية، وهذا يبيح للمسلم قتل أخيه المسلم باسم الحفاظ على الوطن أو الاستقلال.

5- تكريس تمزيق بلاد المسلمين والحيلولة دون وحدة بلاد المسلمين بدولة واحدة.

6- محاربة أي عمل من شأنه أن يطبق الإسلام في الحياة.

7- إلغاء فكرة الجهاد ونشر الإسلام.

8- أدى استخدام مفهوم الوطن كأساس إلى اختزال بعض قضايا المسلمين مثل احتلال أرض المسلمين وتحويلها إلى قضية أرض أو وطن تنسحب منها (إسرائيل).

9- أدى اعتماد مفهوم الوطن إلى كبت عملية التغيير باختلاق تهمة الخيانة للوطن والعمالة للأجنبي.

10- أدى مفهوم الوطن إلى رفع شعارات بديلة مثل: الله، الملك، الوطن.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَّة:

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ, الْقَائِلِ فِي تَنْزِيلِهِ الْعَظِيمِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ {العلق: 96\1-5}. وَنُصَلِّي وَنُسَلِّمْ عَلَى مَنْ لاَ نَبِيَّ بَعْدَهُ سَيِّدِنَا وَمَوْلانَا مُحَمَّدٍ الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ, وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ,

فَعِبَادَ اللهِ, كان الْعَالَمُ يَحْتَفِلُ بِالْيَوْمِ الْعَالَمِي لِلْمُدَرِّسِينَ يَوْمَ 5\أكتوبر\2017م كَعَادَتِهِ السَّنَوِيَّة. وَنَرَى أنَّهُ مِنَ الْمُسْتَحْسَن أَنْ نُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا لِلْمُدَرِّسِينَ مِنَ الْفَضْلِ والصِّفَاتِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالْحُقُوقِ.

فَضْلُ الْعِلْمِ وَالْمُدَرِّسِين :

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:20\ 114]، وقال تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:39\ 9]، وقال تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:58\ 11]، وقال تَعَالَى: ﴿إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر:35\ 28].

و قَالَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». رواه مسلم

وعن أَبي أُمَامَة – رضي الله عنه: أنَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» ثُمَّ قَالَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأهْلَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ في جُحْرِهَا وَحَتَّى الحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِي النَّاسِ الخَيْرَ». رواه الترمذي،  وقال: «حديث حسن».

صِفَاتُ الْمُدَرِّسِين:

قَدْ حَدَّدَ التَّرْبَوِيُّون الصِّفَاتِ الْآتِيّة لِلْمُدَرِّسِين: الثَّقَافَة, والثَّبَات, والسَّمَاحَة, والْعَدالة, وعلم نفس الأطْفَال, والصّدق والأمانة, والْإخْلاص, النّزعة الاجتماعيّة أي حبّ الاختِلاط بالآخرين, والانضِبَاط النّفسي, والابْدَاعِيَّة, والتَّواضُع المعقول, والنَّظَافَة, والْإتقان بالدِّقة, والتَّكَيُّفِيَّة , والْقَنَاعَة …

وَاجِبَاتُ الْمُدَرِّسِين:

وَحُدِّدَتْ لِلْمُدَرِّسِينَ الواجِبَاتُ الآتية: التَّدْريس, والدَّعْوَة, وَالإِرشَاد, والنَّصِيحَة, والاستشارة, والتَّربيّة , والتَّزكِيّة…فَيَنْبَغِي لَهُ أَنَ يَقُومَ بِوَاجِبَاتِهِ حَقَّ الْقِيَام.

وعَنْ سَهْلِ بن سعدٍ، رضي اللَّه عنْهُ، أنَّ النَّبيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ لِعَليًّ، رضي اللَّه عنْهُ: “فو اللَّهِ لأنْ يهْدِيَ اللَّه بِكَ رجُلاً واحِداً خَيْرٌ لكَ من حُمْرِ النَّعم” متفقٌ عليهِ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة, رضي اللَّه عنْه أنَّ رَسُول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ: “مَنْ دَعَا إِلَى هُدىً كانَ لهُ مِنَ الأجْر مِثلُ أُجورِ منْ تَبِعهُ لاَ ينْقُصُ ذلكَ مِنْ أُجُورِهِم شَيْئاً “رواهُ مسلمٌ.

وعنه أيضاً، رضي اللَّه عنْهُ، قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم:“منْ سُئِل عنْ عِلمٍ فَكَتَمَهُ، أُلجِم يَومَ القِيامةِ بِلِجامٍ مِنْ نَارٍ”.رواهُ أَبو داود والترمذي، وَقالَ: حديثٌ حسنٌ.

حُقُوقُ الْمُدَرِّسِين:

وَمِنَ الأَقْوَال الشَّائعَة لَدَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ:” أُجُورُ الْمُدَرِّسِين عِنْدَ اللهِ فِي الْآخِرة” أَيْ ألَّا يَتَمَنَّى الْمُدَرِّسُونَ ثِمَارَ أَتْعَابِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَلَوْ قَلَّ بَلْ مَكَانَتُهُمْ فِي الْآخِرَة مَعَ الْأَبْرَار. إِذاً, فَنَصِيبُهُمْ فِي الدُّنْيَا: الْفَقْرُ, وَالْحِرْمَانُ, وَالتَّحْقِيرُ. وَفِي الْحَقِيقَة هَذِه الْفِكْرَةُ لَفِكْرَة خَاطِئَة سَيِّئَة. لِأَنَّ الْمُدَرِّسِينَ أَحَقُّ بِالتَّكْرِيم والاحترام والإغْنَاء والتَحْريض, والتَّبْجِيل…إِذْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ يَتَرقَّى الْمُتَخَصِّصُون الآخَرون: الأطباءُ, والْمُهَنْدِسُون, والاقْتِصَاديُّون, وَالسِّيَاسِيُّون, والحِرفِيُّون, والفلّاحون وَغَيْرُهُمْ.

والْيَوْمَ, مِهْنَةُ التَّدْرِيسِ قَدْ صَارَ مِهْنَةَ الْأَذَلِّينَ مِنْ قِبَلِ الْمُوَظِّفِينَ حُكُومَةً وشَخْصِيّاً لاَ يُرَى لِلْمُدَرِّسِينَ حُقُوقاً, رَوَاتِبُهُمْ أَقَلُّ مِنَ الْقَلِيل. والْمُجْتَمَعُ لاَ يَحْتَرِمُهُمْ لِأَنَّهُمْ فُقَرَاءُ حَتَّى بَعْض آباء لا يُزَوِّجُونَهُم بَنَاتهمْ مِنْ أَجْلِ فَقْرِهِمْ, وأحياناً صَعب على المدرِّسين استئجار البيوت والسّكن. وفي كثير من الولايات في نيجيريا اليوم لم تدفع الحكومة رواتبهم لمدّة أشهر ماضت. ولهم عيال ينفقون عليها !!! فيا للعجب !!!.

وصِيَّةٌ لِلْمُدَرِّسِين:

أَيُّهَا الْمُدَرِّسُونَ: إِيَّاكُم وَإِيَّاكُم وَالْأَخْلاَق الدَّنِيئَة: أَمْثَال: الْبَطَّالَة, وَالْكَسَل, وَالْفَسَاد بِأَنْوَاعِهِ الْمُخْتَلِفَة, كالرّشو والإرتشاء فِي الامتِحَانات, والزِّنَى, والْجَهل, والتّقْصِير, والْغَضَبُ , والْعَجلة, وكثرة حبّ الدّنيا…

الدعاء:

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي الأوّلِينِ , وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي الآخِرِينَ , اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ , فِي الْمَلَإَ الأعْلَى .

اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً , سَخَّاءَ رَخَّاءَ , وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ ياَ رَبَّ الْعَالَمِينَ .اللَّهُمَّ أَطْعَمْنَاَ مِنْ جُوعٍ وَآمَنّاَ مِنْ خَوفٍ ؛ اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ , وَاجْعَلْهُمْ ذُخْراً لِلإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ أصْلِحْ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَفَتَيَاتِ الْمُسْلِمِينَ , وَاحْفَظْهُنَّ مِنَ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ , وَاجْعَلْهُنَّ ذُخْراً لِلإسْلامِ والْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وأُمَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَأَغْنِيَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَحُكَّامَ الْمُسْلِمِينَ , وَاجْعَلْهُمْ ذُخْراً لِلإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ يَا سَامِعَ الصَّوْتِ , وَيَا سَابِقَ الْفَوْتِ , وَيَا كَاسِيَ الْعِظَامِ لَحْماً بَعْدَ الْمَوْتِ , صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ . اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلَّا يَسَّرْتَهُ وَلَا مَيِّتاً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ياَ حَيٌّ يَا قَيُومٌ .اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِوالِدَيْناَ ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ , الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ .رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ .  اللَّهُمَّ إنَا نَسْأَلُكَ بِأنّاَ نَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ , الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدُ .رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ .

وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِ ناَ ومَولاناَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً كَثِيراً.

2 Comments

Leave a Reply