صِفات عِبَاد الرّحمن : (5) الاعتدال في الإنفاق

بسم الله الرّحمن الرّحيم
الخُطبة الخامسة لشهر جُمادَى الأُولى بتأريخ 30\5\1439هــ-16\2\2018م
حول : صِفات عِبَاد الرّحمن : (5) الاعتدال في الإنفاق
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ , الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان:25\63-67] , نَحمده ونستعينه ونستغفره , ونعُوذُ باللهِ تعالَى مِنْ شُرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا , مَنْ يهده اللهُ فلا مُضلَّ له , ومن يضلل فلا هادي له , ومن لم يجعَل لهُ نُوراً فما لهُ مِنْ نُورٍ . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , خصَّنا بخير كِتابٍ أنزل , وأكرمنا بخير نبيٍّ أرسل , وجَعَلَنَا بالإسلام خَيْرَ أُمَّةٍ أُخرِجتْ للنَّاسِ , نأمُرُ بِالمَعرُوف ونَنهَى عن المُنكَرِ , ونُؤمِنُ باللهِ , وأتَمَّ عَلَيْنَا النِّعْمَة بأَعْظَمِ دِينٍ شَرَّفَهُ اللهُ لِعِبَادِهِ : دِين الإِسْلام : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائِدة:5\3] , وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:2\85].
وأشهد أنَّ مُحمّداً عَبْدُهُ ورسُولُه , أدَّى الأمانة , وبلَّغ الرِّسالةَ , ونَصَحَ لِلْأُمَّة , وجاهَدَ فِي اللهِ حقَّ جِهَادِهِ , وَتَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءَ , عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحَة الْغَرَّاء , لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا , لا يَزِيغُ عَنْهَا إِلّا هَالِكٌ , فَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً , وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً . اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ , وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ , وأحْيِنَا اللهُمَّ عَلَى سُنَّتِهِ , وأَمِتْنَا عَلَى مِلَّتِهِ , وَاحشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ , مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء والصَّالِحِين , وَحَسُنَ أولَئِكَ رَفِيقاً.
أمَّا بَعْدُ ,
فَعِبَادَ اللهِ , أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجلَّ طِبْقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب :33\70-71] .
إِخْوَةَ الإِيمَان , هَذَا هُوَ اللِّقَاءُ الخامسُ لشهر جمادى الأولَى ونحنُ على صِفات عبادِ الرّحمن , وقَدْ عالَجْنا أربع صفاتٍ منها , ألا وهي : التّواضع والْحِلم و قيام اللّيْل والخوف من النّار . واليوم-إن شاء اللهُ تعالى-نأخُذُ خَامِسَةَ هَذِهِ الصِّفاتِ كَمَا رتَّبها الشّاهِدُ الرَّقِيبُ سُبحانه وتعالى – الاعتدال في الإنفاق .
أيُّها الإخْوَةُ الْمُسلِمُونَ ,
لا زِلْنَا نَعِيشُ فِي رِحابِ الْقُرآنِ مَعَ عِبَادِ الرّحمن , الّذِينَ رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عَنْهُ , والّذِين وصفهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْفُرقانِ .
وَصَفَ حَالَهُمْ فِي أنفُسِهِمْ , وَوَصَفَ حَالَهُمْ مَعَ النَّاسِ , ووَصَفَ حَالَهُمْ مَعَهُ سُبْحَانَهُ .ثُمَّ وَصَفَ حَالَهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ فَقَالَ وَتَعَالَى : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان:25\67].
فلَيْسَ الْمُفتَرِضُ في عِبَادِ الرَّحمن أنَّهُمْ قَوْمٌ لا مَالَ لَهُمْ , لا , لَيْسَ الْفَقْرَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْعُبُودِيّة للرَّحمن , فَقَدْ يَكًونُونَ أَغْنِيَاء .
وقد وصفَ اللهُ رُوَّادَ الْمَسَاجِد .. رُوّادَ الْبُيُوت الّتِي أذِنَ اللهُ أن تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ , فَقَالَ : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ [النّور:24\36-37] , فَهُمْ- بِلُغة الْعصر-(رجال أعمال) لهم تِجارةٌ ولهم بيعٌ , ولكن ذلك لا يُشُغِلُهُم عن وَاجِبِهِمْ نَحْوَ رَبِّهِم .
وخاطَبَ اللهُ الْمُؤمِنِينَ بِقَوْلِهِ : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون :63\9] . ومعنى هَذَا : أنّ لَهُمْ أموالاً وأولاداً , وليسُوا رهباناً ولا دراويش , ولكنَّهُم مأْمُورُون ألّا تُلهِييِمْ أموالُهُمْ وأوْلادُهُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ , ذكره بالقلب , وذكره باللِّسان , فعباد الرّحمن لا بأسَ أن يَكُون لَهُمْ أموالٌ , والْمَالُ فِي نظر الإسلام نِعمَةٌ يجب أن تُشْكَرَ ( ولهذا بوَّب الإمام النّووي في (رياض الصّالحين ) باباً سمَّاهُ : باب فضل الغني الشّاكر وهو من أَخَذَ الْمَالَ من وجهه وصرّفه في وجوهه المأمور بها) , وهو في نظر الإسلام أمانة يجب أن تُرعَى , وهو في نظر الإسلامِ ضرورة – من الضّروريات الخمس –يجب أن تُحفَظَ .
والمسلم في ماله مختلفٌ , هُوَ فِي الْحقيقةِ مال اللهِ وهو أمينٌ عليه .. خليفةٌ عليه , نائِبٌ عن ربِّه في حُسنِ تنميَّته وإنفاقه , ولذلك قال اللهُ تعالى : ﴿ .. وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ .. ﴾ [الحديد:57\7] وتتمّتها : ﴿..فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِير﴾ [الحديد:57\7] .
وإذا كان المال مال اللهِ , والإنسان مُسْتَخلَفاً فيه كأمين الصّندوق , فيجب عليه أن يراعي تعليمات صاحب المال وتوجيهاته : ماذا يريد منه ؟ وماذا يرضاه ؟ وماذا يسخطه ؟ وماذا يأمرُ به ؟ وماذا ينهى عنه؟
لا يجوز لموظف في شَركة أو مؤسَّسة أن يُخالفَ عن أمر صاحب المؤَسَّسَة ويتصرَّفُ كما يشاء , فالمسلم موظَّفٌ في مال اللهِ , أمِينٌ عليه .
وللهِ تعالى تعليماتٌ في شكل المال :
تعليمات تتعلّقٌ باكتسابه , أن يُكتسَب من حلِّه ومن وجوهه الْمشرُوعَة , وتعليمات تتعلّق بتثميره وتنميّته , وتعليمات تتعلّق بإنفاقه واستهلاكه وتوزيعه , والآية التي معنا ركّزت على معنى مُعيَّن مُهمٍّ , هو : كَيْفَ يُنفقُ الْمالَ ؟
قد يجمع المال من حلِّه , قد يكتسبه الانسان من وجوهه المشروعة , ولكنَّه بعد ذلك يبخل به عن حقِّه يشحُّ به أن يبذله لما يحب الله تعالى ويرضى , أو يُتلفه ويبعثره ذات اليمين وذات الشّمال .
والأمّة قد تُصابُ مِنْ أغيائها مِنْ وجْهَيْنِ:
إمّا أن تُصابَ من ناحية ذلك الغني الشّحيح الّذي لا يعرف للهِ حقّاً , ولا يعرف في ماله للنّاس حقّاً , يبخلُ به عن كُلِّ واجبٍ . وإمّا أن تُصاب من ناحية ذلك المتلاف المبذّر الّذي لا يبالي أين ذهب المال ؟ يبذله هُنَا وهناك , لا يقف عند شرعٍ .
ولكنّ المالَ ينبغي أن يُنفَقَ فِي وجوههِ الْمَشْرُوعة بلا إسرافٍ ولا تقتير,هذا هو خُلُقُ الإسلامِ : القَصدُ والاعتدال .
لذلك جاء في آيةٍ أخرى من وصايا القرآنِ .. من وصايا اللهِ لِعِبَادِه فِي سورة الإسراء : ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ… ﴾ [الإسراء :17\26-27] {أشباههم في الشَّرِّ والمعصية والْجُحود بنعمة الله } , وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ [الإسراء :17\ 27 -28 ] , إذا أتاك القريب أو المسكين أو ابن السّبيل يرجو منك شيئاً ولا تملكه وينبغي رحمة من الله ورزقا يسوقه إليك : ﴿ فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ﴾ [الإسراء :17\ 28 ]. عدهم وعداً جميلا إذا وسّع الله عليك وأفاء عليك من فضله : ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ﴾ [الإسراء :17\ 29 ] {كناية عن البخل بما هو واجب} ﴿ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْط﴾ [الإسراء :17\ 29 ] {فتتوسّع وتسرف} ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ﴾ [الإسراء :17\ 29 ] فإنّكَ إذا أسرفت قعدت محسوراً , وإذا بخلت وقتّرت قعدت ملوماً , وأنت ملوم محسوراً , وإذا بخلت وقتّرت قعت ملوما , وأنت ملومٌ محسورٌ على كلِّ حالٍ إذا لم تتبع أمر الله ونهيَهُ .
هذا هو القصد والاعتدال , هذا هو دستور الإسلام .
كان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسأل الله ويقول : “اللهمَّ وَأسأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الغَيْبِ والشّهادَة , وأسألُكَ كَلمَةَ الإخلاص فِي الْغَضَبِ والرِّضَى , وأسألك القَصْدَ فِي الفَقْرِ وَالْغِنَى ” (وراه النَّسائي والحاكم عن عمّار بن ياسر , وذكره في صحيح الجامع الصّغير وزيادته برقم (1301) .
والقصد : الاقتصاد والاعتدال .
روى الإمام البزّار من حديث حذيفة أنّ النّبيَ صلّى الله عليه وسلّم قال : ” مَا أحسن القصد فِي الغِنَى , مَا أحسن القصد في الفقر , وَأحسن القصد فِي العبادة ” (قال الهيثمي : رواه البزّار من رواية سعيد ابن حكيم عن مسلم بن حبيب … )
حتى العبادة القصد والاعتدال فيها مطلوب.
روى الإمام أحمد من حديث أبي الدّرداء أنّ النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال: “مِنْ فِقْهِ الرّجُلِ رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ” (قال الهيثمي في المجمع : رواه أحمد , وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط (4\7) : هذا دلالةٌ على فقهه وعلى نور بصيرته , إنّه يقتصد , ولا يبذّر ولا يُسرف , ولا يبخل ولا يقتِّر , فهو وسط من أُمّة وسطٍ , و “خَيْرُ الأُمُورِ أوْسَطُهَا” (لم يذكره الإمام القرضاوي على أنّه حديث نبوي…)
وروى الإمام أحمد كذلك من حديث ابن مسعود , أنّ النَّبي صلّى الله عليه وسلّم قال : ” مَنْ عالَ مَنِ اقْتَصَدَ” (رواه أحمد والطّبراني في الكبير والأوسط) . أي : ما افتقر من اقتصد , وذلك لأنّ الّذي يقتصد ويعتدل في إنفاقه , يدّخر بعض الشّيء من شبابه لهرمه , ومن صحته لسقمه , ومن غناه لفقره , ومن اقتصد شيئاً للمستقبل فقلّما يفتقر .
الإسلام يطلب الإنفاق , ومن صفات المتّقين أنّهم يُنفقون , ولكنّ اللهَ حينما وصف المتّقين في مطلع سورة البقرة قال : ﴿…وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [البقرة:2\3 ] , أي : يُنفقون بَعْضَ مَا رزَقهُمُ اللهُ , وليس كلّ ما رَزَقَهُمُ اللهُ . ﴿ ﴾
والله حين أوجب على النّاس الزّكاة , أوجبها في بعض المال : ربع العشر , وفي بعض المال : نصف العشر , وفي بعض المال : العشر , ولم يكثِّر على النّاس , كما قال الله تعالى : ﴿إنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ (يشدِّد عليكم) تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ﴾ [محمّد: 37 ] .
ولذلك لم يسألنا إلا العفو : ﴿خُذْ الْعَفْوَ .. ﴾ [الأعراف :7\199]. ﴿…ويسألُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ , قُلِ الْعَفْوَ.. ﴾ [البقرة:2\219] . أي : ما فضل عن الحاجة .
ومن هنا جاء في الحديث : “لا صَدَقَة إلا عَنْ ظَهْرِ غِنَى” (رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة ) . لم يطلب الإسلام منك أن تنفق ممّا تحتاج إليه , من فعَلَ هَذَا إيثاراً فَهَذِهِ فَضِيلَة وليست فَرِيضة , كالّذين مدحهم اللهُ تعالى في كتابه بقوله : ﴿ .. وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:59\9] , والأبرار الّذين أثنى عليهم فقال : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴾ [الإنسان:76\ 8]. يحبّون الطّعام , ويتوقون إليه , وهم في حاجة إليه , ولكنّهم يبذلون للهِ : ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴾ [الإنسان:76\9-10] .
المسلم ينفق ماله بغير إسرافٍ ولا تقتيرٍ , لا يبخل على نفسه , فإنّها أوّل ما ينبغي النّفقة .
نسأل الله عزّ وجلّ أن يوفِّقنا في ديننا , وأن يجعلنا من عباد الرّحمن : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزّمر:39\18].
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم , فاستغفروه وتوبوا إليه إنّه هو الغفور الرّحيم , وادعوه يستجب لكم
الْخُطبَة الثّانِية :
الحمد للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ القائِلِ فِي كتابِهِ الْعَزِيز:ِ ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ {البقرة:2\283} والقائل: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾{الطّلاق:65\2},.نَحْمَدُهُ سُبْحانه وتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِناَ , إِنَّهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ؛ وَاَشْهَدُ أَنْ لاَإِلَهَ إِلاَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأشْهَدُ أَنَّ محُمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, الْقَائِلَ فِي حَدِيثِهِ الشَّرِيفِ: (( مَنِ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَي عِصَابَةٍ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَرْضَى للهِ مِنْهُ ، فَقَدْ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ )) (الحاكم) . صلي الله عليه وآله الأطهار وأصحابه الأبرار وعلي كل من اقتفي آثارهم واستن بسنتهم واهتدي بهديهم إلي يوم الدين, آمين.
أَمَّا بَعْدُ,
فعباد الله , نتّهز هذه الفرصة الذّهبية لحثِّ إخواننا المسلمين النّيجيريين الذين لم يحصلوا على بطاقة النّاخبين الدّائمة (PERMANENT VOTERS’ CARD (PVC)) على أخذها فوراً بدون التّسويف لأنّ هذه البطاقة قوّتهم لاختيار الأصلح في أمور دُنياهم .
وعلى الأئمّة في المساجد وأمراء الجمعيات الإسلاميّة أن ينبّهوا جماعتهم ويبيّنوا لهم أهمية هذه البطاقة لأنّ النّصارى يعلنون في كنائسهم ليلا ونهارا ويُجبرون أتباعهم على أخذ هذه البطاقة لأنّهم يُدركون أهمية القوّة السِّياسيّة. وهذه الأصناف من الإنسان في مسيس الحاجة إلى أخذ البطاقة :
(أ.) الذين لم يحصلوا عليها من قبل لعلّة أو أخرى .
(ب.) الذين أعمارهم لم تبلغ ثمانية عشر عاما سنة 2015م وقد بلغ ذلك الآن .
(ج.) الّذين ضاعت عنهم بطاقتهم .
(د.) الذين قد تغيّرت عناوين مساكنهم . وما إلى ذلك …
وهناك مراكز لتسجيل أسمائهم وجميع المتطلبات اللّازمة . إنّ المسلم لا يلعب بأمور دينه ودنياه . ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار .
الدّعاء:
اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ياَ حَيٌّ يَا قَيُومٌ .
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِوالِدَيْناَ ولِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ والْمُسْلِمَاتِ , الأحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ .
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ .
اللَّهُمَّ إنَا نَسْأَلُكَ بِأنّاَ نَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ أَنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ , الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدُ .رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ .وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِ ناَ ومَولاناَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً كَثِيراً.

2 Comments

Leave a Reply