الإِسْلام والسِّيَاسَة الدّيمقراطِيَة

CLICK HERE TO DOWNLOAD

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الأولَى لشهر رَبِيعِ الثَّانِي بتأريخ 6\4\1440هــ -14\12\2018م

حول:الإِسْلام والسِّيَاسَة الدّيمقراطِيَة

الحمد لله ربّ العالمين  نَحْمَدُهُ سُبْحانه وتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِناَ , إِنَّهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فلن تجدله ولِيا مرشداً؛ وَاَشْهَدُ أَنْ لاَإِلَهَ إِلاَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وَأشْهَدُ أَنَّ محُمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُه  .اللهم صلّ وسلّم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدّين .

أمّا بعد ,

فَيا عِبَادَ الله, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ,ظَاهِراً وَبَاطِناً, مِصْدَاقاً لِقَوْلِهِ تَعالَى:﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ {الأنفال:8\29}.

إخْوَةَ الإِيمان , هذا هو اللّقاء الأول لشهر ربيع الثّاني , وسنعود إلى قضية السّاعة في وطننا الحبيب نيجيريا , بعد اشتغلنا بذكرى حبيبنا وقدوتنا ومرشدنا, سيّدنا ومولانا محمّد-صلّى الله عليه وسلّم- في شهر ربيع الأوّل , وموضوع خطبتنا اليوم يدور حول : الإسلامِ والسِّياسة الدّيمقراطية – مواصلة لما كنا عليه قبل حلول شهر ربيع الأوّل .

الإِسْلامُ والسِّياسةُ الديمقرَاطِيَة:

أيّها المسلمون الكرام , قد يَينَّا فِي الخُطَبِ الماضية حول السياسةأنَّ الدَّولَةَ فِي الإِسْلامِ دَوْلَةٌ مَدَنِيّة كَغَيْرِهَا مِنْ دُوَلِ الْعَالَمِ المتحضر, وإِنَّمَا تتمَيَّزُ بِأَنَّ مَرْجَعَهَا الشَّرِيعَةُ الإسلاميّة , وَفِي هَذِهِ الْخُطْبَة سَنُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الدَّوْلَةَ الْمَدَنِيَّةَ تَقُومُ عَلَى الشُّورَى وَالْبَيْعَةِ وَاخْتِيَارِ الْأُمَّةِ لِحَاكِمِهَا بِإِرَادَتِهَا الْحُرَّة , وَعَلَى نُصحه وَمُحاسَبَتِهِ , وإِعَانَته عَلَى الطَّاعَة , وَرَفْضِ طَاعَتِهِ إِذَا أَمَرَ بِمَعْصِيَة , وتقويمه بِالحُسْنَى , وحقّها في عزله إذا أصرّ على عوجه وانحرافه , وهذا التَّوجه يجعل الدّولة الإسلامية أقرب ما تكون إلى جوهر الدّيمقراطية .

الديمقراطية المنشودَة :

ونعني بالدّيمقراطية في هذا المقام : الدّيمقراطية السّياسية . أمّا الدّيمقراطية الاقتصادية , فتعني (الرّأسمالية) بما لها من أنياب ومخالب , فإنّنا نتحفظ عليها . وكذلك الدّيمقراطية الاجتمالية التي تعني (اللّيرانية) بما يُحمّلونها من حرية مطلقا , فإنّنا كذلك نتحفّظ عليها .

إنَّ الرّأسمالية(القارونية) مرفوضة عندنا, لأنّها تقوم على فكرة الرّأسمالي الذي يقول عن ماله : ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص : 28\78] , أو كَمَا قال قوم شعيب له : ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: 87], والفكرة الإسلامية أنَّ الإنسانَ مُسْتَخْلَفٌ فِي مَالِ اللهِ , ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد  7], وأنَّ الْمَالِكَ الحقيقي للمال هو الله , والغني أمينٌ على هذا المال , وكيلٌ عن مالكه الحقيقي , فملكيته مقيّدة , عليها تكاليف وواجبات , وتقيدها قيود في الاستهلاك والتنمية والتّوزيع والتبادل . وتفرض عليها الزّكاة التي عدت من أركان الإسلام , كما يُمنع المالك من الرّبا والاحتكار والغش والغبن والسرف والتّرف والكنز وغيرها . (دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي – للشيخ يوسف القرضاوي).

الدّيمقراطية وصِلَّتُهَا بِالإِسْلام :

إخوة الإسلام , يحسن بنا بمناسبة حديثنا عن الدّيمقراطية : أن نذكر هنا موقف الإسلام من الدّيمقراطية , فقد رأينا الّذين يتحدّثون عن الدّيمقراطية وصلّتها بالإسلام عدة أصناف متباينة :

1.الرّافضون للدّيمقراطية باسم الإسلام :

صنف يرى أنّ الإسلام والدّيمقراطية ضدّان لا يلتقيان , لعدّة أسباب :

أ-أنّ الإسلام من الله والدّيمقراطية من البشر .

ب-وأنّ الدّيمقراطية تعني حكم الشّعب للشّعب , والإسلام يعني حكم الله .

ث-وأنّ الدّيمقراطية تقوم على تحكيم الأكثرية في العدد , وليست الأكثرية دائماً على صواب .

ج-وأنّ الدّيمقراطية مبدأ مستورد من الغرب النّصراني أو العَلماني الّذِي لا يُؤمن بسلطان الدِّين على الحياة , أو الملحد الّذي لا يُؤمن بنبوة ولا ألوهية ولا جزاء , فكيف نتّخذه لنا إماماً؟

بناء على هذا يرفض هؤلاء الدّيمقراطية رفضاً باتًا , وينكرون على من ينادي بها أو يدعو إليها في ديارنا , بل قد يتهمونه بالكفر والمروق من الإسلام . فقد صرّح بعضهم بأنّ الدّيمقراطية كفر !

2-القائلون بالدّيمقراطية بلا قيود :

على عكس هؤلاء , آخرون يرون أنَّ الدّيمقراطية الغربيّة هي العلاج الشّافي لأوطاننا ودُوَلِنَا وشُعُوبِنا , بِكُلِّ ما تحمله من معاني اللّيبرلية الاجتماعية , والرّأسمالية الاقتصادية , والحرّية السِّياسية . ولا يقيد هؤلاء هذه الدّيمقراطية بشيءٍ , وهم يريدونها في بلادنا , كما هي في بلاد الغربيِّين , لا تستند إلى عقيدة , ولا تحُثُّ على عبادة , ولا تستمدّ من شريعة , ولا تُؤمن بقِيَمٍ ثابتة , بل هي تفصل بين العلم والأخلاق , وبين الاقتصاد والأخلاق , وبين السّياسة والأخلاق , وبين الحرب والأخلاق .

وهذا هو منطق (التّغربيبيّين) الّذين نادوا من قديم , بأن نسير مسيرة الغربيين , ونأخذ حضارتَهُم بِخَيْرِهَا وشرِّها , وحلوها ومُرِّها ! (انظر : مستقبل الثّقافة في مصر لطه حسين ص54 طبعة دار الكتاب اللّبنان, بيروت) .

3-أهل الوسطية والموازنة:

وبين هؤلاء وأولئك : تقف فئة الوسط التي ترى خير ما في الدّيمقراطية – أو قل : جوهر الدّيمقراطية – متفق مع جوهر تعاليم الإسلام .

جوهر الدّيمقراطية : أن يختار النّاسُ من يحكمهم ولا يُفرضُ عليهم حاكمٌ يكرهونه ويرفضونه يقودهم بعصاه أو سيفه . وأن يكون لديهم من الوسائل : من يقوِّمون به عوجَهُ , ويردونه إلى الصّواب إذا أخطأ الطّريق , وأن تكون لديهم القدرة على إنذاره إذا لم يرتدع , ثمّ عزله بعد ذلك سلمياً .

وإذا اختلف معه أهل الحَلِّ والْعَقْدِ – أو مجلس الأمّة أو الشّعب أو مجلس النُّوّاب , فإن كان في أمرٍ شرعيٍّ : رُدَّ التّنازُّع إلى الله ورسوله كما أمر القرآن : ﴿يا أيّها الّذينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُّدُّوهُ إِلَى اللهِ والرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النِّسَاء:4\59] , وقد أجمع العُلماء على أنّ المراد بالرّدِّ إلى الله : الرَّدُّ إلى كتابِهِ . وبالرّدِّ إلى رسول الله : الرّدُّ إلى سُنَّنته .

والذين يرجع إليهم في هذا هم الرّاسخون في العلم , الخبراء وأهل الذّكر في العلم الشّرعي : علم الكتاب والسّنّة والفقه وأصوله , الّذين يجمعون بين فقه الشّرع وفقه الواقع , أعني فقه العصر الذي يعيشون فيه وما فيه من تيارات ومشكلات وعلاقات , كما قال تعالى : ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النِّساء: 4\83] .

نقف هنا نظرا لضيق المقام , أقول قولي هذا أستغفر اللهَ الْعَظيمَ لِي ولَكُمْ فاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ الغفُورُ الرَّحِيمُ .

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَة :

الحمد لله ربّ العالمين , الّذي أنزل القرآن باللّغة العربيّة الفصحى , أفصح لغات العالم , القائل في كتابه العزيز : ﴿إنَّا أنزلناهُ قُرْآناً عربيّاً لَعَلَكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف : 12\2], نحمده سبحانه وتعالى ونشكره ونؤمن به ونتوكّل عليه ونصلّي ونسلّم على أشرف المرسلين سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدِّين .

أمّا بعد ,

فيا عباد الله , يجدر بنا في الوقت الرّاهن أن نذكر أنّ الأمم المتحدة قد جعلت للغة العربية اليوم العالمي , وذلك يوم 18, من شهر ديسمبر سنوياً .وصادف ذلك اليوم يوم الثلاثاء القادم . فعلى المدارس والنّاطقين باللغة العربية الفصحى أن  يقوموا بإحياء ذلك اليوم حقَّ الإحياء .

تأريخ موجز لليوم العالمي للّغة العربيّة :

تقرر الاحتفاء باللغة العربية في هذا التاريخ لكونه اليوم الذي أصدرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3190 في ديسمبر عام 1973، والذي يقر بموجبه إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية ولغات العمل في الأمم المتحدة. بعد اقتراح قدمته المملكة المغربية والمملكة العربية السعودية خلال انعقاد الدورة 190 للمجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو.

أما مسألة استخدام اللغة العربية كلغة عمل في دورات المجلس التنفيذي، فأُدرجت في جدول الأعمال في عام 1974 بناءً على طلب من حكومات الجزائر، والعراق ، والجماهيرية العربية الليبية ، والكويت، والمملكة العربية السعودية، واليمن، وتونس، وجمهورية مصر العربية، ولبنان.

أهمية اللغة العربية

 تتضح أهمية اللغة العربية في النقاط الآتية:

1-اللغة العربية هي لغة القرآن يعدّ نزول القرآن معجزة السماء والرسالة العالمية من الله للبشر بهذه اللغة الشيء الأهم الذي أبرز مكانتها حيث حملت اللغة العربية دور أفضل وسيلة لنقل أسمى المعاني في هذا الكتاب العظيم، كما أنها حفظت بحفظه عبر الأزمان، ولما فيها من ميزات ذكرتها بعض الدراسات كخلوها من كل العيوب التي يمكن أن تؤدي إلى اندثار اللغات وزوالها عبر الزمن.

2-كون اللغة العربية اللغة الحضارية الأولى في العالم لوقت طويل.

3-قدرة اللغة العربية على المساعدة في التعبير عن العلوم المختلفة، بسبب تمتعها بخصائص، وألفاظ، وتراكيب، وخيال، والعديد من الميزات الأخرى. كون اللغة العربية أداة للتعارف والتواصل بين ملايين البشر في شتى بقاع الأرض. اتسام اللغة العربية بأنها ثابتة في جذورها ومتجددة بسبب خصائصها وميزاتها العديدة.

4-مساعدة اللغة العربية على استمرار الثقافة العربية بين الفئات المختلفة، والمحافظة على الاتصال بين الأجيال.

5-نقل اللغة العربية لتعاليم الإسلام وما انبثق عنه من حضارات.

6-كون اللغة العربية طريقة من أفضل الطرق التي تساعد في تسجيل الأفكار والأحاسيس.

الدّعاء :

اللهم أمنا في أوطاننا وول علينا خيارنا وأيد بالحق أولياء أمورنا, وحقق الأمن والاستقرار في بلادنا, اللهم إنّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم, اللهم أعز الإسلام والْمسلمين وأصلح أحوال الْمسلمين فى كل مكان, وادفع عنا الفتن والشرور  وأصلح لنا ولاة الأمور, واستجب دعاءنا إنك أنت سَميع الدعاء.

اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذّا ذَنْباً إِلاَّ غَفَرْتَهُ , وَلاَ هَمًّا إِلاَ فَرَّجْتَهُ , وَلاَ دَيْناً إلا قَضَيْتَهُ , وَلاَ مَرِيضاً إلاَ شَفَيْتَهُ , وَلاَ مُبْتَلَى إلاَ عَافَيْتَهُ , وَلا فَسَاداً إِلا أصْلَحْتَهُ , وَلاَ ضَالاً إلاَ هَدَيْتَهُ , وَلاَ بَاغِياً إلا قَطَعْتَهُ , وَلا مُجَاهِداً فِي سَبِيلِكَ إلا نَصَرْتَهُ , وَلاَ عَدُوًّا إلاَخَذَلْتَهُ , وَلاَ عَسِيراً إلَّا يَسَّرْتَهُ وَلَا مَيِّتاً إلا رَحِمْتَهُ , وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضَى , وَلَنَا فِيهاَ صَلاحٌ إلا أَعَنْتَنَا عَلَى قَضَائِهَا , بِرَحْمَتِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ياَ حَيٌّ يَا قَيُومٌ .

وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِ ناَ ومَولاناَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً كَثِيراً.

 

Leave a Reply