أَحْكَام الْأُضْحِية وَآدَاب الْعِيدِ

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الخطبة الثانية لشهر ذِي الْحِجّة بتأريخ 8\12\1440ه9/8/2019 

حَوْلَ: أَحْكَام الْأُضْحِية وَآدَاب الْعِيدِ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينِ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَشْكُرُهُ وَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا, إِنَّهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً ؛ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ , للّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمّا بَعْدُ,

فعِبَادَ اللهِ, أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إذْ هِيَ الْغَايَةُ الْمَنْشُودَةُ منَ النُّسُكِ وَجَمِيعِ الْقُرُبَاتِ فِي الدِّينِ الْحَنِيفِ, مِصْدَاقاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ b. 

إِخْوَةَ الإِيمَانِهَذَا هُوَ اللقاء االثاني فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّة الَّذِي هُوَ شَهْرُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.ونَحْنُ فِي صَمِيمِ الأيامِ الْعَشْرِ الْمُفَضَّلَةِ. وَقَدْ تَحَدَّثْنَا فِي الأُسْبُوعِ الْمَاضِي عَنْ وَظَائِفِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّة. وَمِنْ هَذِهِ الْوَظَائِفِ الْأُضْحِيَة وصلاة الْعِيد. وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أحْكَامٌ وَآدَابٌ. إِذاً, فحديثنا الْيَوْمَ يَدُورُ حَوْلَ: أَحْكَام الْأُضْحِية وَآدَاب الْعِيدِ.

الْأُضْحِيةُ: أَحْكَامٌ وَآدَابٌ:

أَيُّها الْمُسْلِمُونَ الْكِرَامُ, الأضحية من العبادات المؤكَّدة كما في كتاب الله عزَّ وجلَّ وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين.قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ{سورة الكوثر، آية: 2}. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ضحى النبي بكبشين أملحين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما.

والأضحية هي ما تذبح من النعم تقرباً إلى الله تعالى من يوم عيد النحر إلى آخر أيام التشريق، وهي سنة مؤكدة يثاب فاعلها ولا يأثم تاركها. قال في المغني: أجمع المسلمون على مشروعية الأضحية. وتذبح اقتداءا بأبينا إبراهيم عليه السلام واتباعاً لسنة نبينا محمداً. وَوقت ذبحها تبدأ من بعد صلاة العيد يوم النحر إلى غروب الشمس من آخر يوم من أيام التشريق، ويجوز الذبح ليلاً ونهاراً. روى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله وليس من النسك في شيء. والأفضل أن يؤخر الذبح حتى تنتهي الخطبتان لأن ذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، قال جندب بن سفيان البجلي رضي الله عنه: صلى النبي صلى الله عليه وسلميوم النحر ثم خطب ثم ذبح. رواه البخاري.

عباد الله، إن السن معتبر في الأضحية فهي من الإبل ما له خمس سنوات، ومن البقر ما تم له سنتان، ومن المعز ما تم له سنة، ومن الضأن ما تم له ستة أشهر. وكذلك يجب أن تكون الأضحية سليمة. فلا تجزئ العوراء البين عورها، ولا المريضة البين مرضها، ولا العرجاء البين عرجها، ولا الهزيلة وتكره مقطوعة الأذن والذنب، أو مشقوقة الأذن طولاً، أو عرضاً، ويكره مقطوع الألية والضرع، وفاقدة الأسنان، والجماء ومكسورة القرن.وأفضل الأضاحي: ما كان أسمنه وأكثره لحماً وأغلاه ثمناً. ويستحب للمضحي أن يأكل من أضحيته ويهدي ويتصدق.

الذكاة وشروطها:

أيها المسلمون: يشترط في الأضحية كذلك الذكاة الشرعية حتى تحل للأكل، وحتى تكون ذكاة شرعية، فلا بد أن يكون المذكي عاقلا مميزا، مسلما أو كتابيا، وأن يقصد المذكي نية الذبح، وأن لا يكون الذبح لغير الله، ولا يذبح باسم غير الله تعالى، وأن يذكر اسم الله عند الذبح لقوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ)الأنعام./١١٨ فإن لم يذكر اسم الله تعالى عليها لم تحل لقوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) الأنعام/١٢١

ومن الشروط كذالك أن تكون الذكاة بمحدد ينهر الدم من حديد أو أحجار أو زجاج أو غيرها لقول النبي : ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا. رواه الجماعة. ثم يشترط في حل الذبح إنهار الدم أي إجراؤه بالتذكية لقول النبي المتقدم. ويشترط أنيكون المذكي مأذوناً في ذكاته شرعاً.

وللذكاة آداب ينبغي مراعاتها ولا تشترط في حل التذكية بل تحل بدونها فمنها: استقبال القبلة بالذبيحة حين تذكيتها، والإحسان في تذكيتها بحيث تكون بآلة حادة يمرها على محل الذكاة بقوة وسرعة، وأن تكون الذكاة في الإبل نحراً وفي غيرها ذبحاً،وأن يقطع الحلقوم والمريء زيادة على قطع الودجين، وأن يستر السكين عن البهيمة عند حدها فلا تراها إلا عند الذبح، وأن يكبر الله تعالى بعد التّسمية،وأن يسمي عند ذبح الأضحية من هي له بعد التسمية والتكبير ويسأل الله قبولها فيقول بسم الله والله أكبر اللهم منك ولك عني إن كانت له أو عن فلان إن كانت لغيره. 

كيفية الذبح على هديه صلى الله عليه وسلم:

وخلاصة الذبح على هدي النبي صلى الله عليه وسلم: هو أن تطرح الشاة على جنبها الأيسر مستقبلة القبلة بعد إعداد آلة الذبح الحادة، ثم يقول الذابح: “إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمينوإذا باشر الذبح أن يقول: بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك ويجهز على الذبيحة فيقطع في فور واحد حلقومها ومريئها وودجيها”.

 

الخطبة الثانب

الحمد لله والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين محمد وعلي أهله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

إخوة الايمان، إن الخير كل الخير في اتباع هدي الرسولصلى الله عليه وسلم في كل أمور حياتنا، والشر كل الشر في مخالفة هدي نبينا صلى الله عليه وسلم لذا أحببنا أن نذكركم ببعض الأمور التي يستحب فعلها أو قولها في ليلة عيد الأضحى المبارك ويوم النحر وأيام التشريق الثلاثة.

التكبير: يشرع التكبير من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق وهو الثالث عشر من شهر ذي الحجة، قالتعالى -: ((واذكروا الله في أيام معدودات)). وصفته أن تقول: (الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد) و جهر الرجال به في المساجد والأسواق والبيوت وأدبار الصلوات، إعلاناً بتعظيم الله وإظهاراً لعبادته وشكره.

ذبح الأضحية: ويكون ذلك بعد صلاة العيد لقول رسول الله صلى عليه وسلم:من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبحرواه البخاري ومسلم.

الاغتسال والتطيب للرجال: ولبس أحسن الثياب بدون إسراف ولا إسبال، أما المرأة فيشرع لها الخروج إلى مصلى العيد بدون تبرج ولا تطيب، فلا يصح أن تذهب لطاعة الله والصلاة ثم تعصي الله بالتبرج والسفور والتطيب أمام الرجال.

الأكل من الأضحية: كان رسول اللهصلى الله عليه وسلملا يطعم حتى يرجع من المصلى فيأكل من أضحيته. زاد المعاد 1/ 441.

الذهاب إلى مصلى العيد ما تيسر الصلاة مع المسلمين واستحباب حضور الخطبة: فالسنة الصلاة في مصلى العيد إلا إذا كان هناك عذر من مطر مثلاً فيصلى في المسجد لفعل الرسولصلى الله عليه وسلم. والذي رجحه المحققون من العلماء مثل شيخ الإسلام ابن تيمية أن صلاة العيد واجبة لقولهتعالى -: ((فصل لربك وانحر))ولا تسقط إلا بعذر، والنساء يشهدن العيد مع المسلمين حتى الحيَّض والعواتق، وتعتزل الحيَّض المصلى.

مخالفة الطريق: يستحب لك أن تذهب إلى مصلى العيد من طريق وترجع من طريق آخر لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

التهنئة بالعيد: لثبوت ذلك عن صحابة رسول اللهصلى الله عليه وسلم – . 

واحذروا  أخوة الايمان من الوقوع في بعض الأخطاء التي يقع فيها الكثير من الناس والتي منها: اللهو أيام العيد بالمحرمات كسماع الأغاني، ومشاهدة الأفلام، واختلاط الرجال بالنساء اللاتي لسن من المحارم، وغير ذلك من المنكرات.

الإسراف والتبذير بما لا طائل تحته، ولا مصلحة فيه، ولا فائدة منه لقول اللهتعالى -:((ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين)) الأنعام: 141

أخذ شيء من الشعر أو تقليم الأظافر قبل أن يضحي: عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم هلال ذي الحجةوفي لفظ: إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره”. رواه مسلم وفي لفظ لمسلم وأبي داود والنسائي: فلا يأخذ من شعره وأظفاره شيئاً حتى يضحي

وختاماً: لا تنسوا أيها الإخوة المسلمون أن تحرصوا على أعمال البر والخير من صلة الرحم، وزيارة الأقارب والجيران، وترك التباغض والحسد والكراهية، وتطهير القلب منها، والعطف على المساكين والفقراء والأيتام ومساعدتهم وإدخال السرور عليهم. نسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضى، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يجعلنا ممن عمل في هذه الأيام عملا صالحاً خالصاً لوجهه الكريم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الدُّعَاءُ:

اللّهمَّ كُنْ مَعَ حُجَّاجِ بيتِكَ الْمُحرّم فِي مَشَارقِ الأرْضِ وَمَغَارِبِها, اللهم أَرِهِمُ الْحقَّ حَقّاً وَارْزُقْهُمُ اتِّبَاعَهُ وَأَرِهِمُ الْبَاطِلَ بَاطِلاً وَارْزُقْهُمُ اجْتِنَابَهُ, اللهُمَّ اجْعَلْ حَجَّهُمْ حَجّاً مَبْرُوراً وَسَعْياً مَشْكُوراً وَذَنْباً مَغْفُوراً, وَرُدَّهُمْ بَعْدَ إِكْمَالِ أَعْمَالِهِمْ إِلَى أَهْلِهِمْ سَالِمِين, مَغْفُورِينَ لَهُمْ كَيَوْمِ وَلَدْنَهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ. يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. اللَّهُمَّ رَبِّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ. اللّهُمَّ اجْعَلْ لِكُلِّ مَنْ يَمُرُّ بِضِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجاً, وَلِكُلِّ مَظْلُومٍ مَخْرَجَ, وَلِكُلِّ مَهْمُومٍ رَاحَةً, وَلِكُلِّ حَزِينٍ سَعَادَةً, وَلِكُلِّ دَاعٍ بِخَيْرٍ إِجَابَةً, وَلِكُلِّ مَرِيضٍ شِفَاءَ, يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الْإِخْلاَصَ فِي الدَّعْوَاتِ وَالْقَبُولَ فِي الطَّاعَاتِ, وَالشُّكْرَ عِنْدَ الْخَيْرَاتِ, وَالْخُشُوعَ فِي الصَّلَوَاتِ, وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْعَثَرَاتِ, وَالصَّفْحَ عِنْدَ الزَّلَاتِ, وَالصَّبْرَ عِنْدَ الْأَزَمَاتِ, وَالنَّصْرَ عَلَى الْأَعْدَاءِ, وَالْغَلَبَةَ عَلَى الصِّعَابِ, وَالْحَمْدَ عِنْدَ الْبَرَكَاتِ, وَالتَّدَبُّرَ عِنْدَ الْآيَاتِ, وَقَضَاءَ الْحَاجَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, يَا حَيُّ ياَ قَيُّومُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِيمِينَ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً

Leave a Reply