آثار الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع

Download Khutba آثار الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبه الرابعة لشهر صفر ٢٦-٢-١٤٤١ الموافق ٢٥-١٠-٢٠١٩

حول: آثار الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع

إِنَّ الحَمدَ لِلّهِ الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ- { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] } [الروم:41] نَحمَدُهُ وَنَستَعِينُهُ وَنَستَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللّهِ مِن شُرُورِ أَنفُسِنَا وَمِن سَيِّئَاتِ أَعمَالِنَا، مَن يَهدِهِ اللّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَن يُضلِل فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَن لَا اله إِلَّا اللّهُ، وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ اتَّبَعَ سُنَّتَهُ وَاهْتَدَى بِهُدَاهُ إلي يَوْمِ الدِّين.

وَبَعْدُ فٱتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ لِأَنَّ بِتَقْوَاهُ تُنَالُ السَّعَادَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ اللهُ تَعَالى: “ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (الأحزاب: 71).

ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ: فَهَذِهِ هِيَ الْجُمْعَةُ الرَّابِعَةُ فِي شَهْرِ صَفَرِ، وَالْخُطْبَةُ تَدُورُ حَوْلَ:  آثَارِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ

عِبَادَ الله، اعْلَمُوا أَنَّ الْمَعْصِيَةَ أَوِ الذَّنْبَ هُوَ تَرْكُ الْمَأْمُورِ أَوْ فِعْلُ الْمَحْظُورِ، والْمَعَاصِي عَكْسُ الطَّاعَة وخِلاَفُهَا، فَمَنْ عَصَى اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقَدْ خَالَفَ أَوَاحِرَهُ وَأَتَى شَيْئًا مِنْ نَوَاهِيه مَا تُورِثُ الْمَقْتُ مِنْهُ. وَالْأَصْل فِي الْحَيَاة وَالْغَايَةُ مِنْهَا هُوَ نَيْلُ رِضَاءِ اللهِ تَعَالَى، قَال الله تعالى: { وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ } [التوبة : 72]. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ” (مسند أحمد)

 

والْمَعَاصِي كَمَا قِيلَ صفَّةٌ مِنْ ضِفَّات الشَّيْطَانِ: “ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا: (مريم 44) لِأَنَّهُ يَأْمُرُ الْبَشَرَ بِإِتْيَانِ الْمَعَاصِي والذُّنُوبِ، فَمَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ وَقَعَ فِي شِرْكِهِ حَيْثُ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: “ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169)” (البقرة 168- 169)

عِبَادَ اللهِ، قَدَّرَ اللهُ -تَعَالَى- أَنْ يَكُونَ كُلَّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاء، وَخَيْر الْخَطَّائِينَ مَنْ يُبَادِرُ لِلتَّوْبَة ولا يمهل فيها حتى ترهقه فتهلكه سواء أكانت صغيرة ولا سيّما كبيرة ، قال تعالى : “إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرُ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلُكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا” (النساء:31)

فهناك عديد من الآثار للذّنوب والمعاصي تعود سلبيّاتها لا إلى الفرد فحسب بل إلى المجتمع على الإطلاق. وفيما يأتي ذكر لبعض آثار المعاصي : –

أوّلاً :  الحِرْمَانُ مِنْ نُورِ الْعِلْمِ الَّذِي يُعَدُّ مِنْ صُوَرِ النَّعِيم الْمُعَجَّلِ لِلْعِباد في الدُنيا، فَاكْتِسَابُ الْعَبْدِ لِلذُّنوب يُؤدّي به إلى الظّلام في البصيرة، فعندما أُعجب الإمام مالك بذكاء تلميذه الإمام الشافعي -رحمهما الله- قال له: “إنيّ أَرَى أَنَّ اللهَ قَدْ أَلْقَى عَلَى قَلْبِكَ نُورًا فَلَا تُطْفِئْهُ بِظُلْمَةِ المَعْصِيَةِ”، وقول الإمام وكيع له حين شكى إليه عن سوء حفظه:

فإنّ العلم نور من إلهي # ونور الله لا يهدى لعاصي .

ثانيًا : الشعور بالوحشة في القلب، وتبدأ الوحشة بين العبد وربّه ، ثمَّ تنتقل لعلاقة العبد المُذنب مع العباد، حتى يشعر بها أقرب الناس إليه، فلا يجد في نفسه الانتفاع من مجالس الصالحين، وإنَّما يرغب بحضور مجالس السوء، فتغدو حياته مريرة؛ لأنَّه كلّما ابتعد عن الله -تعالى- زادت هذه الوحشة والظُلمة في قلبه، وكلما اقترب زاد أُنسه بالله تعالى لأنّ الطّاعة تورث المحبّة حتى عند جميع الخلائق.

ثالثًا : الحرمان من الرزق و الافتقار للتوفيق في الحياة، مع الشعور بِتَعَسُّر الْأُمُور، فيرى الأبْوابَ مُغْلَقَةً في وَجْهِه. بخلاف من اتقى الله تعالى، فإنَّه يجد من كلّ همّ فرجاً ومن كلّ ضيقٍ مخرجاً. فإنَّ أكثر ما يجلب الفقر هو البعد عن تقوى الله وطاعته، ويكون ترك التقوى باقتراف الذنوب والمعاصي وترك الفرائض والواجبات. قَالَ اللّهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: “ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب” [الطلاق: 2 – 3]. «فَقَد ضَمِنَ اللّهُ لِلمُتَّقِينَ أَن يَجعَلَ لَهُم مَخرَجًا مِمَّا يُضَيِّقُ عَلَى النَّاسِ، وَأَن يَرزُقَهُم مِن حَيثُ لَا يَحتَسِبُونَ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُل ذَلِكَ، دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي التَّقوَى خَلَلًا، فَليَستَغفِرِ اللّهَ، وَليَتُب إِلَيهِ» («شرح العقيدة الطحاويَّة» (ص 269)، لابن أبي العز الحنفي [المكتب الإسلامي – بيروت])

رابعًا : الحرمان من فعل الطاعة؛ لأنَّ الطاعة لا تحصل للعبد إلا بتوفيق من الله تعالى، فعندما يختار العبد طريق المعاصي والذنوب فإنَّه يضعف في نفسه الإقبال على الطاعات، والمبادرة للتوبة بعد اقتراف السيئات. يُروى أن رجلاً جاء للحسن البصري في مسألة، فقال أنَّه يتجهز لقيام الليل ولا يقوم، فردَّ عليه الحسن البصري قائلاً: “ذنوبك قيّدتك” كما قال سليمان الداراني رحمه الله: “لا تفوت أحدًا صلاة الجماعة إلا بذنب”.

خامسًا :  الذّلّ في النفس و الهوان على الله وعلى الناس: فالعزيز من أطاع الله -تعالى- وخالف هواه، يقول سليمان التيمي: “إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته“. فمن هان على الله -تعالى- فلا عزّة له بحال من الأحوال، كما أنَّه -تعالى- ينزع كرامته من أهل المعصية، بخلاف أهل الطاعة، يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: “إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر”.

فقدان البصيرة وانعدام الغَيرة، فيغدو يستحسن القبيح، ويستقبح الحسن، ولا يكتفي بفعل الذنوب وإنَّما يدعوا الناس إليها ويُزيِّنها لهم.

سادسًا : ذهاب الحياء، فيصبح العاصي غير مُبالٍ باطلاع الناس على قبح ما يفعل، فيُجاهر دون خوف من الله -تعالى- أو حياءٍ من عباده. فبعض العُصاة يصل إلى التّفاخر بمعصيته دون أن يرى قُبحها، ويتألم بالبعد عنها مع أنّ الله يكره على العبد المجاهرة بالمعصية لقول النبيّ من حديث سالم بن عبد الله قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ  (البخاري)

سابعًا : نزول النقم، يقول ابن القيم: “ومن تأثير المعاصي في الأرض: ما يحلّ بها من الخسف والزلازل، ويمحق بركتها، وكثير من هذه الآفات أحدثها الله -تعالى- بما أحدث العباد من الذنوب” فعاقبة اقتراف الذنوب وخيمة بالدّنيا والآخرة، فالمذنب إن لم يُعجّل بالتوبة في الدنيا، فهو في الضنك والضيق في الدنيا، وفي العذاب المقيم في الآخرة : ” وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْم القِيَامَةِ أَعْمَى” (طه : 124)

أمّا دواء الذنوب والمعاصي

يحتاج الناس إلى معالجة أنفسهم من الذّنوب بقسميها، وهما: الصغائر والكبائر، فالذّنوب تُشبه الأمراض الحسيّة التي على النّاس الحرص على الوقاية منها والابتعاد عن أسبابها وعدم الاستسلام لها. فكما أنَّ الأمراض الحسيَّة إذا تُركت من غير علاج أضعفت البدن وأهلكته، فإنَّ أمراض الذّنوب إذا تُركت من غير علاج أهلكت الروح، وسلامة الروح تفوق سلامة البدن؛ لِما يترتب عليها من النجاة يوم القيامة إذا أقبل العبد على الله -تعالى- بصدقٍ وندم، فإنَّ الإقبال على الطاعات هو سير في طريق عفو الله تعالى، وهذا الطريق الذي ارتضاه الله -تعالى- لعباده وجعل عاقبته القَبول والرضا، فلا يجمع العبد بين ذنبه وبين اليأس من رحمة الله تعالى، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم: “ما من عبدٍ يُذْنِبُ ذنبًا فيتوضأُ، فيُحْسِنُ الطُّهورَ ثُمَّ يقومُ فيُصلِّي ركعتينِ، ثُمَّ يستغفرُ اللهَ بذلكَ الذنبِ، إلَّا غُفِرَ لَهُ” (صحيح الجامع)

اللهمّ اغفر لنا ذنوبنا جميعًا واجعلنا من التّوابّين ومن المتطهّرين لأنّ التائب من الذّنب كمن لا ذنب له .

الخطبة الثانية

الحمد لله والصّلاه والسّلام على رسول الله ومن والاه واتّبع هداه وعلى آله أجمعين،

وبعد: فالعالم تعتبر كل اليوم الرابع والعشرين من شهر أكتوبر كاليوم العالمي للأمم المتحدة.  فبناء على ذلك نغتنم هذه الفرصة لرفع أصواتنا إلى العالم قاطبة وإلى الأمم المتّحدة خاصة سائلين متى الإطلاق سراحة المسلمين والإفراج عن المعتقلين منهم في فلسطين وسوريا وغيرهما من بلاد المسلمين ؟ و متى ترتدع إسرائيل من غوايتها ويرد الفلسطنيين إلى بلادهم سالمين ؟ متى يتوقف الحرب و ينتهي القتل والدمار في كشمير وبرما واريتريا وشمال سودان ومتى ومتى ومتى فما الفائدة من اتحاد الأمم التي لا تستطيع مراعاة الأمن والسّلامة في دولها فنسأل الله السلامة والعافية  .

فأين رؤساء المسلمين وهذه أحوال المسلمين فإن لم يتحدوا الآن فمتي إذا قال الله تبارك وتعالى ” وَالّذِين كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِنْ لـَمْ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ” (الأنفال : 73)

وقال حكيم :  وآلمنى وآلـم كلّ حرّ     سؤال الدهر أين المسلمون  ؟

الدعاء

اللهم صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي الأوّلِينِ , وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي الآخِرِينَ , اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ , فِي الْمَلَإَ الأعْلَى. اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنّاً , سَخَّاءَ رَخَّاءَ , وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ ياَ رَبَّ الْعَالَمِينَ .اللَّهُمَّ أَطْعَمْنَاَ مِنْ جُوعٍ وَآمَنّاَ مِنْ خَوفٍ ؛ اللَّهُمَّ أَصْلِحْ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ , وَاجْعَلْهُمْ ذُخْراً لِلإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ أصْلِحْ نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَفَتَيَاتِ الْمُسْلِمِينَ , وَاحْفَظْهُنَّ مِنَ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ , وَاجْعَلْهُنَّ ذُخْراً لِلإسْلامِ والْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وأُمَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَأَغْنِيَاءَ الْمُسْلِمِينَ , وَحُكَّامَ الْمُسْلِمِينَ , وَاجْعَلْهُمْ ذُخْراً لِلإسْلامِ وَالْمُسْلِمِينَ .اللَّهُمَّ يَا سَامِعَ الصَّوْتِ , وَيَا سَابِقَ الْفَوْتِ , وَيَا كَاسِيَ الْعِظَامِ لَحْماً بَعْدَ الْمَوْتِ , صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ . وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِ ناَ ومَولاناَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً كَثِيراً.

Leave a Reply

Open chat
Chat