TMC Friday Khutbah Banner (Website)

أَضْرَارُ الذُّنُوبِ وَالـمَعَاصِي فـِي المُجْتَمَعِ

بسم الله الرحمان الرحيم

الخطبة الأولى لشهر محرّم بتأريخ 10 محرّم 1445هـ (28\7\2023م)

الخطبة الأولى

أَضْرَارُ الذُّنُوبِ وَالـمَعَاصِي فـِي المُجْتَمَعِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ السَّمِيعِ الْبَصِيرِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاسْتَشْعِرُوا دَائِمًا وَأَبَدًا مُرَاقَبَةَ اللَّهِ لَكُمْ، وَاحْذَرُوا مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ: ” وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ”     (البقرة:281)                                                                                            

عِبَادَ اللَّهِ، لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ -تَعَالَى- عِبَادَهُ بِطَاعَتِهِ، وَحَذَّرَهُمْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَبَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي كِتَابِهِ مَا حَصَلَ لِلْمُجَاهِرِينَ بِالذُّنُوبِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، وَحَذَّرَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) مِنْ عَاقِبَةِ الذُّنُوبِ وَالْآثَامِ وَخَطَرِهَا عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ .                                         

وَلَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَنٍ تَسَاهَلَ فِيهِ الْبَعْضُ بِالذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، وَأَصْبَحَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُجَاهِرُ بِالذَّنْبِ وَالْمَعْصِيَةِ وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَهِينُ بِالذُّنُوبِ وَيُدْمِنُ عَلَى مَعْصِيَةِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ، فَتَرَاهُ يَحْضُرُ وَيَنْشُرُ وَيَدْعُو لِأَمَاكِنِ الْفِسْقِ وَالْمُجُونِ وَيُبَارِزُ اللَّهَ بِالْمَعَاصِي وَالْآثَامِ، وَقَدْ حَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مِنْ عَاقِبَةِ الْمُجَاهَرَةِ بِالذُّنُوبِ فَقَالَ: “كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ “ (متّفق عليه)  ولذلك نضطرّ إلى الكلام عن أضرار الذّنوب والمعصية في المجتمع في خطبتنا اليوم.                                                                                   

عباد الله مستمعون الكرام اتّقوا الله واعلموا أنّ لِلذُّنُوبِ وَالْمعاصِي أضرارا وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةٌ سَيِّئَةٌ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ، وَلَعَلّنا فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ نذَكِّرُ أنَفْسَنا بِبَعْضِ الْآثَارِ لِلذُّنُوبِ وَالْآثَامِ لَعَلَّهَا تُوقِظُ الْعَاقِلَ وَتُذَكِّرُ الْغَافِلَ  :-                                                                 

أولاً : إنَّهَا تُحْدِثُ فِي الْأَرْضِ أَنْوَاعًا مِنَ الْفَسَادِ؛ فِي الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَغَيْرِهَا مِنْ شُؤُونِ الْحَيَاةِ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى  : ” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ  لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ” (الرُّومِ: 41) . يَقُولُ ابْنُ جَرِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: “بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ” أَيْ: بِذُنُوبِ النَّاسِ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) قَالَ: قَالَ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): ” يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسُ خِصَالٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ… وَذَكَرَ مِنْهَا قَوْلَهُ: وَمَا ظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ حَتَّى أَعْلَنُوا بِهَا إِلَّا ابْتُلُوا بِالطَّوَاعِينِ وَالْأَوْجَاعِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي أَسْلَافِهُمُ الَّذِينَ مَضَوْا”، وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: “إِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَاصِي فِي أُمَّتِي عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ” (أبو داود وابن ماجه)                                              

ثانيا: هي مِنَ الْأَسْبَابِ الْجَالِبَةِ لِسَخَطِ اللَّهِ وَحُلُولِ عِقَابِهِ؛ كَحُدُوثِ الزَّلَازِلِ الْمُدَمِّرَةِ، وَالْأَعَاصِيرِ الْقَاصِفَةِ، وَالْحُرُوبِ الطَّاحِنَةِ، وَالْأَمْرَاضِ الْفَتَّاكَةِ، فَالْمَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمَ، وَتُحِلُّ النِّقَمَ، قَالَ تعالى :”ومَا أَصَابَكُمْ مِن مصيبة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(الشُّورَى)               

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)  : “لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمْ الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ والخنازير”                                                                  

  ثَالِثًا : إنَّ الْعَاصِيَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ يُصِيبُهُ ذُلٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ صِلَتَهُ بِالْعَزِيزِ الْمُعِزِّ، وَخَالَفَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَالذُّلُّ حَتْمٌ مَحْتُومٌ عَلَى مَنْ عَصَى وَأَقَامَ عَلَى الذُّنُوبِ، قَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ (رحمه الله) : “إِنَّ الرَّجُلَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُصْبِحُ وَعَلَيْهِ مَذَلَّتُهُ وَيَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ (رَحِمَهُ اللَّهُ) حِينَمَا كَانَ يَرَى الْعُصَاةَ وَذَوِي الْجَاهِ يَتَبَخْتَرُونَ فَوْقَ الْبِغَالِ وَالْبَرَاذِينِ، يَقُولُ (رَحِمَهُ اللَّهُ): “إِنَّهُمْ وَإِنْ طَقْطَقَتْ بِهِمُ الْبِغَالُ، وَهَمْلَجَتْ بِهِمُ الْبَرَاذِينُ فَإِنَّ ذُلَّ الْمَعْصِيَةِ لَا يُفَارِقُ قُلُوبَهُمْ، أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُذِلَّ مِنْ عَصَاهُ”. فَالْمَعْصِيَةُ -كَمَا قُلْنَا- ذُلٌّ فِي الدُّنْيَا وَذُلٌّ فِي الْآخِرَةِ، وَصَدَقَ اللَّهُ حيث يقول : “وَمَنْ يُضْلِلِ اللهَ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوا العَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ.وَتَرَىهُمْ يُعْرَضُونَ عَليْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرَفٍ خَفِيٍّ… ”      (الشورى:44-45 )                             

 رَابِعًا : الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي سَبَبٌ فِي حِرْمَانِ الرِّزْقِ، فَالرِّزْقُ -كَمَا تَعْلَمُونَ- مِنَ الرَّزَّاقِ الْعَلِيمِ، وَبِقَدْرِ طَاعَةِ الْمُسْلِمِ لِمَوْلَاهُ -جَلَّ فِي عُلَاهُ- بِقَدْرِ مَا يَرْزُقُهُ وَيُبَارِكُ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَكَمَا أَنَّ الْإِيمَانَ وَالطَّاعَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ أَسْبَابٌ شَرْعِيَّةٌ لِبَرَكَةِ الْأَرْزَاقِ؛ فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ وَالْآثَامَ تَمْحَقُ بَرَكَةَ الْأَعْمَارِ وَالْأَرْزَاقِ، جَاءَ فِي الْأَثَرِ: “إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ”، وَيَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: ” إِنَّ لِلسَّيِّئَةِ سَوَادًا فِي الْوَجْهِ، وَظُلْمَةً فِي الْقَبْرِ، وَوَهْنًا فِي الْبَدَنِ، وَنَقْصًا فِي الرِّزْقِ، وَبُغْضًا فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ”، وَأَصْدَقُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْحَقِّ -جَلَّ وَعَلَا :                          

” وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ” (النَّحْلِ: 112(

خامساالمَعَاصِي تُولِدُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَتَزْرَعُ أَمْثَالُهُا ؛ قَالَ بَعْضُ السّلَفِ” إِنَّ مِنْ عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ السَّيّئّةُ بَعْدَها، وَإِنّ مِنْ ثَوَابِ الحَسَنَةِ الحَسَنَةُ بَعْدَهُ “وَلَيَعْلَمَ اللَّبِيبُ أَنّ مُدْمِنِي الشَّهْوَاتِ يَصِيرُونَ إِلَى حَالَةٍ لَا َيَلْتَذّونّ بِهَا وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا َيسْتَطِيعُونَ تَرْكَهَا لَأَنّهَا قَدْ صَارَتْ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ العَيْشِ الَّذِي لاَ بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ” (روضة المحبين لابن القيم)

عباد الله المستمعون الكرام ! َاحْذَرُوا مِنَ الْمَعَاصِي صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا فَإِنَّهَا تَمْحَقُ بَرَكَةَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَلاَ يُوجَدُ أَقَلُّ بَرَكَةً فِي عُمْرِهِ وَدِينِهِ وَدُنْيَاهُ مِمَّنْ عَصَى اللَّهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَمَا مُحِيَتِ الْبَرَكَةُ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا بِمَعَاصِي الْخَلْقِ، فَاجْتَنِبُوا مَوَاطِنَ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَاحْذَرُوا مِنْ مُنْتَدَيَاتٍ أَصْحَابُهَا مِنَ الْمُرَوِّجِينَ لِلْمَعَاصِي وَالْآثَامِ، وَتُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ سُبْحَانَهُ وَاسْتَغْفِرُوهُ مِمَّا سَلَفَ مِنْكُمْ فِي سَالِفِ الْأَيَّامِ؛ فَالسَّعِيدُ مَنْ تَنَبَّهَ وَتَابَ، وَالشَّقِيُّ مَنْ غَفَلَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى الْمَعَاصي.نَسْأَلُ اللهَ تَعَالـَى أَنْ يَتُوبَ عَلَيْنَا وَيَعْفُوَ عَنَّا وَأَلاَّ يُؤَاخِذَنَا بِعَثَرَاتِنَا وَزَلاَّتِنَا وَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ إِنـَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا؛ من يهده اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله؛ صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمَّا بعد، فيا عباد الله، جدير بنا أن نتحدث في وقتنا الراهن عن قضية الزيادة المفاجئة من جديد في سعر الببنزين، لقد أعلن رئيس  NNPCL  الرفع المفاجئي يوم الثلاثاء الماضي من N515 إلى ما بين N568 و N617 للتر واحد، بعد الزيادة الأولي من N189 إلى N515  والذي أدي إلي رفع أسعار البضائع والخدمات بأضعاف مضاعفة في جميع الولايات والمناطق في وطننا الحبيب. وقبل أيام قليلة ألغت الحكومة الجديدة دعم الوقود وتركت أمر تحديد أسعار النفط إلي قوى السوق بحتة،

وإذا أيقنّا أنه لا بد من إزالة دعم الوقود، خاصة بسبب الفساد الموجود في قطاع النفط عبر السنوات الماضية، فإنه يجب علي الحكومة أن تبادر في بحث الاستراتجيات الاقتصادية المتنوعة لتخفيف آثارها الضارة عن الشعب  في عيشهم، وينبغي رقابة الأثمان خاصة للنفط- التي أصبحت ضرورة في مثل هذا الظروف- وتوفير الدعم في القطاعات المختلفة.

عباد الله  لقد أرشدنا القرآن في قصة نبي الله ، يوسف عليه السلام- في تطبيق الاستراتجية الاقتصادية في أوقات مختلفة: قال تعالي: “يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَاّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَاّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)” (يوسف 46- 49)

قال الزحيلي: والخلاصة: تأوّل يوسف عليه السّلام البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين محصبة، والعجاف واليابسات بسنين مجدبة. ثم بشرهم بمجيء عام يغاث فيه الناس أي يأتيهم الغيث وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس فيه ما كانوا يعصرون عادة … وهذا الإخبار بمغيبات المستقبل من وحي الله وإلهامه، لا مجرد تعبير للرؤيا، فهو بشارة في العام الخامس عشر بعد تأويل الرؤيا بمجيء عام مبارك خصيب، كثير الخير، غزير النعم، وهو إخبار من جهة الوحي.

إذًا يمكن أن نستخلص بأن التغيير في سياسة الأمور لا تأتي ثمارها علي الفورية بل علي التراخي بمرور الزمان مع الصبر والتحمل الفائق بالتضرع الخالص إلي الله  والتوكّل والإيمان العميق والثقة الخالصة بالله تعالي وسنته الكونية. وقد حدد بعض خبراء الاقتصاد ما بين ستة أشهر وسنتين كأقل الوقت الممكن لإنتظار النتيجة وفوائد التغيير. 

كما نوصي، أن مثل هذا الواقع  الشديد الحار لا يمكن حلها بمجرد المظاهرات أو الإضراب العمالي، علما بأن الحكومة الحالية لا تزال شابة في منصب الإدارة وتولي زمام الأمور ، حيث كان عمرها شهرين فقط،

ونوصي الشعب وكافة المواطنين بتقليل النفقات وتكثير مجالات الايرادات وهذا قاعدة ذهبية لمواجهة الظروف القاسية. جاء في الأثر أن الناس في زمن الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – جاؤوا إليه وقالوا: نشتكي إليك غلاء اللحم فسعّره لنا، فقال: أرخصوه أنتم؟ فقالوا: نحن نشتكي غلاء السعر واللحم عند الجزارين، ونحن أصحاب الحاجة فتقول: أرخصوه أنتم؟ فقالوا: وهل نملكه حتى نرخصه؟ وكيف نرخصه وهو ليس في أيدينا؟ فقال قولته الرائعة: اتركوه لهم. أي: اتركوا الغالي وأبدلواه بما هو دونه في السعر والحق أن الزمام بأيديكم!

ورَوَى جَابِرٌ قَالَ رَأَى عُمَرُ لَحْمًا مُعَلَّقًا فِي يَدِي فَقَالَ : مَا هَذَا يَا جَابِرُ ؟ فَقُلْتُ : اشْتَهَيْتُ لَحْمًا فَاشْتَرَيْتُهُ ، فَقَالَ أَوَ كُلَّمَا اشْتَهَيْتَ اشْتَرَيْتَ يَا جَابِرُ ؟ أَمَا تَخَافُ هَذِهِ الْآيَةَ : { أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا } .ابن مفلح : الآداب الشرعية 3/341. (طَيِّباتِكُمْ لذائذكم وشبابكم وقوتكم. وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها تمتعتم بها، فما بقي لكم منها شيء)

واعلموا أن مشكلة غلاء الأسعار لها حلول في شريعة الله عز وجل، ومنها : تربية الضمير على التقوى والمراقبة ، واجتناب المعاصي، وثقافة التعامل مع الغلاء، وكثرة الاستغفار والدعاء، والتكافل الاجتماعي وأداء الزكاة والصدقات، وصلة الرحم، و التربية على الرضا والقناعة بما قسم الله تعالى، والتربية على الاعتدال ونبذ الترف والإسراف ، ويتصل بذلك العناية بطلب البركة في المال قبل العناية بالكثرة، ومقاومة الاحتكار والاستغلال، ونشير إلى أنه بعد إسقاط دعم الوقود اتجه بعض أهل الجشع إلى الاحتكار وغالوا فى أسعار سلعهم، بدعوى رفع الدعم عن المحروقات، رغبة منهم فى التضييق على الناس، إنا لله وإن إليه راجعون!!

الدعاء: اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والشقاء , وقنعنا بما رزقتنا وارزقنا الحلال وبارك لنا فيه .إنا لنسأل الله -جل في علاه- بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يحفظ أبناءنا وبناتنا، وأن يعيذهم من الشرور، وأن يحفظهم بما يحفظ به عباده الصالحين، إنه تبارك وتعالى سميع الدعاء وهو أهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل. اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين.  اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين.

Scroll to Top