TMC Friday Khutbah Banner (Website)

الجيران وحسن الجوار في تحقيق وحدة الأمة  

الخطبة الرابعة لشهر صفر بتاريخ 26 صفر 1444هـ (23\9\2022م)

الجيران وحسن الجوار في تحقيق وحدة الأمة  

الحمد لله الذي أمرنا بالبرّ والصلة ونهانا عن العقوق، وجعل حقّ المسلم على المسلم من آكد الحقوق، وجعل للجار حقًّا على جاره وإن كان من أهل الكفر والفسوق. أحمده تعالى أن سلك بنا مسالك الأبرار، ودعانا إلى إحكام الصلة بالأهل والجوار، ووعد الصادقين الطائعين النجاة في الدنيا والفوز بالنعيم في دار القرار. ونشكره تبارك وبه الوثوق، ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له هو الخالق وكل شيء سواه مخلوق، شهادة تزيدنا من الله قربًا، ونشهد أنّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله الصادق المصدوق، نبيّ دعا لربه ليلاً ونهارًا، وبلّغ رسالته سرًّا وجهارًا، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد صلاة لا ينقطع لها مدد، ولا يحصر لها حدّ ولا عدد، وعلى آله وصحبه المؤدين للحقوق، وعلى التابعين لهم بإحسان من سابق ومسبوق.

أمّا بعد:

أيّها الناس: اتّقوا الله واعلموا أنّ حقّ الجار على جاره مؤكد بالآيات والأحاديث، وما زال جبريل يوصي محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بالجار حتى ظنّ أنّه سيشركه في المواريث، ولا يسيء الجوار ويؤذي الجار إلاّ لئيم.

لذلك كان الإسلام دينًا داعيًا إلى الحياة المدنية، مفضلاً لها على الحياة البدوية، هو دين الاستقرار والنظام، لا دين التهميش والفوضى، وإنّ الحياة في البادية والمدينة لتيسّر للناس أسباب التعاون، وتساعدهم على التساند والتلاحم والتقارب والالتقاء في الأفكار والأفعال، وتمهد لهم تبادل المنافع واقتسام الأدوار الفاعلة في الحركة الحياتية اليومية.

والإسلام يأمر بحسن الجوار والمجاورة ولو مع الكفار، وشرّ الناس من تركه الناس اتقاء شرّه، وتباعد عنه من يعرفه تجنبًا لضرّه، وأخبث الجيران من يتتبّع العثرات، ويتطلّع إلى العورات في سرّه وجهره، وليس بمأمون على دين ولا نفس ولا أهل ولا مال؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت“. وقال -عليه الصلاة والسلام-: “المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء، والذي نفسي بيده لا يدخل الجنّة من لا يأمن جاره بوائقه“. قالوا: وما بوائقه؟! قال: “شرّه“.

وبما أن المجتمع الإسلامي يعتبر الجار فردًا من أفراد العائلة لا يخفى عليه الأمر حتى ينكشف له، ولا تتستّر عليه دخائل بيت جاره حتى تستبين، وكما يعتبر الجار في السكن فكذلك الجار في المتجر والسوق، هو جارك تطّلع على مشترياته وبيوعاته وتعرف زبائنه، فله حقوقه، وكذلك جارك في مكتب عملك لشدّة الاتصال المكاني بينكما هو جارك، وله حقوقه.

وقد ربّى الإسلام المؤمنين على أمر جوهري: هو كفّ الأذية بأن لا تتخذ من معرفتك لأحوال جارك سبيلاً لطعنه من خلف، وللاعتداء عليه، ومن عوراته بابًا تنفّذ منه أغراضك؛ فقد أخرج البخاري عن أبي شريح أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: ومن يا رسول الله؟! قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه“.

وأذية الجار أنواع: منها الحديث بما يجري في بيته، وكشف أسراره للناس، أو تسرقه أو تسمعه ما يكره.

عار عليك -أيها المسلم- أن تبيت شبعانًا تعاني التخمة، وجارك طاوٍ جوعان، وعار عليك أن تلبس الجديد وتبخل بما أبليت من ثيابك على ذوي الخصاصة من جيرانك، وعار عليك أن تتمتّع بالطيّبات من مشموم ومطعوم وجيرانك يشتهون العظام وكسر الطعام، وأنت تعلم قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ” عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: ” ‌يَا ‌نِسَاءَ ‌الْمُسْلِمَاتِ، ‌لَا ‌تَحْقِرَنَّ ‌جَارَةٌ ‌لِجَارَتِهَا ‌وَلَوْ ‌فِرْسِنَ ‌شَاةٍ ” أي لو طبخن كراع شاة  (رواه أحمد)  وأنّه قال لأبي ذرّ -رضي الله عنه-: “ يا أبا ذرّ: إذا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَهَّدْ جِيرَانَك“. (رواه مسلم) وفي رواية له عن أبي ذر قال: إن خليلي ﷺ أوصاني: إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها ثم انظر أهل بيتٍ من جيرانك فأصبهم منها بمعروف (رواه مسلم)


كيف يليق بك -أيها المؤمن- أن تقيم في بيتك الأفراح، وفي البيت الذي بإزائك مآتم الموت والأتراح؟! هل تجرّدت من العواطف والشعور، وهل نسيت أوامر الدين وعادات آبائك الأكرمين أيها المغرور؟! إنّ من حقّ جارك عليك أن تسلّم عليه إذا لقيته، وأن تعوده إذا مرض، وتشيّعه إذا مات، وتكون لأولاده بعد وفاته كما كان لهم في حياته، وأن تقف إلى جانبه في السرّاء والضرّاء والشدّة والرّخاء، وفي المثل السّائر: ” من فاته نفع إخوانه، فلا يفوتنّه نفع جيرانه”. وقال -صلى الله عليه وسلم-: “خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره”. (رواه الترمذي وأحمد)


حرام عليك -أيها المسلم- أن تنظر في بيت جارك وهو غافل أو تخونه في أهله، ومن نظر في بيت جاره بغير إذنه ملأ الله عينه من نار جهنّم؛ روى الشيخان عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله: أي الذنب أعظم؟! قال: ” أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟! قال: “أن تقتل ولدك من أجل أن يطعم معك، قلت ثم أي؟! قال: “أن تزاني حليلة جارك“.  فهذه ثلاث مراتب ذكرها ابن مسعود وهو يسأل ورسول الله يجيب بوحي من ربّه.

و يصدر في الحديث: أن تزني بزوجة جارك. والزنا بزوجة الجار فيه ذنبان: الأول: هو الزنا. والثاني: هو خيانة الأمانة. وهذا دليل على خسّة النفس وفقد النبل. ونحن هنا لا ننفي مسؤولية زوجة الجار، فعلى المرأة أن تعلم أن جارها أجنبيّ عنها، يجب أن لا تبتذل نفسها أمامه، بل عليها أن تأخذ نفسها بالحشمة والستر والمروءة أمام الجار، فإنّ الذباب لا يقع على الطهر وإنما على العسل السائل والسكر المفتوح والقذارة المنكشفة، فعلى كل امرأة أن تساعد نفسها على حفظ كرامتها وشرفها وعزّة زوجها وصيانة مكانته في المجتمع الذي يعيش فيه، ولا نرى أفضل ولا أكبر مناعة لذلك لتحاشي مجرّد الكلام والتلسين، عدم السماح لأي كان بدخول العشّ المقدّس للزوجية في غياب ربّ البيت، وخصوصًا إذا كان ابن خال أو ابن عمّ أو ما شابه ذلك، باستثناء المحرم.

ولا نظنّ أنّ هذه الحقوق هي للجار الذي تربطنا به قرابة أو مودّة، وإنما هي حقوق تفرض نفسها بمقتضى الجوار والجوار وحده، وهذا ما فهمه الصحابي الجليل عمرو بن العاص؛ فقد روى الترمذي عنه، أنّ شاة ذبحت له في أهله، فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟! أهديتم لجارنا اليهودي؟! أهديتم لجارنا اليهودي؟! سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ” ‌مَا زَالَ ‌جِبْرِيلُ ‌يُوصِينِي ‌بِالْجَارِ، ‌حَتَّى ‌ظَنَنْتُ ‌أَنَّهُ ‌سَيُوَرِّثُهُ “. (أبو داود (5152)، والترمذي (1943)، وأحمد (6496))

عباد الرحمن: ماذا نستخلص من خطبتنا اليوم؟! وما يمكن لكل مؤمن أن يتدبر في المواعظ والعبر التي أتينا عليها اليوم؟! ومن لم يتعظ ولم يتدبر، فكأنما لم يحضر الجمعة، فخلاصة خطبتنا تتمحور في مفهوم الحديثين الشريفين، أو الوصيّتين التين خصّ بهما سيدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرجال والنساء من أمّته:

الوصية الأولى خصّ بها الصحابي أبا ذرّ الغفاري حين قال له: “يا أبا ذرّ: إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعهد جيرانك”.

وفي الوصيّة الثانية ينبّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نساء المؤمنين: ” ‌يَا ‌نِسَاءَ ‌الْمُسْلِمَاتِ، ‌لَا ‌تَحْقِرَنَّ ‌جَارَةٌ ‌لِجَارَتِهَا ‌وَلَوْ ‌فِرْسِنَ ‌شَاةٍ، أي لو طبخن كراع شاة”، لقد خصّكن بالوصاية، وفي ذلك شرف لكل امرأة سمعت كلام رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فامتثلت وعلمت هديه، فاتبعت ما جاء فيه، أوصاكن بأن لا تحقر الجارة شيئًا من جارتها، وكأنّه -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يوصيكنّ بأن لا تتأخر إحداكن على إعانة ومساعدة جارتها، أن لا تحقّرها إن طلبت مساعدة بسيطة، أن لا تحقر جارتها إذا هي أهدتها شيئًا حقيرًا، فيجود الكريم بما عنده، وكم من هدية بسيطة قليلة صادقة هي أعمق وأفضل من هدية ثمينة يراد التعالي والتبرّج بها.

وإنما خصّ النساء بمزيد الوصيّة؛ لأن النساء كثيرًا ما يظهر منهن احتقار الجارة إذا كانت فقيرة، فاتقين الله -يا نساء الإسلام- ولتعلمن أن المال غادٍ ورائح، وأن العار ليس في الفقر، وإنما العار كل العار في التباهي بالغنى الذي هو نعمة من نعم الله و توظيفه في التعالي على الفقراء واحتقارهم، ولا تنسوا جميعًا أن الله هو الغنيّ و أنتم الفقراء، فلا إله إلاّ الله يغني من يشاء ويفقر من يشاء، وفي ذلك حكمة لا يعلمها إلاّ هو.

يا أيها الذين آمنوا: استمعوا لكلام الله، فإن آياته تزيد المؤمنين إيمانًا وتظلّهم سحائبه رحمة وخيرًا وإيمانًا. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [النساء: 36]، صدق الله العظيم.

أقول ما سمعتم، فإن كان حسنًا فمن الله، وإن كان سيئًا فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولوالدي ولوالديكم ولجميع المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي جعل الأمانة حملاً ثقيلاً، ودعا الجار للقيام بها، ومدح القائمين بأماناتهم، وذمّ المخلّين بها، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المنجز وعده، والموفي بعهده، وعلى آله وصحبه من بعده إلى يوم يبعثون.

أيها الناس: اعلموا أن الجوار أمانة، وإن أول ما يرفع من هذه الأمة الأمانة، وآخر ما يبقى فيهم الصلاة، ولا خير فيمن لا أمانة له وإن أقام الصلاة وإن آتى الزكاة، فالخائن مبغوض عند الله وملائكته والناس أجمعين، متهاون بدينه ودنياه، قبيح المعاشرة، سيئ المعاملة، منزوع البركة في بيعه وشرائه، حلاّف مهين، مستخفّ باليمين، يقول في كل شيء: لا والله، وبلى والله: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [المنافقون: 2]، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ” ‌أَرْبَعٌ ‌إِذَا ‌كُنَّ ‌فِيكَ ‌فَلَا ‌عَلَيْكَ ‌مَا ‌فَاتَكَ ‌مِنَ ‌الدُّنْيَا: ‌حِفْظُ ‌أَمَانَةٍ، ‌وَصِدْقُ ‌حَدِيثٍ، ‌وَحُسْنُ ‌خَلِيقَةٍ، ‌وَعِفَّةٌ ‌فِي ‌طُعْمَةٍ” (إسناده حسن، أخرجه أحمد)  “. فاعتبروا يا أهل الإيمان.

“أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربع من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيّق”. والله تعالى يحبّ جارًا صبر على أذيّة جاره حتى يكفيه الله إياه بتحوّل أو موت. وحذار من الدخول في مهاترات المحاكم من جرّاء خصومات النساء أو مشاجرات الصبيان. والرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: “اللهم إنّي أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحوّل”. وقال -عليه الصلاة والسلام-: “اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب”.

جعلني الله وإياكم من خيار خلقه، وبارك لي ولكم في الطيّبات من رزقه، وأجارني وإياكم من أذيّة الجار والتهاون بحقّه، آمين يا رب العالمين.اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين. اللهم انفعنا بكتابك نفعًا يصقل إيماننا، ويجدّد حماسنا، ويرجع للدين سلطانه. اللهمّ يمّن كتابنا، ويسّر حسابنا، وفكّ أسرنا، واستر عوراتنا، واغفر زلاّتنا، واغسل حوباتنا، وأذقنا حلاوة القرب منك يا رب. وصل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

Leave a Comment

Scroll to Top