TMC Friday Khutbah Banner (Website)

دروس وعظات من الهجرة النبوية

بسم الله الرحمان الرحيم

الخطبة الأولى لشهر محرّم بتأريخ 3 محرّم 1445هـ (21\7\2023م)

دروس وعظات من الهجرة النبويّة

الخطبة الأولى

الحمد لله ربّ العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن ّمحمدا عبده ورسوله. اللّهم صل وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد ،أيها المسلمون!اتّقوا الله واسمعوا وعوا قوله تعالى في محكم آياته :” إِلا ّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ” ( التوبة: 40)

إخوة الإسلام  الكرام ! إنّ الهجرة في سبيل الله سنّة قديمة ، ولم تكن هجرة نبيّنا محمد (صلّى الله عليه وسلم ) بدعاً في حياة الرسل لنصرة عقائدهم ، فلئن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هاجر من وطنه ومسقط رأسه من أجل الدعوة حفاظاً عليها وإيجاد بيئة خصبة تتقبلها وتستجيب لها وتذود عنها ، فقد هاجر عدد من إخوانه من الأنبياء قبله من أوطانهم لنفس الأسباب التي دعت نبينا للهجرة . وذلك أن بقاء الدعوة في أرض قاحلة لا يخدمها بل يعوق مسارها ويشل حركتها ، وقد يعرضها للانكماش داخل أضيق الدوائر ، وقد قصّ علينا القرآن الكريم نماذجا من هجرات الرّسل وأتباعهم من الأمم الماضية لتبدو لنا في وضوح سنّة من سنن الله في شأن الدعوات يأخذ بها كل مؤمن من بعدهم إذا حيل بينه وبين إيمانه وعزته، واستخف بكيانه ووجوده واعتدي على مروءته وكرامته . فالصّراع بين الحق والباطل صراع قديم وممتد : وهو سنة إلهية نافذة ، قال عز وجل : “الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ” (الحجّ:40)، ولكنّ هذا الصّراع معلوم العاقبة ، قال تعالى : ” كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ  “( المجادلة:21) ولهذا تدور خطبتنا هذا الأسبوع حول دروس وعظات من الهجرة النبويّة.

أيّها المسلمون الكرام اعلموا –رحمكم الله-وأنَّ أحداث الْهِجرة النبويَّة تضمَّنَت عديدا من الدُّروس والعِبَر، ونقتصر منها على الآتي :-

1. التّضحية : إنّ رسولُ الله ( صلى الله عليه وسلَّم ) يضطرُّ إلـى مغادرة بلده الّذي وُلِد فيه وترعرع، وترك أقرباءه وعشيرته، فقال وهو يغادرها بِنَبْرة من الحزنِ:” وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَلَوْلاَ أَنِّى أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ ” (الترمذي). وهذه أمُّ سلمة –(رضي الله عنها) وهي أوَّل امرأة مهاجِرة في الإسلام  تقول: ” لَمَّا أجْمَع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، رَحَّل بعيرًا له، وحَملَنِي وحَمل معي ابنَه سلمة، ثم خرج يقود بعيره، فلمَّا رآه رجالُ بني المغيرة بن مَخْزوم، قاموا إليه فقالوا: هذه نفْسُك غلبْتَنا عليها، أرأيتَ صاحبتنا هذه، علامَ نترُكك تسير بها في البلاد؟ فأَخذوني، وغَضِبَتْ عند ذلك بنو عبد الأسد، وأهوَوْا إلى سلمة، وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها؛ إذْ نزعتُموها من صاحبنا، فتجاذبوا ابنِي سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسَنِي بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة حتَّى لحق بالمدينة، ففُرِّق بيني وبين زوجي وبين ابني” فمكثَتْ سنة كاملة تبكي، حتَّى أشفقوا من حالِها، فخلَّوْا سبيلها، ورَدُّوا عليها ابنها، فجمع الله شَمْلَها بزوجها في المدينة. وهذا صُهَيب الرُّومي، لَمَّا أراد الهجرة، قال له كُفَّار قريش: ” أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالُك عندنا، وبلَغْتَ الّذي بلغت، ثم ّتريد أن تَخْرج بِمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: ” أرأيتم إنْ جعلْتُ لكم مالي، أتخلُّون سبيلي؟”  قالوا : نعم، قال: ” فإنِّي قد جعلتُ لكم مالي! ” فبلغ ذلك رسولَ الله ( صلى الله عليه وسلَّم)  فقال: ” رَبِح صهيب!”، (والقصة في صحيح السِّيرة النبوية)

2. الأمل وعدم اليأس :  فلقد مكثَ النبِيُّ ( صلّى الله عليه وسلَّم ) في مكّة مدَّةً من الزَّمن، يدعو قومه إلى الهدى، فما آمن له إلاَّ قليل، بل عاش الاضطهاد والنَّكال، وعُذِّب هو وأصحابُه، فلم يكن لِيَثنِيَه كلُّ ذلك عن دعوته، بل زاده إصرارًا وثَباتًا، ومضى يبحث عن حلول بديلة، فكان أنْ خرَجَ إلى الطّائف، باحثًا عن أرض صالحة للدَّعوة، لكنْ وُوجِهَ هناك بأقسى مِمَّا توقَّع، فأُوذي وأُهين، وقُذِف بالحجارة، وخرج من الطَّائف مطرودًا مُهانًا وقد تَجاوز الخمسين، ولكن أشد ما يكون عزيمة على مُواصلة رسالته، فأخذ يَعْرض نفسه بإصرار على القبائل في موسم الحجِّ، ففي سنن الترمذي بسند صحيح عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ (صلّى الله عليه وسلم) يَعْرِضُ نَفْسَهُ بِالْمَوْقِفِ فَقَالَ : ” أَلاَ رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلاَمَ رَبِّى ”  فرفضَتْ خَمْسَ عشرةَ قبيلةً دعوتَه، حتى فتح الله له صدور الأنصار، فكانت بيعة العقبة الأولى والثَّانية، وكانت سفارة مصعب بن عمير إلى المدينة، الذي هيَّأ التُّربة الصالحة لاستمرار الدَّعوة، وتكوين الدَّولة في المدينة النبويَّة، فكانت الهجرة تتويجًا لِعَمَل دؤوب، وصَبْر شديد، وحركة لا تعرف الكلل أو الملل.

3. حسن الصحبة : وتجلَّت هذه في أبْهَى صُوَرِها مع أبي بكر الصدِّيق، الّذي ذهب كثيرٌ من المفسِّرين إلى أنَّه هو المقصود بالْمُصدِّق في قوله تعالى: ” وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ…” ( الزمر::33)  فلَمَّا قال النّبي ( صلـّى الله عليه وسلَّم )  :” إنِّي أُريتُ دار هجرتكم ذات نَخْلٍ بين لابتين وهُما الحرتان” (البخاري). تَجهَّز أبو بكر، فقال له النبِيُّ ( صلّى الله عليه وسلَّم  ) :”على رِسْلِك؛ فإنِّي أرجو أن يُؤْذَن لي”، فقال أبو بكر:  “وهل ترجو ذلك بأبِي أنت؟” قال: نعم”، فحَبَسَ أبو بكر نفْسَه على رسول الله ( صلـّى الله عليه وسلَّم ) لِيَصحبه، فانتظر أربعة أشهر يعلف راحلتَيْن كانتا عنده، حتَّى أذن الله بالهجرة، فلمّا أخبَره النبِيُّ ( صلّـى الله عليه وسلَّم ) لَم يُصدِّق أنْ يكون صاحِبَ رسول الله  (صلّى الله عليه وسلَّم ) حتَّى قال:  “الصّحبةَ بأبي أنت يا رسول الله؟ ” قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلَّم ) : نعم”، قالت عائشة( رضي الله عنها ): “فو الله ما شعرت قطُّ قبل ذلك اليوم أنَّ أحدًا يبكي من الفرح، حتَّى رأيتُ أبا بكر يبكي يومئذٍ”(البخاري ) وعندما خرجا معًا؛ كان أبو بكر يتقدَّم النبِيَّ ( صلى الله عليه وسلَّم ) في ترَصُّد الأمكنة؛ حتَّى لا يصيبه أذًى، فسأله النبي ( صلّى الله عليه وسلَّم ) قائلاً:  “يا أبا بكر، لو كان شيء، أحببتَ أن يكون بك دوني؟”، فقال أبو بكر:  “والّذي بعثك بالحقِّ، ما كانَتْ لتكون من مُلِمَّة إلاَّ أن تكون بي دونَك” فلـّما انتهَيا إلى الغار، قال أبو بكر: “مكانك يا رسول الله، حتَّى أستَبْرِئ لك الغار”( الحاكم في المستدرك وقال الذَّهبي: صحيح مُرسل)

 4.إتقان التخطيط وحسن توظيف الطّاقات : فإن ّالهجرة تعلِّمنا كيف يؤدِّي التّخطيطُ الجيِّد دَوْرَه في تحقيق النَّجاح، ومن أعظم أسُسِ التَّخطيط حُسْنُ توظيف الطاقات، وسلامة استغلال القدرات المتاحة، فالصَّدِيق قبل الطريق، والراحلة تُعْلَف وتُجهَّز قبل أربعة أشهر وبِسرِّية تامَّة، وعليُّ بن أبي طالب يُكَلَّف بالنوم في فراش رسول الله( صلى الله عليه وسلَّم) تَمويهًا على المشركين وتخذيلاً لَهم، وهو دور الفتيان الأقوياء.

وأمَّا دور النِّساء، فيمثِّله قولُ عائشة (رضي الله عنها) متحدِّثة عن نفسها وأختها أسماء: ” فجهَّزْناهما أَحَثَّ الجَهازِ” أسرعه، والجَهاز: (ما يُحتاج إليه في السَّفر)وصنَعْنا لهما سُفْرة( الزَّاد الذي يُصْنع للمسافر ) في جِراب(وعاء يُحْفَظ فيه الزاد ونَحْوه) فقطعَتْ أسماءُ بنت أبي بكر قطعةً من نِطاقها، فربطَتْ به على فَمِ الجراب، فبذلك سُمِّيَت ذات النطاقين؛( البخاري) وأمَّا دور الأطفال، فيمثِّله عبدالله بن أبي بكر، قالت عائشة ( رضي الله عنها ) “ثُم لَحِقَ رسول الله( صلـّى الله عليه وسلَّم ) وأبو بكر في غارٍ في جبل ثَوْر، فكَمُنَا” اختفَيا “فيه ثلاثَ ليالٍ، يبيت عندهما عبدالله بن أبي بكر، وهو غلامٌ، شابٌّ، ثقفٌ، حاذق فطن، لَقِنٌ سريع الفهم، “فيدلج من عندهما بِسَحَر” قُبَيل الفجر، “فيصبح مع قريش بِمكَّة كبائتٍ، فلا يَسْمع أمرًا يُكتادان به إلاَّ وعاه، حتَّى يأتيَهما بِخَبَرِ ذلك حين يختلط الظَّلام تشتد ظلمة الليل” ( البخاري) ومِن كمال التخطيط، كان الراعي عامِرُ بن فهيرة يسلك بقطيعه طريق الغار؛ لِيُزيل آثار الأقدام المؤدِّية إليه، ثم يسقي الرّسول( صلّى الله عليه وسلَّم ) وصاحبَه مِن لبن غنَمِه. ومن كمال التّخطيط أنِ اتَّخَذ النبِيُّ (صلّـى الله عليه وسلَّم) عبدالله بن أريقط دليلاً عارفًا بالطريق برغم كونِه مشركًا، ما دام مؤتَمنًا، متقِنًا لعمله؛ ولذلك أرشدَهم – بِمهارته – إلى اتِّخاذ طريق غير الطريق المعهودة.

5. الصبر واليقين طريق النصر والتمكين : فأصحاب الرسالات في هذه الحياة لا بد أن تواجههم المصاعب والمتاعب والمحن والابتلاءات , قال تعالى  : ” آلم ۔ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۔ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ” ( العنكبوت: 1-3) وعَنْ سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ : ” يَا رَسُولَ اللَّهِ , أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : الأَنْبِيَاءُ , ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ , فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاؤُهُ , وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ , فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ”( رواه الترمذي) وأن ّ طريق الدّعوة إلـى الله شاق ّمحفوف بالمكاره والأذى ، لكن من صبر ظفر ومن ثبت انتصر.

 وكان رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم ) يطمأنّهم بأنّ النّصر قادم , فحينما جاءه خباب بن الأرت يشكو ظلم قريش إِلَيه (صلى الله عليه وسلم) وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ ، فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ  فَقُلْنَا: ” أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا ، أَلاَ تَدْعُو لَنَا ، فَقَالَ : ” قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ ، فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ ، فَيُجْعَلُ فِيهَا ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ ، فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ ، وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَاللهِ ، لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللهَ ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ” ( أخرجه البخاري وأحمد )

نسأل الله تعالى أن ينصرنا ويسدّد خطانا لنصرة دينه.

الخطبة الثّانية

الحمد لله ربّ العالمين الّذي جعل اللّيل والنّهار خلفة لمن أراد أن يذكّر أو أراد شكورا.نحمده سبحانه وتعالى ونستهديه. أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأشهد أن محمّدا عبده ورسوله؛بعثه الله رحمة للعالمين هاديا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فجزاه الله خير ما جزى نبيا من أنبيائه وصلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى صحابته، وآل  بيته الكرام وكل من اقتفى أثره إلى يوم الدّين.

أما بعد :

إخوة الإيمان الكرام ! إن شهر الله المحرّم  الذّي نحن في غرّته شهرٌ عند الله عظيم والعمل فيه كريم؛ ولذا يجدر بنا الميل إلى ما له من خصائص وفضائل؛ منها كما تلي :-

1.  الصّيام فيه هو أفضل الصيام بعد رمضان

ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “أَفْضَلُ الصِّيامِ، بَعْدَ رَمَضانَ، شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وأَفْضَلُ الصَّلاةِ، بَعْدَ الفَرِيضَةِ، صَلاةُ اللَّيْلِ.”

2. هو من الأشهر الحرم الّتي يعظم فيها العمل أمرًا ونهيًا

قال الله تعالى : ” إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ…” (التوبة :36)

3. إضافته إلى الله تعالى إضافة تعظيم وتشريف( شهر الله المحرم).

فإن الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته؛ مثل؛ بيت الله وناقة الله…

قال ابن رجب رحمه الله: “ولمّا كان هذا الشهر مختصّا بإضافته إلى الله تعالى، وكان الصّيام من بين الأعمال مضافا إلى الله تعالى؛ فإنّه له من بين الأعمال؛ فناسب أن يختصّ هذا الشّهر المضاف إلى الله بالعمل المضاف إليه المختص ّبه وهو الصيام.”

4. هو الشهر الذي اختاره الصحابة في عهد عمر رضي الله عنهم ليكون أول السنة الهجرية

في خلافة عمر (رضي الله عنه) وبعد ثلاث سنوات من خلافته ومع اتساع رقعت البلاد الإسلامية واحتاج المسلمون أن يؤرخوا لرسائلهم وكتاباتهم وأن يؤرخوا للعقود والقروض فيما بينهم؛ فقد كتب إليه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يقول له: “إنه يأتينا منك كتب ورسائل ليس لها تاريخ”

5.  فيه يوم عاشوراء؛ وهو اليوم العاشر منه

ذلكم اليوم العظيم الّذي نجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام، وأغرق فرعون وجنده، وفرق فيه بين الحق والباطل.

وقد صامه موسى عليه السلام وقومه شكرًا لله تعالى، وصامه اليهود من بعده؛ فصامه النّبي صلّى الله عليه وسلم، وأمر بصيامه.ففي صحيح مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه، أن النبيّ (صلى الله عليه وسلم) قال : “صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَه” بصيام يوم قبله أو بعده.

الدّعاء

اللّهم ّصلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد.

وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

Scroll to Top