TMC Friday Khutbah Banner (Website)

فضل شهر رجب وحكم صيامه بعضا أو كاملا

بسم الله الرحمن الرحيم

الخُطبَةُ الخامسة لشهر جمادى الآخرة بِتَأرِيخ 29\6\1445هـ-12\1\2024م

فضل شهر رجب وحكم صيامه بعضا أو كاملا

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلّغ الرّسالة وأدّى الأمانة ونصح للأمّة وكشف الله به الغمّة وجاهد في سبيل ربّه حقّ جهاده حتّى أتاه اليقين. فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسوله محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار فالعياذ بالله.

أما بعد :

فيا عباد الله، اتّقوا الله سبحانه وتعالى طبقاً لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾، [آل عمران:3/102]

إخوة الإيمان, فإنّ موضوع خطبتنا اليوم يدور حول فضل شهر رجب وحكم صيامه بعضا أو كاملا.

 وعباد الله؛ اتّقوا الله واعلموا-رحمكم الله- أنّه بحكمته تعالى فضّل بَعْضَ الْأَيّامِ وَالشّهُورِ عَلَى بَعْضٍ كما فضّل بعض الأمكنة على بعض. فلَيْلَةَ الْقَدْرِ خِيرَتُهُ مِنْ اللّيَالِيِ، والجمعة خيرته من الأسبوع، وَمَكّةُ خِيرَتُهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَنبيّه مُحَمّدٌ -صلّى الله عليه وسلم- خِيَرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ، كما كان شَهْر رَمَضَانَ خِيرَة الله مِنْ شُهُورِ الْعَامِ “وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ” [القصص: 68].فمن بين هذه الأزمنة المفضّلة في السنة هو شهر رجب الّذي لا مدخل للبشر في تفضيله؛ لأنّ الله هو الدّهر الّذي بيده الأمر يقلّب اللّيل والنّهار، وهو سبحانه خالق الزّمان والمكان، ونؤمن بكمال ربوبيته وحكمته وعلمه.

أيّها الإخوة الكرام !إنّ فضل رجب داخل في عموم فضل الأشهر الحرم الّتي قال الله فيها : “إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُور عِنْدَ اللهِ اثْنَى عَشَرَ شَهْرًا فـِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ   وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ،فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ…” (التّوبة:36) وعيّنها حديث الصّحيحين في حجّة الوداع بأنّها ثلاثة سردا أي متتالية؛ ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم، وواحد فرد ، وهو رجب (مضر) الّذي بين جمادى الآخرة وشعبان.

ومن مظاهر تفضيل الأشهر الحرم بما فيها رجب؛ ندب الصّيام فيها كما جاء في حديث رواه أبو داود من مجيبة الباهليّة عن أبيها أو عمّها أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وسلمّ)، قال له بعد كلام طويل : “…صم من الحرم واترك !” ثلاث مرّات، وأشار بأصابعه الثلاثة،حيث ضمّها وأرسلها.والظّاهر أنّ الإشارة كانت لعدد المرّات لا لعدد الأيّام .ومن ذلك “إنّ شهر رجب لم يرد حديث خاصّ بفضل الصّيام فيه، لا صحيح ولا حسن” (ابن حجر) غير كونه من أشهر الحرم.

أيّها الإخوة المستمعون الكرام ! إنّ شهر رجب كواحد من أشهر الحرم من بين الشهور السّنة، وصيام النّافلة فيه كما في جميع شهور السّنة مشروع إلاّ في رمضان والعيدين،  وأيّام التشريق، ويوم الجمعة.فأمّا شهر رمضان فلأنّه ليس محلاّ للتطوّع وأمّا غيره فلم يصحّ النّهي عن صيام النّافلة فيه. ومع أنّ الصّيام النّافلة مشروع فيما عدا هذه المواضع وتتأكّد المشروعيّة في بعض هذا الأيّام حتّى يصير الصّيام سنّة وهديا ثابتا عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم). 

 فشهر رجب لم يصحّ في فضل صيامه شيء غيرما  لغيره من أشهر الحرم، إذ لم  يرد بخصوصه شيء عن النبي –صلى الله عليه وسلم- ولا عن أصحابه ولا سيّما “صيام الأعجاز” المعتاد . إنمّا يشرع في الشّهر من الصّيام ما يشرع في غيره من الشهور، من صيام الاثنين والخميس والأيام البيض وصيام يوم وإفطار يوم ونحو ذلك.

روي عن عمر –رضي الله عنه- أنه كان يضرب أكفّ الرجال في صوم رجب حتى يضعوها في الطعام ويقول: “ما رجب؟ إن رجباً كان يعظمه أهل الجاهلية فلما كان الإسلام تُرِك”.  وفي رواية “كره أن يكون صيامه سُنَّة”. وعن أبي بكرة –رضي الله عنه- أنه رأى أهله يتهيئون لصيام رجب فقال لهم: “أجعلتم رجب كرمضان، وألقى السّلال وكسر الكيزان”.   قال ابن تيمية: “أمّا صوم رجب بخصوصه، فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات”. (مجموع الفتاوى: 25/ 290)

أما صوم رجب بخصوصه، فأحاديثه كلها ضعيفة، بل موضوعة، لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل، بل عامتها من الموضوعات المكذوبات”.

فعلى هذا فالصّيام  في شهر رجب مشروع فيه كلّه كغيره من الشّهور، وبعضه أوكد من بعض فليس للصّيام فيه فضل على غيره. ومن صامه معظّما إيّاه أو اعتقد أنّ صيامه أفضل من غيره كان مبتدعا إذ لم يرد لذلك سند. 

ولذلك فإنّ سيّدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كان ينهى عن صيام رجب لما فيه من التّشبّه بالجاهليّة كما ورد عن خرشة بن الحر قال: “رأيت عمر يضرب أكف المترجبين حتّى يضعوها في الطّعام ويقول : “كلوا فإنّما هو شهر كانت تعظّمه الجاهليّة” (صحّحه الشّيخ الألباني في الإرواء)                                                 

أيّها المستمعون الكرام! اعلموا أنّه يستحبّ للمسلم في الأشهر الحرم -الّتي من بينه شهر رجب الّذي نحن في مطلعه -الإكثار والمواظبة على ما ثبتت به السّنة في سائر الأيّام من نوافل الطّاعات؛ من صلاة، وصيام، وصدقات، وغيرها من القربات مع المحافظة على الفرائض والواجبات على أنّه من الأشهر الحرم. قال قتادة: “العمل الصالح أعظمُ أجراً في الأشهر الحرم، والظلم فيهن أعظمُ من الظلم فيما سواهن، وإن كان الظلم على كل حال عظيماً”. ولكن لا يشرع تخصيصها بعبادة من العبادات أو اعتقاد أنّ لها فضلا في هذه الأشهر على سائر الطّاعات.

ومما أحدثها النّاس في شهر رجب بدعوى التّقرب إلى الله ما يلي:-

1. ذبيحة العتيرة : وهي ذبيحة كان يذبحها أهل الجاهلية في شهر رجب, وجعلوا ذلك سنة عندهم كذبح الأضحية في عيد الأضحى، وورد فيها بعض الأحاديث لكنها نسخت بقوله –صلى الله عليه وسلم-: “لا فرع ولا عتيرة” (متفق عليه)، وفي بعض ألفاظ الحديث: “نهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن الفرع والعتيرة. (رواه النسائي وصححه الألباني).  وعند أحمد: “لا عتيرة في الإسلام ولا فرع“، والفرع: أول النتاج كانوا يذبحونه لطواغيتهم.

2. العمرة في رجب: لم يثبت عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه اعتمر في رجب، وما جاء عن ابن عمر في ذلك فهو وهم منه، وقد بينت له ذلك عائشة حين قالت: “يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط” (متفق عليه).  فرجب كغيره في عبادة العمرة، إن اعتمر فيه المسلم من غير اعتقاد فضل معيّن بل كان موافقة، أو لأنّه تيسّر له في هذا الوقت مع رفقة، أو لمناسبته لوقت إجازته من العمل؛ فلا بأس بذلك، أما أن تخصص العمرة بهذا الشهر قصدًا، وتضاف إليها فيقال: “العمرة الرجبية“، ويظن أنها من السّنن التابعة للشهر فلا، فليس للمكلف أن يخص عبادةً بزمان معيّن إلا فيما ورد به الشرع، ولم ترد العمرة في شهرٍ من الشهور إلا في أشهر الحج وفي شهر رمضان.

3.صلاة الرغائب:  وهي صلاة مخترعة في أول ليلة جمعة من رجب، وهي من البدع المحدثة المخترعة، وقد قال النبي –صلى الله عليه وسلم-?: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد“.   قال ابن رجب في (لطائف المعارف) ص140: “لم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء“.

وقال الحافظ ابن حجر في (تبيّن العجب بما ورد في فضل رجب) : “لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه معيّن، ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه حديث صحيح يصلح للحجة“.

 4. الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج: ودرج على هذا كثير من المسلمين بناء على اعتقاد أن الإسراء والمعراج وقع في ليلة السابع والعشرين من رجب، وبنوا على ذلك تعظيمَ هذه الليلة، وإحياءها بصلاة مخصوصة يسمونها: صلاة ليلة المعراج، والاحتفال فيها بقراءة قصة المعراج وإنشاد القصائد حول ذلك. وكل هذا من المحدثات، وهو مبنيّ على غير برهان تاريخي فإنه لا يُعلم جزمًا متى كانت ليلة الإسراء والمعراج، والمؤرخون اختلفوا في تحديدها، ولو كان في ضبط ذلك خيرٌ لاعتنى به السلف الأولون وسبقونا إليه.

نسأل الله تعالى أن يرينا الحقّ حقّا وأن يرزقنا اتباعه ويرنا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

وأقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كلّ ذنب واستغفروه يغفر لكم إنّه هو الغفور الرّحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله ربّ العالمين نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه،ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.صلى الله وسلّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.أمّا بعد ؛  

عباد الله ! اتّقوا الله واستعيذوا به تعالى من الحزي يوم الندامة  ومن الفضيحة يوم القيامة فإنّ ممّا تكون به الفضيحة يوم القيامة الغلول ؛ وهو أخذ المال وحقوق النّاس بغير حقّ ولا موجب : “…وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ“(آل عمران :161)  

عباد الله المستمعون الكرام ! أصبحنا في زمان لا يكاد النّاس يفرقون بين الحلال والحرام فيما اكتسبوا به، ويطلقوا على حقوق الآخرين يستحقّون بها غلولا؛ منها الاختلاس من الأموال العامة.فعن عديّ بن عميرة الكنديّ قال :سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) يقول : “من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مِخْيَطا فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة” (رواه مسلم)

عباد الله ! الحجّة على العباد قامت ببيان النبيّ (صلى الله عليه وسلّم) ونصحه وإعذاره وإنذاره، فليحذر العبد من الخزي والفضيحة يوم القيامة ولا يستهين من الغلول بشيء ولا يحتكر من أموال النّاس شيئا، فإنّ من أخذ من أموال النّاس ولو كان قليلا أتى يوم القيامة يحمله على رقبته فضيحة وحزيا على رؤوس الأشهاد.

فالواقع الحالي في مجتمعنا اليوم ليس منّا ببعيد يبدو كما لو أنّه مقدّر لنا أن نكون فاسدين ومتلفين لأموال العامة في مناصب السلطة ولا سيّما المكلفين بأموال الضعفاء والمعوزّين في المجتمع مثل ما فشى اليوم عن وزيرة الشؤون الإنسانيّة والتخفيف من محو الفقر؛ الدكتورة بيتا أيدو (( Betta Edu وأعوانها وذلك بتحويل المال العام إلى الحسابات الشخصية .ولا يزال هذا يؤكّد أنّنا لا نعاني من الفقر حقّا،بل مشكلة التنظيم والإدارة في دولتنا العظيمة.

ولن يكون هناك تغيير في التحديّات الّتي تواجهنا كأمّة إلاّ بمعاوتنا معا في مكافحة الفساد الشّائعة “إِنَ اللهَ لاَ يُغَيِّّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ”  عباد الله إنّ الأمر خطير جدّ خطير؛فليحذر كلّ واحد وليتّق الله تبارك وتعالى مادام في دار العمل قبل أن يلقي الله تبارك وتعالى بما غلّ يوم القيامة،ومظالم لا قبل به بها.

وأخيرًا، أيها المستمعون الأعزاء ، نحن على هذا المنبر ننعى رحيل أبينا الشريف ومعلمنا ذو السمعة العالية، الشيخ عبد الحفيظ أبو (OFR) الذي فارقنا في 9 يناير 2024. كان للشيخ تأثير لا يُناقض في التنمية الروحية والفكرية للمجتمع المسلم، بالإضافة إلى التزامه بتعزيز الوحدة بين المجتمع المسلم بشكل عام. نسأل الله أن يُمنحه منزلة رفيعة في جنات الفردوس. تعازينا لعائلة المرحوم ، وللمجتمع المسلم في ولاية لاغوس وفي وطننا الحبيب نيجيريا بأكملها.

الدّعاء: اللهمّ إنّا نعوذ بك من الظلم ومن الغلول ومن البغي ومن العدوان. اللّهم طهّر أموالنا من الحرام والآثام .اللهمّ أصلح لنا شأننا كلّه يا ذا الجلال والإكرام. اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل ونشقى.اللهمّ سلّمنا إلى رمضان وسلّم لنا رمضان وتسلمه منّا متقبّلا. اللهم آمنا في أوطاننا واحفظ إخواننا المجاهدين في كل بقعة وكن معهم ولا تكن عليهم وفرج المعتقلين منهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللّهمّ اغفر لوالدينا ومشايخنا ولسائر المسلمين الاحياء منهم والأموات إنك مجيب الدعوات وبالإجابة جدير والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.        

Scroll to Top