TMC Friday Khutbah Banner (Website)

مكانة العلم والعلماء

الخطبة الأولي لشهر ربيع الأول بتاريخ 4 ربيع الأول 1444هـ (30\9\2022م)

مكانة العلم والعلماء

الخطبة الأولى:

 إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألَّا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء؛ ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى أهله وصحبه ومَنْ دعا بدعوته واستنَّ بسُنَّته إلى يوم الدين.

 أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وراقبوه ولازموا طاعته وامتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه وفي ذلك صلاح العاجل والآجل والمعاش والمعاد.

أما بعدُ: فاتقوا الله عباد الله  فيما أمَر، وانتهوا عما نهى عنه وزجَر؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آلِ عِمْرَانَ: 102)

معاشرَ المسلمينَ، موضوع خطبتنا اليوم يدور حول: مكانة العلم والعلماء،

عباد الله الكرام، اعلموا أن الله -تعالى- قد أكرَم الإنسانَ فمنَحَه موهبةً يقتبس بها العلمَ، وعلَّمَه بالقلم ما لم يعلم، ومنحَه العقلَ والبيانَ، وكلَّفه وخاطَبه بالحجة والبرهان، وشرَّفه بالعلم، ففضَّله على كثير ممَّن خلَق تفضيلًا، واستخلفه في الأرض بالعلم، قال تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)[الْبَقَرَةِ: 30-33].

عبادَ اللهِ: لقد أمَر اللهُ نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- أن يسأله الزيادةَ من العلم فقال: ( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)[طه: 114]، قال ابن حجر -رحمه الله-: “وفي هذا دلالة على فَضْلِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- لَمْ يَأْمُرْ نَبِيَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ‌بِطَلَبِ ‌الِازْدِيَادِ ‌مِنْ ‌شَيْءٍ إِلَّا مِنَ الْعِلْمِ”، ومجالس العلم عباد الله هي رياض الجنة، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ” إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الجَنَّةِ ‌فَارْتَعُواقَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: “حِلَقُ الذِّكْرِ“(رواه الترمذي).

وأخبر عليه الصلاة والسلام أن العلماء هم ورثة الأنبياء فقال: ” إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ ‌لَمْ ‌يُورِّثُوا ‌دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ“(رواه أبو داود).

معاشرَ المسلمينَ: إن التعليم هو أساس التربية وأصلها، فبه تُهذَّب الأخلاق وتُغرَس القيم، وبه معالجة الأخطاء، وتصحيح المفاهيم وتقويم الاعوجاج، العلم هو الحصن المنيع، والأساس الراسخ، فبه الأساس والصمود والرسوخ إذا ماجَت الفتن والمحن، العلم وسيلة الإصلاح، وطريق النجاح، وسبب الفوز والفلَاح، وأشرفُ ما يُتحلَّى به في الوجود، وأحسن ما يَتفضَّل اللهُ به على عباده ويجود، قال تعالى: ( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)[الْمُجَادَلَةِ: 11].

العلم ميزان الأخلاق والقيم، ومعيار الفضل وسُلَّم الارتفاع إلى القِمم، وباعث الأمل، ومُنهِض الأمم، رفَع اللهُ به أقوامًا فتقدموا، وحرَمه أقوامًا فتأخَّروا؛ (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)[الزُّمَرِ: 9]، أكرم الله أهله بخاصية أن قرن ذكرهم بذكره، وأشهدهم على وحدانيته فقال: ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ)[آلِ عِمْرَانَ: 18]، فهم أهل الخشية والاصطفاء، ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[فَاطِرٍ: 28].

أيها الأولياء: أنتم مسئولون شرعًا عن تعليم وتربية الأبناء، فاجتهِدوا في واجبكم، وابذلوا النصح والتوجيه لأبنائكم، وتفقَّدوا وراقِبوا وتابِعوا برامج تعليمهم وتحصيلهم، وساعِدوا المدرسين والمربين في تعليمهم وإرشادهم، وفِّروا لهم الظروف المناسبة، والأدوات اللازمة قدر الإمكان، لعل الله أن يرزقكم بذلك ولدًا صالحًا، ويرزقهم علمًا نافعًا؛ فإن ذلك من أعظم القربات، وأجلّ الطاعات، ومن الباقيات الصالحات، والصدقة الجارية بعد الممات، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ” إِذَا ‌مَاتَ ‌الْإِنْسَانُ ‌انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ(رواه مسلم).

فاحرصوا على تعليم وتربية أبنائكم، وساعدوا الجهات التعليمية بما فيه صلاح لهم، وبناء لمجتمعهم؛ فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.

 عبادَ اللهِ: خذوا بأسباب صلاح أبنائكم، بتعليمهم وتربيتهم، وملء أوقات فراغهم بالمفيد، وحثِّهم على الخير والطاعات، وقراءة القرآن، لعلَّكم تُرحمون بدعائهم وهدايتهم، فلا تدرون أيهم أقربُ لكم نفعًا.  عبادَ اللهِ: تعلموا العلم؛ فإن تعلُّمَه لله -تعالى- خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلم صدقة، وبذله لأهله قربة، وقد سخر الله لكم الوسائل، وهيأ لكم الظروف المناسبة، ويسَّر لكم الأدوات والتقنية الحديثة، وسخَّر لكم أجهزة الاتصال، ومنصَّات التعليم عن بُعد، فلا عذر لأحد في الانقطاع عن التعليم، فكل الوسائل متاحة، والحجة قائمة، وقد كان سلفنا فيما مضى يكابدون الحرمان، والغربة عن الأوطان، ويتجشمون كل مشقة وصعب، ويصبرون على اللأواء والنَّصَب، والقسوة وضيق العيش والتعب، في سبيل تحصيل العلم والطلب، فسبقوا الأمم واعتلوا القمم.

أيها المعلمون والمعلمات: هنيئًا لكم؛ فأنتم خلَف الأنبياء والمصلحِين في القيام بمهمة التعليم، فقد بعَث اللهُ الأنبياء معلِّمين، هنيئًا لكم باصطفائكم لصحبة العلم وخدمته ونشره، وبذل الخير وتعليمه للناس، هنيئًا لكم فأنتم تُغبَطون على هذا العمل، فأخلِصوا النية واحتسِبوا الأجرَ؛ (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ)[الْمُزَّمِّلِ: 20]، وهنيئًا لكم الأجر العظيم من رب العالمين، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ” مَنْ ‌دَعَا ‌إِلَى ‌هُدًى، ‌كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا(رواه مسلم).

أخلِصوا النية، وتحمَّلوا المسئولية، فأبناء الجيل أمانة في ذممكم، ومستقبل الأمة متعلِّق بمسئولياتكم، فاللهَ اللهَ في رعيتكم، اغرِسوا فيهم الدينَ والقيمَ، وحبِّبوا لهم العلمَ، ربُّوهم على الفضيلة ومكارم الأخلاق، وأبشِروا بالرفعة في الدنيا والآخرة، إن شاء الله.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما سمعتم فاستغفروا الله يغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي كتب الفناء على جميع الخلائق إنسها وجنها قال تعالى: [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ](آل عمران الآية 185)، وأشهد ألا إله إلا الله المتفرد بالبقاء والدوام وحده دون سواه وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله الذي ذاق طعم الموت كغيره من البشر القائل وهو يمسح العرق عن جبينه: (لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ) ﷺ

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وراقبوه ولازموا طاعته وامتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه وفي ذلك صلاح العاجل والآجل والمعاش والمعاد.
عباد الله موت العلماء مصيبة وأي مصيبة أنها مصاب للأمة جمعاء لأنهم مصابيح الدجى وعلامات الهدى هم كالشمس في النهار ، والعافية للبدن. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا) (رواه البخاري). وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (هَلْ تَدْرُونَ مَا ذَهَابُ الْعِلْمِ ؟ قلنا: لا، قَالَ : ذَهَابُ الْعُلَمَاءِ) (رواه الدارمي). يقول الإمام أحمد (الناس أحوج للعلم منهم إلى الطعام والشراب لأن الطعام والشراب يحتاج إليه مرتين أو ثلاثاً والعلم يحتاج إليه في كل وقت).

أجل أيها المؤمنون إذ انظرنا في صفحات التاريخ رأينا صفحات مشرقة وسيرة عطرة ومآثر ندية لعلماء الإسلام الأعلام كيف كانت حياتهم وكيف ضحوا بمهجهم وأفنوا أعمارهم في العلم والتعليم ونفع الناس ورغم أن هؤلاء قد رحلوا إلى الدار الآخرة كغيرهم ممن رحلوا عن الدنيا إلا أن ذكرهم باق والذكر للإنسان عمر ثان فمازلت أنهار هؤلاء العلماء جارية وينابيعهم صافية يستقي منها الظمآن ويرتوي منها العطشان وهؤلاء هم علماء الأمة الصادقون العاملون في كل عصر ومصر.
عباد الله ، توفي الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي- رئيس اتحاد علماء المسلمين سابقاً- يوم الإثنين 29 صفر 1444هـ الموافق 26 سبتمبر 2022 ، وفي يوم الثلاثاء، صلي علي جنازته بمسجد الإمام محمد بن عبد الوهاب،  الشيخ العلامة محمد الحسن ولد الددو الشنقيطي، ودُفن بمقابر أبو هامور، وهذه سنة الله في خلقه فالدوام والبقاء لله وحده رحم الله تعالى شيخنا وأحسن عزاءنا فيه وعوض الأمة عن هذا المصاب.

عباد الله نوصي بصلاة الغائب عليه في جميع أنحاء العالم اليوم بعد صلاة الجمعة بمشيئة الله تعالي وهذا من حقه علينا.

يا معشر المسلمين، من هو الشيخ عبد الله يوسف القرضاوي المرحوم؟ والشيخ في غنى عن التعريف والتنويه، وهو إمام العصر، فقد سارت بذكر علمه الركبان، ولم يعد بلد من بلدان الإسلام إلا واطلع على فقهه وتتلمذ عليه، وله في كل بلد تلاميذ، وفي قطر مريدون. والشيخ القرضاوي هو أحد أعلام الإسلام البارزين في العصر الحاضر في العلم والفكر والدعوة والجهاد، في العالم الإسلامي مشرقه ومغربه، ولا يوجد مسلم معاصر إلا التقى به قارئاً لكتاب، أو رسالة، أو مقالة، أو فتوى، أو مستمعاً إلى محاضرة، أو خطبة أو درس أو حديث، في جامع أو جامعة، أو ناد، أو إذاعة، أو تلفاز، أو شريط، أو غير ذلك.
ويعتبر الشيخ القرضاوي شيخ شيوخ الأمة الإسلامية، وأبرز الفقهاء المعاصرين الذين يتمتعون بقدرة متميزة على النظر الدقيق من خلال تحصيله المتعمق للعلوم الشرعية، وتجربته الميدانية في مجال العمل الإسلامي، كما يعتبر من المفكرين الذين يمتازون بالاعتدال، ويجمعون بين محكمات الشرع ومقتضيات العصر، وتجمع مؤلفاته بين دقة العالم، وإشراقة الأديب، وحرارة الداعية.
اشتغل القرضاوي بالدعوة منذ فجر شبابه، وشارك في الحركة الإسلامية، وتنوع عطاؤه بتنوع مواهبه، فهو خطيب مؤثر، يقنع العقل ويهز القلب، وكاتب أصيل لا يكرر نفسه ولا يقلد غيره، وفقيه تميّز بالرسوخ والاعتدال، فشرّقت فتاواه وغرّبت، وعالم متمكن في شتى العلوم الإسلامية، جمع بين علوم أهل النظر، وعلوم أهل الأثر، وشاعر حفظ شعره الشباب الإسلامي وتغنى به في المشرق والمغرب.
وهو من العلماء الربانيين الوسطيين المعتدلين العارفين بالواقع على ضوء قواعد الشرع المطهر، ورائد مدرسة التجديد والإصلاح في العصر الحديث، وأبرز دعاة الوسطية الإسلامية التي تجمع بين السلفية والتجديد، وتمزج بين الفكر والحركة، وتركز على فقه السنن، وفقه المقاصد، وفقه الأولويات، وتوازن بين ثوابت الإسلام ومتغّيرات العصر، وتتمسك بكل قديم نافع، كما ترحب بكل جديد صالح تستلهم الماضي، وتعايش الحاضر، وتستشرف المستقبل.

نشأته ومؤهلاته: ولد الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي في إحدى قرى جمهورية مصر العربية، قرية صفت تراب مركز المحلة الكبرى، محافظة الغربية، وهي قرية عريقة دفن فيها آخر الصحابة موتاً بمصر، وهو عبدالله بن الحارث بن جزء الزبيدي، كما نص الحافظ بن حجر وغيره، وكان مولد القرضاوي فيها في 9/9/1926م ، توفي والده وكان عمره عامين، وأتم حفظ القرآن الكريم، وأتقن أحكام تجويده، وهو دون العاشرة من عمره.
التحق بمعاهد الأزهر الشريف، فأتم فيها دراسته الابتدائية والثانوية وكان دائما في الطليعة، وكان ترتيبه في الشهادة الثانوية الثاني على المملكة المصرية، رغم ظروف اعتقاله في تلك الفترة. ثم التحق بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، ومنها حصل على العالية سنة 52-1953م، وكان ترتيبه الأول بين زملائه وعددهم مائة وثمانون.
ثم حصل على العالمية مع إجازة التدريس من كلية اللغة العربية سنة 1954م وكان ترتيبه الأول بين زملائه من خريجي الكليات الثلاث بالأزهر، وعددهم خمسمائة. وفي سنة 1958حصل على دبلوم معهد الدراسات العربية العالية في اللغة والأدب. وفي سنة 1960م حصل على الدراسة التمهيدية العليا المعادلة للماجستير في شعبة علوم القرآن والسنة من كلية أصول الدين. وفي سنة 1973م حصل على (الدكتوراة) بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى من نفس الكلية، عن: “الزكاة وأثرها في حل المشاكل الاجتماعية”.

أعماله الرسمية: عمل الدكتور القرضاوي فترة بالخطابة والتدريس في المساجد، ثم أصبح مشرفاً على معهد الأئمة التابع لوزارة الأوقاف في مصر. ونقل بعد ذلك إلى الإدارة العامة للثقافة الإسلامية بالأزهر الشريف للإشراف على مطبوعاتها والعمل بالمكتب الفني لإدارة الدعوة والإرشاد. وفي سنة 1961م أعير إلى دولة قطر، عميدا لمعهدها الديني الثانوي، فعمل على تطويره وإرسائه على أمتن القواعد، التي جمعت بين القديم النافع والحديث الصالح. وفي سنة 1973م أنشئت كليتا التربية للبنين والبنات نواة لجامعة قطر، فنقل إليها ليؤسس قسم الدراسات الإسلامية ويرأسه.
وفي سنة 1977م تولى تأسيس وعمادة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، وظل عميداً لها إلى نهاية العام الجامعي 1989/1990م، كما أصبح المدير المؤسس لمركز بحوث السنة والسيرة النبوية بجامعة قطر.
وقد أعير من دولة قطر إلى جمهورية الجزائر الشقيقة العام الدراسي 1990/1991م ليترأس المجالس العلمية لجامعتها ومعاهدها الإسلامية العليا، ثم عاد إلى عمله في قطر مديرا لمركز بحوث السنة والسيرة.
عضويته في مجامع علمية: كان الشيخ عضوا في عدة مجامع ومؤسسات علمية ودعوية وعربية وإسلامية وعالمية، منها: المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامية بمكة، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بالأردن، ومركز الدراسات الإسلامية بأكسفورد، ومجلس أمناء الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد، ومنظمة الدعوة الإسلامية بالخرطوم، ورئيس لهيئة الرقابة الشرعية في عدد من المصارف الإسلامية.

بعض الجوائز التي حصل عليها: حصل على الجوائز الكثيرة المتنوعة في شتى مجالات..
مؤلفــاته: الكتابة والتأليف من أهم ما برز فيه الدكتور القرضاوي، والناظر في كتبه وبحوثه ومؤلفاته يستيقن أنه كاتب مفكر أصيل لا يكرر نفسه، ولا يقلد غيره، ألف الشيخ يوسف القرضاوي في مختلف جوانب الثقافة الإسلامية وجاوزت مؤلفاته الخمسين بعد المائة، وقد لقيت قبولاً عاماً في العالم الإسلامي، وطبع بعضها عشرات المرات، وترجم عدد كبير منها إلى اللغات الإسلامية، واللغات العالمية. فلا تكاد تذهب إلى بلد إسلامي إلا وجدت كتب القرضاوي هناك إما بالعربية أو باللغة المحلية، أما مقالاته ومحاضراته وخطبه ودروسه فيصعب حصرها. وهذه نماذج قليلة من كتبه لضيق المقام:

1- كتاب “الحلال والحرام في الإسلام الذي ألفه بتكليف من مشيخة الأزهر في عهد الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت ـ رحمه الله ـ وتحت إشراف الإدارة العامة للثقافة الإسلامية في عهد الدكتور محمد البهي ـ رحمه الله ـ وقد أقرته اللجنة المختصة وأثنت عليه. وقد انتشر الكتاب انتشاراً منقطع النظير في العالم العربي والإسلامي، ونوه به كثيرون من العلماء المرموقين، حتى قال الأستاذ الكبير: مصطفى الزرقاء: إن اقتناء هذا الكتاب واجب على كل أسرة مسلمة، وقال الأستاذ محمد المبارك ـ رحمه الله ـ هو أفضل كتاب في موضوعه، وكان الأستاذ الكبير علي الطنطاوي يدرسه لطلابه في كلية التربية بمكة المكرمة، وعني المحدث المعروف الشيخ ناصر الدين الألباني بتخريج أحاديثه.
طبع الكتاب ما لا يقل عن أربعين مرة بالعربية، حيث تطبعه أكثر من دار نشر بالقاهرة وبيروت، والكويت، والجزائر، والمغرب، وأمريكا. هذا عدا الطبعات المسروقة التي يصعب تتبعها وحصرها. كما ترجم الكتاب إلى الإنجليزية والألمانية والأوردية والفارسية والتركية والماليزية والأندونيسية والماليبارية والسواحلية والأسبانية والصينية، وغيرها.

2- فقه الزكاة: وهو في جزءين كبيرين، وهو دراسة موسوعية مقارنة لأحكام الزكاة وأسرارها وآثارها في إصلاح المجتمع، في ضوء القرآن والسنة، ويعد من أبرز الأعمال العلمية في عصرنا. وقد شهد المختصون أنه لم يؤلف مثله في موضوعه في التراث الإسلامي، وقال عنه العلامة أبو الأعلى المودودي ـ رحمه الله ـ : أنه كتاب هذا القرن (أي الرابع عشر الهجري) في الفقه الإسلامي، نقله عنه الأستاذ خليل الحامدي. لقد كان الشيخ القرضاوي شيخ الأمة دون منازع، تربّع على كرسيِّ مرجعيّتها عقودًا من الزّمان، فكان فيها الفقيه المجدّد، والدّاعية المُشفق، والخطيب المُفوّه، والشيخ الثائر، والأديب الشاعر، والعالم العامل، وسلطان علمائها، وحامل رايتها، والمدافع عن مقدساتها.

فسلام على الشيخ القرضاوي يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا، اللهم تقبله فى الصالحين مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، اللهم لاتفتنا بعده ولا تحرمنا أجره واغفر لنا وله، أحسن الله عزاءنا وعزاءكم. اللهم اغفر له وارفع درجته في المهديين وأفسح له في قبره ونور له فيه وأخلفه في عقبه،

Leave a Comment

Scroll to Top