نظرة إسلامية في المشاركة في الانتخابات المعاصرة  

بسم الله الرّحمان الرّحيم

الخطبة الثانية لشهر صفر بتاريخ 19 صفر 1444هـ (16\9\2022م)

نظرة إسلامية في المشاركة في الانتخابات المعاصرة  

إن الْحَمْدَ للهِ, نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ, ونَتُوبُ إلَيْهِ, وَنُنُثْنِي عَلَيْهِ الْخَيْر َكُلَّهُ, سُبْحَانَهُ ذِي الْمِنَنِ والآلاَءِ, وَالْعِزِّ وَالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِياءِ, الْمُسْتَحِقِّ لأَعْظَمِ الشُّكْرِ وَأَجْزَلِ الثَّنَاءِ, وَأَشْهَدُ أن لا إلَهَ إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُوَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إمَامُ الْحُنَفَاء, وقائِدُ الأَصْفِياءِ, وأَفْضَلُ مَنْ أَسَّسَ أُسُسَ الإصْلاحِ وَالْبِنَاءِ, صلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الشُّرَفاءِ وَأْصْحَابِهِ الْأَوْفِيَاءِ, وَالتابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا دَامَتِ السماوات والْأَرْضُ .

أَمَّا بَعْدُ,

فَيَا عِبادَ اللهِ أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَي اللهِ عَزَّ وَجَلَّ, اتَّقُوهُ سُبْحَانَهُ فِي أَنْفُسِكُمْ وَ في مَسْؤُولِياتِكُمْ فَتَقْوَى اللهِ هِيَ الْعِزُّ مِنْ غَيْرِ جَاهٍ وَنَسَبٍ  وَشَرَفٍ ومِنْ غَيْرِ  مَنْصِبٍ وَحَسَبٍ, هِيَ الْغِنَى مِنْ غَيْرِ مَالٍ, وَبِهَا صَلاَحُ الْحالِ وَالْمَآلِ, قَالَ تَعَالَي: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ {الطَّلاق 2-3}

إِخْوَةَ الإِيمانِ, إِنَّ موضوع خُطْبَتَنَا الْيَوْمَ من قَضِيَّةِ السَّاعَةِ فِي وَطَنِنَا نَيْجِيرِيَا ألا وهو نظرة إسلامية في المشاركة في الانتخابات المعاصرة. ومن المعلوم أن المواطنين يستعدون للانتخابات العامة في العام المقبل وعلي إثرها قد حصل الجدل الحار ولا يزال يستمر بين المسلمين حول القضية بين المؤيد والمخالف.

أولا يجب التفريق بين الديمقراطية- التي هي منظومة فكرية مناقضة للإسلام في حقيقتها وفلسفتِها، وبين الانتخابات التِي هي من أشهر آلياتها، حتى ظنَّ بعضُ النَّاس أنَّها هي هي؛ بينما الانتخابات آلية ووسيلة لا فكر ومنهج.

فالانتخاب في اللغة: نخَبَ يَنخُب ، نَخْبًا ، فهو ناخِب ، والمفعول مَنْخوب، نخَب الشّيءَ :أخذ أحسَنه وأفضلَه ، أَخَذَ نُخْبَتَهُ أَيْ مَا هُوَ مُخْتَارٌ مِنْهُ بِعِنَايَةٍ، والانتخاب الإختيار، انتخبَ ينتخب ، انتخابًا ، فهو مُنتخِب ، والمفعول مُنتخَب، انتخب فلانًا: صوّت لصالحه، اختاره بإعطائه صوته، في الانتخاب 

الانتخاب في الاصطلاح: عرف الدكتور فهد العجلان الانتخابات بأنها: “طريقة يختار فيها المواطنون أو بعضهم من يرضون ويتوصل من خلالها لتحديد المستحق للولاية أو المهمة المنتخب فيها” (انظر: الانتخابات وأحكامها في الفقه الإسلام، ص15)، وقال الدكتور مصطفى السباعي: “فالانتخاب هو اختيار الأمة لوكلاء ينوبون عنها…” (انظر: المرأة بين الفقه والقانون)

والأصل مشروعية الانتخابات وأدلته من الكتاب والسنة النبوية وسنة الخلفاء الراشدين؛ ونذكر منها ما يلي:
1- قول الله تعالى:  وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة: 2) فإذا كانت الانتخابات موصلة لأهل الخير إلى موقع التأثير في القرار بما يقتضيه الشرع؛ فانتخابُهم من التعاون على البرِّ والتقوى.

2- ما جاء في حديث بيعة العقبة الثانية، أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((أخرجوا إليَّ اثْنَي عشر نقيبًا منكم، يكونون على قومهم))؛ فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، منهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس؛ رواهُ ابْنُ إسحاق، وقال الهيثمي: “رجالُه رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرَّح بالسماع”؛ (مجمع الزوائد: 6/44-45)؛ وصحَّحه الشيخ ناصر الدين الألباني؛ كما في تعليقه على (فقه السيرة للغزالي: 150).
فقوله صلَّى الله عليه وسلم: ((أخرجوا إلي اثني عشر…)) طلب ترشيح اثني عشر نائبًا لهم وممثلاً عنهم، وهذه حقيقة الانتخاب، بغض النظر عن طريقته وآليته.

3- قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: (إذا خرج ثلاثة في سفر؛ فليؤمِّروا عليهم أحدهم)، رواه أحمد وأبو داود، وهو حديث محتجٌّ به، وصحَّحه جمع من أهل العلم. وتأمير الجمع لأحدهم: إما أن يكون باتفاقهم عليه أو اختيار وقبول أكثرهم لإمرته عليهم، والاختيار حقيقة الانتخاب – كما تقدَّم.
وقال ابن تيمية – رحمه الله – في كتابه القيم “السياسة الشرعية”: “فأوجب صلى الله عليه وسلم تأميرَ الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر؛ تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع”؛

ويدخل في ذلك جميع مؤسسات المجتمع الأهلي، والنقابات وغيرها من التجمعات المعروفة في هذا العصر – فلأعضائها اختيارُ قياداتِها وفق الأنظمة والقوانين المعمول بها، مما ليس فيه مخالفة للشرع.
قال الشيخ عبدالله بن قعود – رحمه الله – معلقًا على قول ابن تيمية – رحمه الله -: “ويدخل في ذلك الجماعات التي تنظِّم أمورها، شريطة ألاَّ يتوجَّب الولاء لها دون غيرها؛ بحيثُ تتبرَّأ من غيرها، ولا عندي في هذا إشكال؛ وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يسأل الوفود عن رئيسهم والنقباء وغيرها، وكلام الشيخ هنا صريح في هذا”؛ انتهى.

وفي هذا المعنى:
قال الشوكاني: “وفيها دليل على أنه يشرع لكل عدد بلغ ثلاثة فصاعدًا أن يؤمِّروا عليهم أحدهم؛ لأنَّ في ذلك السلامة من الخلاف الذي يؤدي إلى التلف، فمع عدم التأمير يستبدُّ كل واحد برأيه ويفعل ما يطابق هواه؛ فيهلكون، ومع التأمير يقل الاختلاف وتجتمع الكلمة، وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون – فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار، ويحتاجون لدفع التظالم، وفصل التخاصم أولى وأحرى؛ وفي ذلك دليل لقول من قال: إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام”.

4- أنَّ عمر – رضي الله عنه – سمَّى ستة نفرٍ من كبار الصحابة رضي عنهم؛ هم: عثمان بن عفَّان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله، وسعد بن أبي وقَّاص، وعبدالرحمن بن عوف؛ فجعل الخلافة شورى بينهم، يتشاورون فيمن تعقد له الخلافة منهم، في قوله: “إني لا أعلمُ أحدًا أحقَّ بِهذا الأمر من هؤلاء النَّفَرِ، الَّذينَ تُوُفِّي رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلم – وهو عَنْهُم راضٍ؛ فمنِ استخلفوا بعدي فهو الخليفة؛ فاسمعوا له وأطيعوا))؛ رواه البخاري (ح 1392)

وهذا سنَّة خليفة راشد، جمع فيها بين أسلوب وآلية (العهد)، التي هي سنَّة الخليفة الراشد أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – حين عهد إلى عمر – رضي الله عنه – بالخلافة، وبين أسلوب ترك الاختيار للأمَّة بتفويض الأمر للمسلمين، التي سنَّها النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكلٌّ سنّة؛ فهي أساليب وآليات تتغير، والثابت هو الغاية منها، وهو وجوب تولية الأصلح قدر الاستطاعة.

وقد جاء في بعض الروايات: إنَّ أهل الشورى لمَّا جعلوا الأمر إلى عبدالرحمن بن عوف – رضي الله عنه -: “نَهض يستشير النَّاس فيهما، ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس النَّاس وأجنادهم، جميعًا وأشتاتًا، مثنى وفرادى ومجتمعين، سرًّا وجهرًا، حتى خلص إلى النساء المخدَّرات في حجابِهنَّ، وحتَّى سألَ الولدان في المَكاتب، وحتَّى سأل مَنْ يَرِد مِنَ الرُّكبان والأعراب إلى المدينة، في مدَّة ثلاثةِ أيَّامٍ بلياليها؛ فَلَمْ يَجِدِ اثنيْنِ يَختلفان في تَقديم عُثمان بن عفَّان، إلا ما يُنقل عن عمَّار والمقداد أنَّهما أشارا بعليِّ بن أبي طالب؛ فسعى في ذلك عبدالرحمن ثلاثة أيام بلياليهن، لا يِغتمِضُ بكثيرِ نومٍ، إلا صلاةً ودعاءً واستخارةً، وسؤالاً من ذوي الرأي وغيرهم، فلم يَجد أحدًا يعدِلُ بِعُثمان بْنِ عفَّان – رضي الله عنه -“؛ هكذا أوردها ابن كثير في “البداية والنهاية” (10/211)، وفيها تفاصيل أشبه شيءٍ بالانتخاب، ولم يتعقبها.
5- الانتخابات بالصيغ الموجودة اليوم آلية تتضمن مجموعة من الأفكار الوافدة، فيها ما هو مقبول وفيها ما هو مردود؛ وهي بذلك لا يجوز أن تدون في نظام سياسي إسلامي دون أن يُستبعد منها ما ليس مشروعًا؛ كالمُخالفات الظاهرة في شروط المترشحين لها، بينما الولاية الشرعية تتطلب شرطين رئيسين هما: القوة في الولاية؛ عِلمًا بأحكامها، وقدرةً على تنفيذها، والأمانة في القيام بها، وهي المذكورة في مثل قول الله تعالى: “إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ” (القصص: 26)، وقوله سبحانه في مؤهلات قيادة طالوت: “وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالْجِسْمِ” بعد أن قالوا: “أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ” (البقرة: 247)
ولكن إذا عُدم النظام الشرعي للانتخاب بشروطه الشرعية، وطلب من الناس أن ينتخبوا أهلاً لولاية ما – فإنَّ الانتخابات حينئذٍ تكون الخيار الممكن لتولية الأصلح، ومن ثمَّ لا ينبغي التأخُّر عنها،

وانتقال الولايات إلى غير الأمناء لا يسلبها الشرعية، وذلك أن (الشرعية) صفة ملازمة لتلك الولايات، فالقضاء مثلاً هو ولاية شرعية جليلة، فإذا كان قد تحول في بعض البلدان الإسلامية إلى قضاء قانوني صرف، وتولاها علماء القانون دون أهل الشريعة، فهذا الوضع لا يغير من أهمية القضاء وشرعيته شيئًا. وواجب على المسلم الذي يتولى هذا المنصب أن يعدل فيه ويحكم وفق الشرع المطهر، ولا يجوز له أن يتخلى عن هذا المنصب إذا كان باستطاعته أن يحكم بالتنزيل.

الخطبة الثانية

الْحمد لله ربّ العالمين ونصلّي ونسلِّم عَلَى صَفوة خلقه المبعوث رحمة للعالمين , سيّدنا مُحمّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد

عباد الله اعلموا أن درجة المشاركة في الانتخابات تختلف من بلد إلي أخرى بالنظر إلي المصالح والمفاسد

أنواع المشاركة في الحكومات ثلاثة:

النوع الأول: أن تكون المشاركة في بلد إسلامي تحكم بما أنزل الله

 فإن الحكم الشرعي لمشاركة الناخب فيها هو الإباحة والجواز, فيجب عليه إن شارك أن يختار أصلح من يعلم لأن هذا هو مقتضي النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. ويري الشيخ يوسف القرضاوي بأن الانتخاب قد يكون واجبا علي الشخص حين يتوقف علي تصويته وصول الكفء الأمين, ويترتب علي عدم التصويت وصول غير الأكفاء (من فقه الدولة للقرضاوي) وهذا هو السائد في انتخابات اليوم حيث يُعتبر مجرد العدد, بغض النظر عن الكفاءة والأهلية.

النوع الثاني: أن تكون الانتخابات في بلد  إسلامي لا تحكم بشرع الله:

ذهب أكثر أهل العلم إلي جواز المشاركة لمن كان قصده تحقيقَ بعضِ المصالح ودرء بعض المفاسد, فتقوي الله بالمستطاع, وقد يكون فيه تمكين لدين الله وللمسلمين, مثل ما حدث في تركيا, وتَحُولُ مشاركة المسلين في هذه الحكومات غير الإسلامية دون تفرد المفسدين والعلمانيين بالسلطة, وبمشاركتهم يستطيعون الدفاع عن حقوق المواطنين والذود عن حماهم الذي أمرهم الله به إذ قال ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا والجعل لنا من لدنك نصيرا[النساء : 4\ 75]ويري الشيخ العجلان أنه من باب ارتكاب أخف الضررين , وأهون الشرين لدفع أعلاهما, وهي في نفس الوقت ضروره, والضرورات تبيح المحظورات,

النوع الثالث: أن يكون الانتخاب في البلدان الغربية غير الإسلامية

ذهب جمع من الباحثين المعاصرين إلي جواز مشاركة المسلم الذي يسكن في البلاد غير الإسلامية في الانتخابات التي تجري في بلاده, وقد أجازوا ذلك مع أن الانتخابات هناك تجري علي غير أصول الشريعة.

الدعاء: اللهمّ أرنا الحقَّ حقّاً وارزُقنا اتِّباعَه وأرِنا الباطلَ باطلاً وارزُقنا اجْتِنابَهُ.اللهمّ َخُذْ بأيْدينا إلى كَسْبِ ما تُحِبُّ وترضى ووفِّقنا لمُداوات هذه القلوب المرضى إنَّك أقرب قريب وأجوب مجيب.اللّهمَّ انصُرْ إخواننا المُجاهدين في كلِّ مكانٍ ,في مشارق الأرض ومغاربها …

Leave a Comment

Your email address will not be published.